دفاعًا عن الحضانات في أماكن العمل

الخميس 20 تشرين الأول 2016
في حضانة وزارة التنمية الاجتماعية. تصوير حسام دعنة.

تُعد النسبة المتدنية جدًا لمشاركة النساء الأردنيات في الاقتصاد الرسمي واحدةً من أبرز التحديات التي تواجه الأردن اليوم. رغم أن النساء متعلمات أكثر من الرجال، حيث أن 53% من خريجي الجامعات سنة 2015 كنّ نساءً، إلا أن نسبة مشاركتهن في القوى العاملة وبالتالي في الاقتصاد بقيت على حالها المُحبِط بنسبة امرأة واحدة من كل ثماني نساء (أو 13.3%) مقارنةً بنسبة رجل من كل ثلاثة (60%).

احتسب «منتدى الاستراتيجيات الأردني» في دراسةٍ له أن الخسارة التي يتحملها الاقتصاد الأردني نتيجة لهذا التراوح الجندري تصل إلى حوالي 46% من الناتج الإجمالي المحلي الأردني.

تدخل النساء الأردنيات سوق العمل برواتب مقبولة ابتداء من عمر الرابعة والعشرين، وتتصاعد نسبة النساء العاملات أو الباحثات عن عمل بشكل منتظم حتى بلوغ سن الثلاثين. لكن عندما تتزوج النساء وينجبن الأطفال يخرجن من سوق العمل ويواجهن صعوبة بالغةً في العودة إليه.

ذكرتْ دراسةٌ للمجلس الأعلى للسكان أن النصف تقريبًا من النساء اللواتي يغادرن سوق العمل ذكرن أن سبب تركهن للعمل هو العناية بالأطفال والمسؤوليات الأسرية. النساء اللواتي يحاولن العودة إلى سوق العمل بعد فترة غياب طويلة يواجهن سلسلة من التحديات كالرواتب الضائعة والمهارات التي عفا عليها الزمن، مما يزيد من احتمالية بقائهنّ خارج القوى العاملة بشكل دائمٍ حالما ينجبن الأطفال أو يتزوجن.

وللتعامل مع هذه المشكلة فصّلت المادة 72 من قانون العمل الأردني الشروط التي تُلزم بحسبها مؤسسات القطاع الخاص بفتح حضانة في مكان العمل: يجب أن يكون عدد النساء العاملات في المؤسسة عشرين امرأة على الأقل، وأن يكون لديهن عشر أطفال تحت سنّ الرابعة. ويفتقر نص هذه المادة إلى نقاط عدة منها:

1. تُعزّز المادةُ الفكرةَ الاجتماعية السائدة التي ترى أن الأطفال مسؤولية النساء فقط، بينما تمّ تعريفها عالميًا على أنها مسؤولية تخص الرجال والنساء بشكل متساوٍ.

2. اشتراط المادة وجود عشرين موظفةٍ كحدٍ أدنى يستثني 98% تقريبًا من الشركات العاملة في الأردن مما يعني عدم توفير الحضانات في أغلب مجالات الاقتصاد الرسمي.

3. اشتراط عدد معين من الموظفات ليتمّ بعده توفير الحضانة دفَعَ أصحاب العمل إلى العزوف عن توظيف النساء لكي لا يتجاوز عددهن العتبة القانونية، وهو ما رصدته منظمة صداقة (منظمة غير ربحية تدعم توفير الحضانات في أماكن العمل).

4. صياغة المادة تضع عبء توفير الحضانات بالكامل على القطاع الخاص، مما يعفي القطاع العام من أي مسؤولية لتشجيع توفير مثل هذه الخدمة، وهو ما قد يؤدي إلى دفع نصف موارد الأردن البشرية نحو سوق العمل.

وبناء على المعلومات السابقة كلّفت «صداقة» جهة بإجراء دراسة** لفهم قيمة الحضانات في مكان العمل، وأخذت قطاع الاتصالات كحالةٍ للدراسة. كان من أهداف هذه الدراسة معرفة ما تفضله موظفات شركات الاتصالات حيال صفات مكان العمل المختلفة، ولاحتساب القيمة العددية التي يعطينها لتوفير الحضانات في أماكن عملهن.

استطلعت الدراسة آراء 98 موظفة في شركتي اتصالات عاملة في المملكة (بنسبة استجابة للدراسة بلغت 4.2%). أشارت العينة المُستطْلعة أن وجود حضانة في مكان العمل هي الصفة ذات القيمة الأعلى، متفوقةً على صفات أخرى مثل إجازة الأمومة الطويلة والرواتب المتساوية لقاءَ العمل المتساوي وساعات الدوام المرنة.

وعندما سُئلت العينة المُستطْلعة عن الصفات ذات القيمة الأعلى عندما يبحثن عن حضانة، كانت الصفتان الأعلى من بين ثلاث هي قرب الحضانة من مكان العمل، وأن تكون ساعات دوام الحضانة متلائمةً مع ساعات الدوام في العمل. كما أكّدت العينة مرة أخرى أنهن يعتبرن توفُّر الحضانة أفضل ما يمكن أن يقدمه مكان العمل.

أهم نتائج الدراسة، وهو ما كان الهدف الرئيس منها، أن الموظفات المستطلعات في شركتي الاتصالات يعطين قيمةً إيجابيةً كبيرة لخدمة الحضانة في مكان العمل. أغلبية العينة المُستطلعة وضعت قيمةً تتراوح بين الـ51 دينارًا والـ 100 دينار للموظف في الشهر للعمل في شركة تقدّم خدمة الحضانة لموظفيها. المعدل الذي تم احتسابه بلغ 52.2 دينارًا للموظف في الشهر. ولقد ظلت هذه القيمة إيجابية بغض النظر عن النوع الاجتماعي وعدد الأطفال والعمر والمستوى التعليمي.

وعلى وجه الخصوص، فقد وضع الموظفون الحاصلون على درجة الماجستير قيمة 100 دينار، ووضع الموظفون المتزوجون قيمة 67 دينارًا، ووضعت الموظفات قيمة 54 دينارًا للموظف في الشهر.

هذه القيمة الإيجابية لخدمة الحضانة تُترجم مباشرةً على شكل توفير في الكلفة يعود نفعه على صاحب العمل. ونظريًا، لو لم تكن الحضانات موجودةً لاضطُرَّ صاحب العمل إلى زيادة رواتب موظفيه بمعدل 52.2 دينارًا لكل موظف في الشهر. مثلًا، شركتا الاتصالات المُستطلعة في الدراسة يمكنها أن تتمتّع بمبلغ 736.000 دينار لكل شركة في السنة كزيادات رواتب ضائعة يدفعونها لموظفيهم. هذه القيمة لا تشمل الفوائد الأخرى للحضانات، كارتفاع الإنتاج، وتقليل الغياب عن الدوام، وتقليل تبديل الموظفين.

نظرًا إلى النتائج المذكورة سلفًا، فإنه من الضروري مراجعة موقف البلد، والحكومة على وجه الخصوص، حيال الحضانات في أماكن العمل. وفي ظل الصياغة الحالية للمادة 72 فإن الحضانات موسومةٌ بشكل أصيل على أنها خدمةٌ خاصة ويقتصر تقديمها على القطاع الخاص فحسب. لقد فشلت هذه المُقاربة في الأردن كما فشلت في بلدان أخرى كالبرازيل وتشيلي والهند.

يتعيّن علينا أن نُقدّم خدمة الحضانات كما هي حقيقتها: منفعة عامة. توفيرها من شأنه أن يشجّع النساء على البقاء ضمن القوى العاملة وعلى الانخراط فيها مما يعود بالمنفعة المالية والاجتماعية على كل من يقيمون في المملكة. كما أن التعليم الجيد على مستوى الحضانات يزيد بشكل ملحوظ من تطور الأطفال الذهنيّ والعقليّ ويحسّن نتائجهم الأكاديمية في المستقبل. وبعد أن يتم تقديم الحضانات بصفتها منفعة عامة، يجب أن يشترك القطاعان العام والخاص في كلفة إنشاء الحضانات.

أمام الحكومة الأردنية عدة خيارات، بناء على قصص النجاح التي عاشتها دول أخرى، لضمان توفير خدمة الحضانات في الاقتصاد. قد تسمح الحكومة بأن تكون الكلف ذات العلاقة بالحضانات مستثناة مرتين من الدخل الخاضع للضريبة، أو أن توفر إعفاءات ضريبية عليها. حتى ويمكن للحكومة أن تقدم دفعات نقدية مباشرة للشركات التي توفر الحضانات. من شأن هذه الأمور أن تجعل الحكومة شريكة في تمويل الحضانات وأن تقلل من الكلفة على القطاع الخاص، وبالتالي تشجع توفير الحدمة على نطاق أوسع وتزيد من مشاركة النساء في اقتصاد الأردن.


**تم إنجاز هذه الدراسة من قبل مؤسسة صداقة بدعم من المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في الدول العربية ضمن مشروع «أجور عادلة ورعاية الأطفال» الممول من الحكومة النرويجية.

This article is also available in English here.