ما بعد سحب الرقم الوطني: قصص عن الحياة بلا جنسية

تصوير خالد البشير

ما بعد سحب الرقم الوطني: قصص عن الحياة بلا جنسية

الإثنين 31 تموز 2017

تحت ذريعة تطبيق تعليمات قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية، والذي صدر في عام 1988، جُرّد الآلاف من المواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية من جنسيتهم الأردنية أثناء مراجعات روتينية لدوائر حكومية، فكان حال كثيرين منهم كمن خلد إلى النوم أردنيًا واستيقظ إما فلسطينيًا أو بلا جنسية.

بحسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، والذي صدر عام 2010 بعنوان «بلا جنسية من جديد: الأردنيون من أصل فلسطيني المحرومون من الجنسية»، فقد 2700 مواطنًا أردنيًا الجنسية ما بين عامي 2004 و2008، واستمرت هذه السياسة في السنين اللاحقة.

 لا أحد يخبر هؤلاء المحرومين من الجنسية بالقرار ويشرحه لهم، بحسب التقرير، بل «يُقال لهم أنهم لم يعودوا مواطنين أردنيين في أثناء تعاملات روتينية عادية مع السلطات، مثل تجديد جوازات السفر أو تسجيل المواليد، أو تجديد رخصة القيادة، أو أثناء بيع الأسهم».

تصدّر هؤلاء المجرّدون من الجنسية اهتمام الإعلام الأردني لفترة من الزمن، فرووا هم القصص الإنسانية من جانبهم، وردّت الحكومة الأردنية بحجّتها، حيث صرّح المسؤولون مرارًا وتكرارًا أن سحب الجنسية إجراء ضروري لـ«تثبيت الفلسطينيين» في أرضهم.

ثم نسيهم الجميع، وظلّوا يخوضون معاركهم اليومية مع التعليم، والتملّك، والعمل، والسفر والإقامات والموافقات الأمنية وحدهم. بحسب المحامية هالة عاهد، فإن «قرار سحب الجنسية هو قرار إداري، يحق لمن تعرّض له الطعن فيه خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا من تاريخه أمام المحكمة الإدارية». بيْد أن ما يجري في العادة، بحسب عاهد، هو أن الناس يشعرون بـ«الهشاشة والضعف» أمام أجهزة الدولة التي سحبت مواطنتهم، وبالتالي لا يثقون بالإجراءات الرسمية للطعن ويحاولون جاهدين أن يبحثوا عن «واسطة» تعيد لهم الجنسية بلا «تصعيد».

التقت حبر بمجموعة من الأشخاص الذين فقدوا جنسيتهم، وأخبرونا أين أصبحوا اليوم بعد سنوات من سحب الجنسية، ومعارك بعضهم لاستعادتها.

محمد: إقامة دون «مكان الإقامة»

حتى عام 2004، كان جميع أفراد عائلة محمد* أردنيي الجنسية قبل أن يفقدوها بدون مبرر مفهوم بالنسبة لهم، ويُمنحوا جوازات سفر أردنية مؤقتة كُتب على ظهرها «يحمل بطاقة جسور خضراء» على الرغم من أنهم لم يكونوا من حملة هذا اللون من البطاقة، بل ولا يستطيعون عبور الجسر إلى فلسطين.

يروي محمد أنهم كانوا في زيارة إلى دمشق بعد سنوات من فقدان الجنسية، وعندما عادوا إلى الأردن أُعطوا ورقة على الحدود الأردنية تطلب منهم مراجعة دائرة المتابعة والتفتيش، التي منحتهم بدورها «الكرت الأخضر»، بحسب روايته.

بحسب خانة «مكان الإقامة» في جوازات السفر الأردنية المؤقتة التي يحملها أفراد عائلة محمد، يقيم هو في سوريا التي ولد فيها وغادرها عندما كان عمره شهرين إلى الأردن. أما أخواته، فيُقمن في نابلس التي وُلد أبوه فيها، ولديه أخت أخرى تقيم في إسبانيا التي زارتها ذات مرة بحسب التأشيرة المطبوعة على جوازها، ولكن من يعرف العائلة يعرف أنهم يقيمون جميعًا في منزلٍ واحدٍ في عمّان.

بيد أن موظف دائرة الجوازات قال أنه يلتزم بالتعليمات، ولا يمكنه وضع مكان الإقامة «عمّان» على جواز سفر مؤقت يعود لأشخاص جرّدوا من جنسيتهم الأردنية.

لو اشتكى شخص من فقدان الجنسية، لقال السامعون إن الرقم الوطني بلا فائدة أساسًا، بحسب محمد. لكنهم لا يعرفون كيف تتحوّل حياتهم بدونه. «بنقدّم معاملة صرنا عن طريق السفارة الفلسطينية عشان ندرس بمدارس الحكومة.. بالجامعة نفس الشي، لما بدي أجدّد رخصتي بدي أقدّم معاملة بدي أستنى 21 يوم عبيل ما تطلع»، يقول محمد.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث يقول محمد، الذي حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، والماجستير في إدارة أعمال مسار المحاسبة، إنه يجد صعوبة بالغة في إيجاد وظيفة، حيث كان يعمل في جهة تابعة للأمم المتحدة، وعندما جاء موعد تثبيته بها، كان هو الوحيد الذي لم يحصل على موافقة أمنية وفقد الوظيفة. شقيقتا محمد حاصلتان على شهادات الماجستير و«كلهم قاعدين» على حد تعبيره.

خيار محمد الوحيد اليوم هو العمل مع والده في متجرٍ يملكونه في الواقع، ولا يملكونه على الورق، فهو مسجّل باسم شخص من معارفهم.

خيار محمد الوحيد اليوم هو العمل مع والده في متجرٍ يملكونه في الواقع، ولا يملكونه على الورق، فهو مسجّل باسم شخص من معارفهم. حتى المنزل الذي اشتروه منذ حوالي عشر سنوات من شركة عقارية لا يزال باسم الشركة، حيث لم تنجح محاولاتهم بنقل الملكية حتى هذه اللحظة بسبب التعليمات التي تضع قيودًا على تملّك الفلسطينيين، وهم يعون أن «الدنيا حياة وموت» لكن ما باليد حيلة.

قدّمت العائلة طلبًا للاعتراض على إجراء سحب الجنسية لدى وزارة الداخلية، ولكن شيئًا لم يحدث منذ سنوات. على الرغم من أن أفراد عائلته اعتادوا الأمر، حتى فقدوا الأمل منه، إلا أن محمد لا يملك إلا أن يقلق من المستقبل. يفكّر كيف سيؤسس عائلة وهو بلا جنسية، فهل يصبح أبناؤه وبناته من فئة أبناء الأردنيات؟

لا يبدو هذا السيناريو محبّذًا، فكذبة ما يُسمّى بالـ«مزايا» لا تنطلي على أحد بحسب مشاهداته، حيث يقول «هذول أبناء الأردنيات مش زي ما عم يحكوا.. يعني أنا بشوفهم بالجوازات، بيعانوا».

هالة: أربعة جنسيات تسحب بسحب واحدة

عندما ذهب أحد أبناء هالة* الأربعة، والذي فقد هو وأخوانه الجنسية الأردنية منذ أكثر من عشر سنوات، لاستخراج رخصة قيادة، قيل له أنه يحتاج إلى إقامة. بعد محاولات ومراجعات متكررة، لم ترفض الجهات المعنية منحه الإقامة وحسب، بل «قالوا له إذا بترجع كمان مرة بنحبسك»، بحسب رواية والدته.

تعيش هالة، التي توفي زوجها الذي كان مسجونًا في سجون الاحتلال قبل سنوات، في عمّان منذ عام 1980. حين كانت سلطات الاحتلال تشترط ولادة الطفل في الضفة الغربية ليستطيع الحصول على الهوية الفلسطينية، كانت هالة تذهب لتضع مولودها هناك وتعود بعد حوالي 20 يومًا إلى منزلها في عمّان، فوُلد ابنان لها في الضفة الغربية، بينما وُلد أشقاؤهما الاثنان الأصغر سنًا في عمّان، حين تبدّلت تعليمات التسجيل في الهوية، وأصبح من الممكن تسجيل الطفل عندما يبلغ الخامسة من العمر دون أن يكون مولودًا في الضفة الغربية.

أما المعيشة، والحضانات، والمدارس، بل وحتى عملها هي، فكلها كانت في عمّان، حيث تملك العائلة منزلًا منذ عام 1990. في عام 2004، سحبت السلطات الأردنية جنسية زوج هالة، وبالتالي فقد أبناؤها الأرقام الوطنية حكمًا. احتفظت وحدها بالجنسية الأردنية، وأُصدر لها دفتر عائلة منفصل كُتب عليه «لا يُضاف الأبناء» لاختلاف جنسية الزوج كما قيل لها. برّرت الجهات المعنية سحب جنسية أبنائها بأن «أبوهم بالسلطة.. ولما ابني حتى كان يروح يراجع، يقوله أنت روح عند أبوك. يقوله أبوي في السجن، يقوله ولو كان روح إنزل عالضفة عند أبوك».

إن أرادت هالة أن تلخص أثر سحب الجنسية على العائلة، تطلب منك أن تنظر حولها، فتقول «أنا قاعدة لحالي ولا ولد قادر يقعد عندي، وأنا هلا صار سني كبير، وأنا متعودة على عمّان.. صار لي 37 سنة في الأردن، تعوّدت.. يعني هاي عيني وهاي عيني».

ابن هالة الأكبر يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية ولا يفكّر بالعودة، ويكمل أخ له دراساته العليا في فرنسا، بينما انتقل أخوهم الثالث إلى الخليل ليقيم مع جدّته بعد أن سدّت جميع أبواب العمل والإقامة في عمّان، ولكنه لم يستقر هناك بعد. وبقي ابنها الأصغر هنا مؤقتًا، حتى يجد بلادًا ينتقل إليها هو الآخر الذي تخرّج منذ حوالي سنتين ولم يجد عملاً بعد، وله في أخوانه عبرة.

تقول هالة «كيف بدهم يجوا هون؟.. لا رقم وطني ولا هوية ولا حتى رخصة سواقة مش معطينهم. ولا واحد، واللي كان عنده رخصة ما جدّدولوش إياها». على الرغم من إصدارها لـ«كرت الأردنيات» أملًا في أن يستفيد أبناؤها من مزايا البطاقة، إلا أنهم يعودون خائبي الرجاء في كل مرة يراجعون دوائر حكومية، حيث يسمعون أنها «لسا مش مفعّلة».

حاولت هالة أكثر من مرة أن تستعيد جنسية أبنائها، فتحتفظ بورقة عليها أرقامهم الوطنية المسحوبة وكافة الوثائق الأخرى. ذات مرة، قصدت دائرة الأحوال المدنية، فاستهزأ الموظف بما قدّمته متسائلًا كيف تجرؤ أن تطلب جنسية لأبنائها وأبوهم فلسطيني، فأجابت بأنها لا تطلب منحهم الجنسية وإنما إعادتها لهم كما كانت منذ ولادتهم.

سامي: سنوات من تجنب السحب لم تجد نفعًا

وُلدت ابنة سامي* الأولى عام 2003 ولكنه لم يذهب ككل الآباء لتسجيلها فور ولادتها. وعندما انتهت صلاحية جواز سفره، لم يقصد دائرة الأحوال المدنية والجوازات لتجديده، بل عاش سنوات وهو ينأى بنفسه عن أي دائرة حكومية حتى لا يصل أحد إلى رقمه الوطني وينتزعه.

يقول سامي أنه كان على يقين بأن جنسيته ستُسحب فور وصوله إلى أول شاشة حاسوب أمام أي موظف حكومي، فقد كلّف أحد معارفه و«دخلوا على اسمي وملفي قالوا لي أنت من الناس اللي بدهم يسحبوها منهم»، وذلك قد يكون بسبب حمله لبطاقة الجسور الخضراء التي أعطوه إياها على جسر الملك حسين وهو عائد إلى الأردن من الضفة الغربية في عام 1996.

وُلد سامي في عام 1974 في عمّان، وله ثمان شقيقات كلهن وُلدن في عمّان أيضًا باستثناء واحدة وُلدت في سوريا. بعد اتفاق أوسلو في عام 1993، كان أفراد عائلة سامي من العائدين إلى الضفة الغربية الذين استقروا هناك فيما بعد، بينما ذهب هو لزيارتهم لمدة شهر وأعطي البطاقة الخضراء عند عودته، والتي أصبحت تعليمات فك الارتباط تنص صراحة على سحب الجنسية من كل من يحملها لاحقًا.

«أنا ما عرفت إيش هي، لأنه أول مرة بسافر.. فكرت هاي من الأمور اللي بتنرمى، بالرغم من أنه عادتي أحتفظ بكل أوراقي.. ولا أنا كنت على وشك أكبّها»، يقول سامي.

بعد تجنّب الاحتكاك بالجهات الحكومية لسنين طويلة، ذهب سامي من تلقاء نفسه إلى دائرة الأحوال المدنية في عام 2007، وكأن لسان حاله يقول «يلّا اسحبوها»، وهو ما حدث.

تحمل زوجته الجنسية الأردنية، وهو أب لأربع بنات لم يذهبن إلى مدارس حكومية إلا منذ سنتين فقط، عندما سمع هو عن إمكانية إلحاقهن بالمدارس العامة «ع حضانة أمهم»، وقد لجأت العائلة إلى بطاقة أبناء الأردنيات «اللي هي تاعت المزايا اللي ما فيهاش مزايا».

لا يخفي سامي أنه يحتار في كيفية التعامل مع السلطات الأردنية، فيحاول الالتزام بكل ما يطلبون لاستعادة جنسيته بلا جدوى. طلبت منه دائرة المتابعة والتفتيش أن يسجّل بناته الأربعة في الهوية الفلسطينية حتى يستعيد جنسيته الأردنية، ففعل، ومُنح وهو عائد إلى الأردن إذنًا بالإقامة في بلدٍ كان يعتبره مكان إقامته الدائم لمدة شهر، ويحتاج إلى تمديد هذه الإقامة لعدة مرات قبل أن ينفذ عدد مرات التمديد، ويضطر للمغادرة والعودة من جديد.

يقول سامي «عملوا زي أي أجنبي بيدخل البلد بيعطوه فيزا.. لما اكتشفت أنه أصدقاء إلي من الضفة بيجوا هون ولا بيراجعوا ولا إشي وما حدش بيقولهم شو بتساووا، بطّلت». حتى هذا اليوم، سيّارة سامي مسجلة باسم زوجته، وقد اشترى وباع عدة سيارات، واضطر في كل مرة إلى اصطحاب زوجته معه، حيث يقول «معنى أنتع مرتي معي يعني أنتع بناتي معي لأنه فش محل أحطهم.. عملت لي وكالة عامة، مشولي إياها أول مرة بعدين صار لازم تجي شخصي».

يقود سامي سيارته الحالية برخصة منتهية صلاحيتها منذ عشر سنوات، فلم يُمنح موافقة لتجديدها، حيث كانوا يقولون «ما أجا رد» مما يترجمه إلى «يعني رفض». عندما سمع عن اتفاقية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الأردنية في مجال السير، لم يُصدّق أن بإمكانه القيادة على رخصة فلسطينية دولية هنا في شوارع المدينة التي يسكن بها بانتظام كما تشهد فواتير الكهرباء والماء على حد تعبيره، فسأل أكثر من جهة للتأكد، وبالفعل نصحوه باستخراج رخصة فلسطينية.

استخدم هذه الرخصة لسنتين قبل أن يوقفه شرطي سير ويحجز الرخص ويحرّر له مخالفة بقيمة 45 دينارًا، بل وقال له «ولا في منه الحكي» إشارةً إلى الاتفاقية التي يستند إليها. بحسبة بسيطة، تحتاج الرخصة الجديدة إلى إقامة وموافقة أمنية، وقد تصدر ولا تصدر، وإن صدرت تكون صالحة لمدة سنة واحدة، فهي لا تستحق العناء المؤكد، فـ«أوكل مخالفتين ثلاثة أحسن ما إني أعمل رخصة».

يحتفظ سامي، شأنه شأن كل من سحبت منهم الجنسية، بملف الأوراق الرسمية والاسترحامات وما يثبت عدم عدالة الإجراء من وجهة نظره، ويخرجه في كل مرة يلتقي فيها شخصًا قد يساعده بأي وسيلةٍ كانت، ولكن مساعيه لم تُعد الرقم المفقود حتى اللحظة.

خالد: تسعة سنوات من اللاجنسية تنتهي

على شبّاك الجانب الأردني على الحدود الأردنية السورية قبل العام 2011، وقف خالد* يشرح للموظف الذي يتصفّح جواز سفره ظرفه «الخاص»، فقد كان أردنيًا منذ ولادته، والآن يحمل جوازًا أردنيًا بدون رقم وطني.

فكّر الشرطي للحظة، وقال لخالد أن عليهم معاملته كأردني، طالما أنه يحمل الجواز المؤقت، وعليه دفع ضريبة المغادرة البالغة حوالي تسعة دنانير. دفعها، وغادر متجهًا للحدود السورية برفقة مجموعة من زملائه في رحلة نظمتها جامعتهم إلى دمشق.

على الجانب السوري، تصفّح الشرطي ذات الجواز، وقال له «أنت فلسطيني.. ممنوع تدخل؟» مستندًا إلى كلمة «نابلس» المكتوبة في خانة مكان الإقامة، على الرغم من أن خالد لم يزُر نابلس في حياته. على الرغم من تأكيد خالد للشرطي أنه يقيم في عمّان، إلا أنه لم يقتنع وقال «هذا جواز سفر، أكيد مش ملعوب فيه».

صدّق الموظف الجواز، وعاد خالد وحيدًا في الباص إلى عمّان، بعد أن ختم له شرطي أردني آخر «لاغي» على الضريبة، دون إرجاع قيمتها له بالطبع.

في عام 2007، كان خالد، الذي ولد في عام 1989 في السعودية وانتقل إلى الأردن عام 1995، برفقة والدته بين مكاتب المتابعة والتفتيش، ومعهما ظرف محكم الإغلاق أمروهما بعدم فتحه حتى يؤذن لهما. عندما وصلا إلى مكتب الموظف المسؤول، فتح الموظف الظرف وقرأ محتويات الورقة، وقال «طيب رح نسحب منكم الجنسية.. نعم؟ شو تسحب الجنسية؟ قال آه هيك مكتوب بالورقة «تُظهّر الجنسية للجنسية الفلسطينية»»، يقول خالد.

ما هي إلا لحظات وعدة نقرات على الحاسوب حتى فقد والد خالد الجنسية، وبالتالي فقدها خالد وأخوه تلقائيًا لأنهم يتبعون جنسية الأب بحسب قانون الجنسية الأردني، بينما احتفظت بها أخته لأنها تعدّت سن الثامنة عشرة بحسب الموظف. أخبر خالد الموظف أنه يتم الثامنة عشرة بعد أربعة أيام من ذاك التاريخ، ولكنه التزم بما ورد في الورقة وخرجا بلا جنسية.

يقول خالد «أبوي معه كرت أصفر زي عمي زي نص المملكة الأردنية الهاشمية، حتى خالتي معها كرت أصفر ومعها جنسية وطول حياتها عايشة بالضفة بس بتجي عالأردن زيارات». بعد فقدان جنسيته، لم يصدر خالد إقامة، لرفض والده الفكرة جملةً وتفصيلًا، فقال له «ما ترضى تعمل إقامة لأنه أنت عايش ببلدك ومعك الجنسية أبًا عن جد».

كان خالد قد انتهى من التسجيل للفصل الأول بجامعة حكومية بنجاح قبل سحب الجنسية، فدخلها كمواطن أردني، ولم تبدأ المتاعب تتوالى إلا بعد أن انكشف أمره عند انتهاء صلاحية هويته. حتى يسجّل الطالب في كل فصل، كان عليه أن يظهر ما يثبت تأجيله لخدمة العلم في مكتب «خدمة العلم» الواقع في الجامعة، والذي كان، من حسن حظ خالد، غير متصل الكترونيًا بالدوائر الحكومية الأخرى، ويكتفي بدفتر المكتب الكبير.

في المرة الأولى، قال له الضابط بعد أن أبرز هوية منتهية الصلاحية «رح أمرق لك اياها بس لازم تجدّد الهوية»، ولكنه رفضها في المرة التالية. يقول خالد «قلت له أنا مسحوب مني الرقم الوطني وكذا كذا، فضحت حالي، قال لي لازم ناخذ منك دفتر الخدمة هلا».

ذهب خالد إلى وحدة القبول والتسجيل لـ«تعديل جنسيته» كما طُلب منه، فأخبره الموظف أنه لا يوجد فئة اسمها «أردني بدون رقم وطني». اضطر بعدها إلى التوجه لرئيس الجامعة الذي سجّله كفلسطيني، باستثناء خاص كونه لا يحمل بطاقة أو جنسية أو أي شيء يثبت أنه فلسطيني سوى  بطاقة أبيه الصفراء التي لا تشمله أساسًا.

بعد التخرج، بدأ يصطدم بموظفي الموارد البشرية في الشركات التي تقدم لها، والذين اعتذروا منه لكونه سيحتاج إلى تصريح عمل، وهو أمر لا يريدون الخوض فيه. لكن خالد لا يخفي أنهم بدّلوا موقفهم لاحقًا بعد تدخل «واسطة» حتى يعمل.

آخر فصول قصته، وهو «أردني بدون رقم وطني»، دارت حول إصدار رخصة القيادة التي استغرقت حوالي سنة ونصف، وكانت في النهاية صالحة لمدة سنة واحدة فقط. مرّت سنة ونصف وخالد يراجع دائرة الترخيص للاستفسار عن الموافقة المطلوبة لإصدار رخصته، فتارة تكون أوراقه ناقصة، وتارة تكون الموافقة وصلت ولم تجده واقفًا في الدائرة بانتظارها فانتهى مفعولها، ووجب عليه التقديم مرة أخرى، وتارة تكون كل أوراقه قد اكتملت ولكن صلاحية «دروس السواقة» قد انتهت ووجب عليه أخذ شهادة جديدة من المدرّب.

بعد إصدار رخصته بحوالي شهر، وصلته مكالمة من موظف في دائرة المتابعة والتفتيش. لم يصدّق خالد أن الاعتراض الذي قدموه منذ حوالي تسع سنوات قد أفضى إلى نتيجة بعد كل تلك المراجعات التي عادوا منها بلا طائل. طلب الموظف أن يحضروا أوراق تثبت أن خالد وأباه وأخاه ليسوا موظفين في السلطة الفلسطينية ولا يتقاضون الرواتب منها.

بعد ثلاثة أشهر من تسليم الأوراق المطلوبة إلى دائرة المتابعة والتفتيش، والتي حصلوا عليها بمساعدة أصدقاء لهم «معارف» في السلطة الفلسطينية، ذهب خالد في شهر كانون الأول من العام الفائت يستلم هوية وجواز سفر جديدين يثبتان أنه أردني مرة أخرى.

سارة: «نكتة» ثمنها 21 شهرًا

لو قيل لسارة* قبل عام 2009 أن هناك من سُحبت جنسيتهم، لقالت أنها «نكتة جيدة»، فكيف يُنتزع ما هو ملك أصيل للشخص؟ لكن نظرتها تبدّلت كليًا بعد زيارتها للضفة الغربية للمرة الأولى في حياتها عام 2008.

أثناء هذه الزيارة، قرّرت سارة، التي تُدرّس الموسيقى، أن تمدّد إقامتها وتعمل هناك، فقد كانت قد تخرجت منذ زمن قصير حينها، وتتطلع إلى تجربة جديدة. بعد سنة ونصف، عادت إلى الأردن لتجديد جواز سفرها وزيارة عائلتها في عطلة عيد الفصح المجيد، فما كان من الموظف على جسر الملك الحسين إلا أن صادر الجواز وطلب منها استعادته من دائرة المتابعة والتفتيش.

كان على والدها استخراج دفتر عائلة جديد بدونها، فأصبح فجأة أبًا لأربعة أبناء وبنات بدلًا من خمسة، وأصبحت هي تقيم بلا أي أوراق ثبوتية في البلاد

لم تكُن سارة قد استوعبت بالفعل ما حدث بعد، ولكنها زارت الدائرة كما طُلب منها، وأخذت الجواز بعد مشادة كلامية مع الموظف، لتنتقل به إلى دائرة الجوازات، وهُناك التقت بالموظف الذي «مسك الخرّامة وخرمه كله ومزعه بالنص.. وقال لي أشوف شو بدك تعملي».

هكذا أضحت النكتة التي كانت تُضحكها كلما سمعتها عن الغرباء حقيقة حدثت معها شخصيًا، وقلبت حياتها رأسًا على عقب. رفضت سارة أن تستخرج جواز سفر مؤقت، وقالت حينها «لو كان هذا الحل الوحيد عشان أعيش بهاي البلد، ما بطلع باسبور مؤقت».

كان على والدها استخراج دفتر عائلة جديد بدونها، فأصبح فجأة أبًا لأربعة أبناء وبنات بدلًا من خمسة، وأصبحت هي تقيم بلا أي أوراق ثبوتية في البلاد، وتزعم أن هويتها ورخصة القيادة مفقودتان في كل مرة يوقفها فيها شرطي السير.

بقيت سارة بلا عمل لأكثر من سنة ونصف، فكل مدرسة تريد العمل معها تحتاج إلى التحقق من خلفيتها، خصوصًا وأنها تعمل مع الأطفال، وأعلمتها ثلاث مدارس بأنها لم تحصل على الموافقات اللازمة بعد التحري عنها.

لم تجد مخرجًا سوى العمل مع جهة يعرفها مديرها منذ زمنٍ طويلٍ، ويقدّر ظرفها الخاص، فوقّع أخوها العقد بالنيابة عنها، وحصل هو على الموافقات اللازمة، فكان هو الموظف على الورق، وهي التي تعمل في الواقع وتتقاضى الراتب.

بقيت الكثير من التفاصيل غير مفهومة بالنسبة لسارة بعد فقدان جنسيتها، فكيف مثلًا اختفى اشتراكها في الضمان الاجتماعي، والذي كانت قد بدأت به أثناء عملها الذي تزامن مع دراستها؟ وكيف أصبحت لا تستطيع التصرف بأي من الأسهم التي تملكها؟ كلما سألت عن هاتين المسألتين، قيل لها أن ملفها إما «مش مبيّن عالسيستم» أو أن هناك قفل على اسمها من الأحوال المدنية، وعليها مراجعتهم للحصول على براءة ذمة.

في هذه الأثناء، لم تترك سارة بابًا إلا وطرقته لاسترجاع جنسيتها، من السلطات الحكومية إلى ديوان المظالم ومنظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، ولكن بلا جدوى. لم تعُد الجنسية لها إلا بعد أن وقعت قصتها بالصدفة على مسامع سيدة من صديقات والدتها، والتي قالت أن ابنها «يعرف» ابنًا لعائلة متنفذة، وقد يستطيع المساعدة.

بعد سريان مفعول هذه الواسطة، والتي لم تكن الوحيدة على حد قول سارة، ولكنها الأقوى، استرجعت سارة الجنسية الأردنية بعد سنة وتسعة أشهر من فقدانها، واعتذر منها الموظف الذي سلّمها جوازها الأردني عن «غلطة الموظف» الآخر، فردّت عليه بالقول «[قلت له]أنا تمرمطت وروّحت علي دراستي.. كان وقتيها بسنتها طالع لي منحة أكمل دراستي بألمانيا.. روّحت علي شغلي، وخربت لي عيشتي، وأبصر شو رح يصير لي ضغط وسكري من وراكم عشان تقولي غلطة موظف».

بعد أن كان سحب الجنسية أشبه بـ«نكتة» تسمعها ولا تصدقها، تقول سارة اليوم بكل صراحة «ما بقدر أشوف ايش اللي بيمنع أنه يصير هذا الحكي مرة ثانية»، بل تكاد تجزم ما هي إلا مسألة وقت حتى تتكرّر الحادثة.


*تم تغيير الأسماء حفاظًا على خصوصية أصحابها.

تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).