كاميرات الأردن: «عين» على الأقصى وأهله

الأربعاء 30 آذار 2016
موظفة إسرائيلية تقوم بمتابعة كاميرات المراقبة الإسرائيلية المنتشرة في مدينة القدس. عن الواشنطن بوست.

بعد حرق عائلة دوابشة نهاية حزيران الماضي، وما تبع ذلك من إغلاقات للمسجد الأقصى، ومنع للمصلين من دخوله واعتقالهم وضربهم وابعادهم، تصاعدت حدّة الهبة الشعبية الفلسطينية ضدّ قوات الاحتلال. فأربكت السّكين والرصاصة وعجلات السّيارات أجهزة أمن الاحتلال التي لم تجد عنوانًا أمنيًا محددًا لملاحقته في ظلّ اتصاف العمليات بالفردية في التّخطيط والتنفيذ.

وبعد أن خرج الأمر عن السيطرة، أطلّ وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بمقترح الإنقاذ «الأنيق»، لحماية أمن دولة الاحتلال وإعادة «الهدوء»، وهو نصب كاميرات مراقبة في ساحات المسجد الأقصى باعتباره العامل الأساسي في اشتعال المواجهات. سوّقت الفكرة فيما بعد على أنها نصرٌ للمسلمين وتثبيت لسيادتهم العربية والإسلامية على المسجد المحتل، وأنها الردّ الأردني على الانتهاكات الإسرائيلية بحقّ المسجد. وهكذا تحولت الفكرة من اقتراح أمريكي إلى إرادة ورغبة وتخطيط وتنفيذ أردنيّ، وبالتالي سيتم منع اقتحامات المستوطنين عبر توثيقها، حسب الادعاء الأردني، دون أن يشرح أحد كيف ستمنع التوثيقات بالكاميرا المزيد من الاقتحامات أو الجديد من مخططات التقسيم والتهويد.

دار في الأشهر الأخيرة، ومنذ إعلان «كيري» عن مشروع كاميرات المراقبة، الكثير من النشاط الأردني في مدينة القدس بهذا الشّأن، ميدانيًا وإعلاميًا. فعلى الصّعيد الميداني، تكررت زيارة الوفود الأردنية إلى مدينة القدس والمسجد الأقصى بالذات للتحضير والترتيب لتركيب هذه الكاميرات. فبينما نقلت الجرائد الإسرائيلية تفاصيل لقاءات التفاوض على تفاصيل المشروع بوجود موافقة إسرائيلية مبدأية، ومن بينها أن هذه الكاميرات ستبث في غرفتي تحكم واحدة أردنية والثانية إسرائيلية كما ذكر «راديو إسرائيل»، كانت تصريحات مسؤولين في وزارة الأوقاف الأردنية في المقابل تؤكد أن المشروع أردني خالص، وأنه لم تعقد أية جلسات مع الإسرائيليين أو تنسيقات معهم، وأن غرفة التحكم الوحيدة ستكون أردنية.

لم يشرح أحد كيف ستمنع التوثيقات بالكاميرا المزيد من الاقتحامات أو الجديد من مخططات التقسيم والتهويد.

وعلى الصعيد الإعلامي، نشطت الجهات الأردنية مؤخرًا في تلميع مشروع كاميرات المراقبة في المسجد الأقصى، وتحركت دائرة الأوقاف في مدينة القدس لشرعنة المشروع، ورسم صورة مضللة بأن أهالي القدس مجمعون على فائدته وأهميته في معركتهم على الأقصى، أغلى ما يملكون من حيز اجتماعي سياسي وديني في المدينة.

من ضمن هذه التّحركات، على سبيل المثال، كرر الذين تمت مقابلهم في برنامج «عين على القدس»، والذي يبث عبر التلفزيون الأردني الرسمي، نفس المقولة التي وردت في بيان وزير الدولة لشؤون الإعلام محمد المومني بأن المسلمين في كل العالم سيتمكنون من رؤية ما يجري في الأقصى، وأن هذا أمر إيجابي طبعًا، ولماذا نقف ضدّه خاصة أنه «سيثبت للعالم أجمع» حقيقة ما يحصل في الأقصى.

أما عن الشّخصيات الرسمية أو شبه الرسمية، فقد صرح كلّ من ناجح بكيرات، وجمال عمرو، والمفتي محمد حسين، وغيرهم، بتصريحات تراوحت بين التأييد المطلق للكاميرات باعتبارها متسقة مع السّيادة الأردنية على الأقصى، وبين التأييد الذي يلمس منه بعض الحذر، إلا أنها كانت كلّها تؤكد على أن مشروع الكاميرات مشروع أردني بامتياز.

أن يتم تركيب 55 كاميرا في أرجاء المسجد الأقصى بإشراف أردني كامل دون تدخل أمني إسرائيلي هو أمر مستبعد، بالنظر إلى أن إدخال مواد البناء والترميم بل وحتى موائد الإفطار ومواد عادية أخرى إلى المسجد الأقصى شهد عرقلة متكررة، وأن أيًا منها لم يمر دون تنسيق من الجهات الإسرائيلية.

في المقابل، شهد المشروع معارضة من أطراف ذات خلفيات متنوعة، كان من أبرز هؤلاء شيوخ حزب التّحرير ذوو الحضور القويّ على صعيد الدروس الدينية في المسجد الأقصى، والذين صرّحوا بوضوح بوقوفهم ضدّ هذا المشروع إضافة إلى بعض الشخصيات المقدسية الأخرى؛ كخطيب المسجد الأقصى الشيخ يوسف أبو سنينة الذي قال في خطبة الجمعة التي تلت الإعلان عن اقتراح كيري بأن نصب الكاميرات يخدم الاحتلال فقط. والشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا الذي اعتبر الأمر «فخًا أمريكيا». ويضاف إلى ذلك البيانات التي انتشرت في مدينة القدس خلال الشهور الثلاثة الماضية، والتي تدل على رفض المقدسيين للكاميرات، ونظرتهم إليها كجسم غريب يخدم الاحتلال.

أما الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح، والتي تعتبر أكبر الحركات السياسية الفلسطينية في الداخل، فموقفها واضح منذ البداية برفض المشروع، وقد حاول بعض رعايا الأوقاف الإسلامية الترويج بأن رجال الحركة وشيوخها مؤيدون لفكرة الكاميرات وأنه لا مانع لديهم من تركيبها. وهذا ما دفع الشيخ رائد صلاح إلى أن يحذر بوضوح في 22 آذار من مخاطر تركيب الكاميرات، معتبرًا إياها وسيلة لتعميق الملاحقة الأمنية الإسرائيلية للمرابطين والمرابطات، قائلًا: «لا أستبعد أن يستخدم [الاحتلال] هذه الكاميرات في المستقبل القريب للأدلة ضد أهلنا الذين يشدّون الرحال الى المسجد الأقصى المبارك، كي يُغلظ عليهم في عقوباته، إما إبعادًا وإما سجنًا وإما طردًا من القدس والمسجد الأقصى المباركين». وقد صرح بذات الشيء المحامي خالد زبارقة الذي كان يرأس إحدى مؤسسات الحركة الإسلامية في القدس قبل حظرها، إذ قال بأن: «تركيب كاميرات المراقبة في المسجد الأقصى يخدم مصالح إسرائيلية ويعطي رسالة أمان للمستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى دون خوف». وإزاء هذه التصريحات سارع وزير الأوقاف الأردني هايل داوود للردّ رافضًا أي «اتهام بأنها ستكون لمراقبة الفلسطينيين».

ومع أن الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 1948 حافظت على مدار السّنوات الأخيرة في علاقتها مع دائرة الأوقاف الإسلامية على لهجة متوازنة طابعها المجاملات والتأكيد على التعاون والشراكة والتقدير، إلا أن هذه اللهجة الدبلوماسية بدأت تتغير شيئًا فشيئًا حتى على صعيد الإعلام. وبدا هذا واضحًا في مقال كتبه حكمت نعامنة، رئيس مركز «كيوبرس» الإعلامي لشؤون القدس والأقصى والتّابع للحركة الإسلامية، وجه فيه العتاب والتوبيخ للأوقاف التي لم يسمّها باسمها بل قال «الجهة التي تعتبر نفسها المسؤولة الأولى عن الأقصى»، لأنها لم تتحرك ولم تصرح بأي شيء فيما يخص المرابطات المبعدات عن المسجد الأقصى منذ أكثر من ستة شهور، حتى «أن الكثير من المقدسيين رفعوا سبابة الاتهام والتواطؤ صوب هذه الجهة»، بحسب تعبيره. وهو ما يتوافق مع ما تم نشره في الأيام الأخيرة في بعض وسائل الإعلام نقلًا عن مصدر أردني في وزارة الأوقاف بأن شخصيات في دائرة أوقاف القدس قامت بتسليم شرطة الاحتلال قائمة بأسماء المرابطات لمنعهن من دخول الأقصى، وهو كذلك ما يتوافق مع ما يتناقله أهالي القدس من الجملة التي وردت على لسان أحد أبرز شخصيات أوقاف القدس «اللي بتعمل مشاكل بنرميها برة».

يمكن لمراقب أخبار القدس ومتتبع أحوالها أن يعرف أن كاميرات المراقبة لطالما كانت من ألد أعداء المقدسيين

ويضيف نعامنة في مقاله أن الأوقاف في القدس وافقت وصمتت على عودة يهودا غليك لاقتحام المسجد الأقصى، قائلًا أن هذا الصمت والإهمال ربما يعود «لأنهم يقودون الآن «حربهم المقدسة» لإتمام تركيب كاميرات المراقبة في باحات المسجد الأقصى، حتى يراقبوا عن كثب اقتحامات جند الاحتلال والمجتمع الإسرائيلي، ويطبّقون اتفاقياتهم للسماح بـ«زيارة» غير المسلمين للمسجد الأقصى، وهذه الصور ستصل من خلال كوابل النت الإسرائيلية بعد فلترتها وانتقاء الصور «المناسبة» ليشاهدها العالم». وتبدو السخرية واضحة في هذه التصريحات، والتلميح إلى أن اقتحام المستوطنين إلى الأقصى إنما يتم عبر اتفاقيات مسبقة بين الأوقاف وشرطة الاحتلال تحت مصطلح «الزيارة»، وهو ذات الأمر الذي ورد في تفاهمات كيري التي أكدت على «حق غير المسلمين بزيارة الأقصى وليس الصلاة فيه»، وكأن الزيارة ليست صلاة أصلًا.

موقف أهالي القدس كان جليًا بما حصل يوم الجمعة 11 آذار، فبعد انتهاء صلاة الجمعة، كسّر بعض الشباب إحدى كاميرات المراقبة المعلقة في أعلى سقف الجامع القبلي، في المنطقة التي تتم فيها بعض الترميمات. حينها، كان ردّ دائرة الأوقاف في الأقصى بأن ما تم تكسيره هو مجسات للإنذار والحرائق والتي لها عيون تشبه عيون الكاميرات، وتوعدت من قام بتكسيره.

ويمكن لمراقب أخبار القدس ومتتبع أحوالها أن يعرف أن كاميرات المراقبة لطالما كانت من ألد أعداء المقدسيين، فالبلدة القديمة مراقبة عبر أكثر من 200 كاميرا إسرائيلية مربوطة بغرفة تحكم تديرها وحدة شرطية خاصة تراقب في كل دقيقة ما يحدث في أزقة القدس. وكثير من الشبان وقعوا في الأسر الإسرائيلي رغم عدم وجود أية أدلة ضدّهم بفضل الصور التي توفرها كاميرات المراقبة. كما يعرف المتابع أنه وبمجرّد اندلاع مواجهات في مدينة القدس فإن كاميرات المراقبة المثبتة في الشوارع من أول المستهدفين بالحجارة والدهان والزجاجات الحارقة. وفي حال كانت الكاميرا تابعة لعائلة مقدسية أو محل تجاري وليس لشرطة الاحتلال فإن من أولى تكتيكات المواجهات تغطية هذه الكاميرات بأكياس سوداء أو توجيهها إلى السّماء. وسبق للشبان في المسجد الأقصى أن طلبوا من الصحفيين الفلسطينيين الابتعاد بكاميراتهم عن موقع المواجهات لمنع تصوير وجوههم. ولذا من المتفهم أن يتعامل المقدسيّون مع الكاميرات الجديدة على أنها عدو، وهو ما عبّر عنه أحد الشبان بقوله: «خليهم يركبوهم تنشوف كم واحدة راح اتضل مكانها».

سبق للشبان في المسجد الأقصى أن طلبوا من الصحفيين الفلسطينيين الابتعاد بكاميراتهم عن موقع المواجهات لمنع تصوير وجوههم

وقد حضّر رعايا الأوقاف الردّ على هذا التكسير المتوقع، بالترويج لفكرة أن «الجهات اليمينية» تتحرك غضبًا لمنع تركيب الكاميرات. لكن رفض بعض الجهات الإسرائيلية لتركيب الكاميرات في المسجد الأقصى، وقيامهم برفع التماس في المحكمة العليا لعرقلة تركيبها، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الكاميرات مصلحة فلسطينية وطنية خالصة. فمقتحمو المسجد الأقصى لا يهمهم وجود الكاميرات من عدمها، وقد صرح يهودا جليك بذلك نفسه بالقول: «نحن لا نقوم بأي شيء سيء في جبل الهيكل، ولذلك لا يهمنا وجود الكاميرات، أما الفلسطينيون فإنهم يرفضونها لأنهم يخافون أن يرى العالم من يقوم بالمشاكل». وهو نفس المبدأ الذي يحمله تصريح فريق العمل المشترك لجمعيات «الهيكل» والتي قالت بعد الإعلان عن تفاهمات كيري في تشرين أول الماضي بأنها تبارك نصب الكاميرات والتي «ستنقل للعالم عنف المسلمين، وعجز الشرطة الإسرائيلية».

لقد نشر الكثير من فيديوهات الضرب والسحل والاعتقال وإطلاق قنابل الصوت والرصاص المطاطي على الفلسطينيين داخل المسجد الأقصى، وامتلأت صفحات الفيسبوك بمئات الفيديوهات التي توثق لحظة بلحظة اقتحام المستوطنين للأقصى ومحاولاتهم الصّلاة فيه، واعتدائهم على المقدسيين واستفزازهم لهم، فماذا حصل؟ هل توقفت هذه الاعتداءات؟ هل تمت حماية المسجد الأقصى؟ إن الكاميرات التي ستركب في المسجد الأقصى هي ببساطة عين للسلطات الأردنية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي على كل ما يجري في هذا المكان ضدّ مصلحتهما المشتركة، لا وسيلة لحماية المقدسيين.

لقد أحكم الاحتلال في الأشهر الأخيرة قبضته الأمنية على الفلسطينيين في القدس عبر الاعتقالات الكثيرة، ومنع المرابطات لما يزيد عن ستة شهور من دخول الأقصى، واعتقالهن، وإبعاد كل من هنادي حلواني وخديجة خويص عن البلدة القديمة ستة شهور، وإبعاد مقدسيين آخرين عن المدينة وصل إبعاد أحدهم إلى عام كامل، في محاولة لتحييد أي جهد فلسطيني حقيقي للدفاع عن القدس. وجاءت الأردن وبإرادة أمريكية وموافقة إسرائيلية لتكمل إحكام القبضة بتركيب هذه الكاميرات لتكون عينًا على الفلسطينيين، وتوفر لسلطات الاحتلال ما عجزت طوال عشرات السنين عن تنفيذه، ألا وهو وضع كاميرات في الأقصى.

*محمود عطا الله باحث في شؤون القدس.