لماذا بدت تغطية الإعلام الأميركي لأحداث غزة مختلفة هذه المرة؟

الأحد 20 أيار 2018
المصدر: النيويورك تايمز

بدا آلاف المغردين على تويتر وقد تملكهم الغضب حين تحول «قتلى» مظاهرات غزة الأخيرة إلى مجرد موتى في إحدى تغريدات نيورك تايمز، رغم أن عنوان المقال نفسه الذي قدمت له التغريدة وصفهم بالقتلى. بدا الأمر وكأن من صاغ التغريدة من الصحيفة العريقة، تعمد استخدام وصف الموتى للتخفيف من حدة الواقع والتهرب من استحقاق إلقاء الضوء على الفاعل. بدا مئات القتلى مجرد موتى نتيجة عارض مبهم. «مات الغزيون؟ هل ماتوا بوباء؟ انتحارًا جماعيًا؟» تساءل المراسل السابق لصحيفة نيويورك تايمز سيتفين كينزر ردًا على التغريدة. «يذكرني الأمر بنيكسون حين قال “تم ارتكاب الأخطاء”. لم يرتكبها أحد. تمامًا، مثلما لم يقتل أحد الفلسطينيين».

على أن تعامل الإعلام الأميركي مع القضية الفلسطينية عمومًا، وكما هي العادة، له سياقاته الخاصة التي تتعدى ما يبدو تصرفا فرديًا لأحد محرري نيويورك تايمز. في الواقع، وبالنظر لطبيعة اللحظة السياسية الراهنة في الولايات المتحدة، يبدو الإعلام والساسة أقرب، ولو بنسبة بسيطة، لوجهة النظر الفلسطينية منها إلى الإسرائيلية.

في هذه التغطية للحدث على شاشة سي أن أن، خصصت القناة وقتًا حصريًا لديانا بوتو، المستشارة السابقة للرئيس الفلسطيني، لتفند الأخيرة الرواية الإسرائيلية وتسهب في شرح معاناة الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال. المحامية الأميركية الفلسطينية نورا عريقات، ظهرت هي الأخرى بشكل منفرد على سي بي أس وعلى صفحات الواشنطن بوست، لتقدم مرافعات مطولة في نقد مغالطات الخطاب الإعلامي والسياسي الأميركي حيال الأحداث في القطاع. فيما لم يخف موقع ڤوكس استيائه مما وصفه بـ”الشيك المفتوح” كنهج اعتمده ترمب في علاقته مع إسرائيل ترمب بتل ابيب، مشيرا إلى موقف الإدارة “غير المألوف” بعدم التوقف عند القتلى من المدنيين وتحميل مسؤولية قتلهم لحماس. جرت عادة الرؤساء السابقين، وفق ڤوكس، على دعوة الأطراف جميعًا للتهدئة مع تحميل قدر أكبر من المسؤولية للفلسطينيين بالتوازي مع الضغط للحد من العنف الإسرائيلي.

الملفت، ربما، هو أن نقد بعض وسائل الإعلام الأميركية للعنف الإسرائيلي يأتي في سياق التشديد على سلمية التظاهرات. تبعًا لذلك يرتفع منسوب التعاطف الأميركي مع القتلى من المدنيين، ولكنه يقل كلما رشحت الأخبار عن الشهداء من حركة حماس. لا مكان في التغطية الإعلامية الأميركية لفكرة المقاومة. والقتيل الفلسطيني الجيد، هو «المدني» فقط.

وحتى هذا القرب، بالمقاييس الإعلامية الأميركية طبعًا، من الموقف الفلسطيني لا يبدو أصيلًا بقدر ما يبدو متأثرًا إلى حد بعيد بحال الانقسام السياسي الذي تعيشه الولايات المتحدة. الحرب الإعلامية والسياسية بين التيارين الليبرالي والمحافظ لم تتوقف في الولايات المتحدة منذ بدأ السباق الانتخابي، وازدادت حدة في الآونة الأخيرة عقب إلغاء ترمب للاتفاق النووي مع إيران وطبعًا نقل السفارة الأميركية للقدس، وهو ما أثر بشكل ملحوظ على نوعية الأخبار حول أحداث غزة الأخيرة.

إن كان ثمة من حسنة لسياسة ترمب في المنطقة، فهي في ازدياد حد النقد السياسي والإعلامي الأميركي لإسرائيل، في مقابل تقريب وجهة النظر الفلسطينية.

ثمة اعتقاد في أوساط النخب الليبرالية الأميركية يفيد بأن سياسات الرئيس تأتي مدفوعة بعلاقاته مع حلفائه الإقليميين، وتحديدًا السعودية وإسرائيل، أكثر من كونها مدفوعة بالمصالح العليا للولايات المتحدة. التحالف الإسرائيلي- السعودي، وفق تلك القراءة، قايض مصالح الرياض في إلغاء الاتفاق النووي، بمصالح إسرائيل في نقل السفارة، فيما بدت مصالح واشنطن خارج حسابات البيت الأبيض. فلا إلغاء الاتفاق الذي سبقته مفاوضات ماراثونية في فيينا لتحييد البرنامج النووي الإيراني ونزع فتيل التوتر مع طهران، ولا نقل السفارة الذي حرص الرؤساء السابقون على عدم اتخاذه تجنبًا لزيادة التوتر في المنطقة، يبدوان في صالح البلاد، على ما يرى معارضو الرئيس.

إن كان ثمة من حسنة لسياسة ترمب في المنطقة، فهي في ازدياد حد النقد السياسي والإعلامي الأميركي لإسرائيل، في مقابل تقريب وجهة النظر الفلسطينية.

الإعلام والساسة الليبراليون كعادتهم يواصلون سعيهم لإحراز ما استطاعوا من نقاط في معركتهم السياسية مع الرئيس الحالي، لقلب أكبر عدد من الناخبين ضده قبل حلول موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. في هذا السياق، يعد ملف السياسة الخارجية وتحديدًا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي معيارًا أساسيًا في محاكمة أداء الإدارة وحزبها. غزة، ضمن هذا الإطار، تمثل دليل معارضي ترمب على فشله في إدارة الملف.

يبدو نقل السفارة قرارًا مؤسَّسًا على مراعاة مصالح إسرائيل، وعلاقات جارِد كوشنر، صهر ترمب، بتل أبيب أكثر من كونه تعبيرًا عن مصالح واشنطن نفسها. وتباعًا، تبدو التغطيات الصحفية لمظاهرات القطاع، ليست سوى انعكاس لسائر تلك الحسابات السياسية، لذا ينصب الاهتمام الإعلامي على بيان صلة أحداث غزة بافتتاح السفارة في القدس، أكثر من انشغاله بتوضيح السياق الأعم للاحتلال. «غبطة في القدس مضللة بالموت في غزة»، عنونت الواشنطن بوست محاولة ربط الأمرين.

تغطيات بخطوط حمراء

بطبيعة الحال، من غير المتوقع أن يذهب الإعلام الأميركي أبعد من ذلك في نقده الممارسات الإسرائيلية أو في تعاطفه مع الفلسطينيين. غالبًا ستجري التغطية وفق سياق عام يمتاز بالخجل في نقده إسرائيل، والدقة في مراعاته لحساسية العلاقة معها إعلاميًا وسياسيًا في الداخل الأميركي.

عادة ما يجرى وضع المظاهرات في غزة، وغيرها من أحداث في فلسطين، في إطار يبدو مجتزأ، متجاهلًا للأبعاد التاريخية لمجمل القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل. طبعًا تسهل هذه التغطيات على وسيلة الإعلام الأميركية التهرب من استحقاق التمييز بين الجاني والضحية. عوض ذلك، يترك الأمر للقارئ استنتاج خلاصات صيغت مقدماتها المنحازة للسردية الإسرائيلية بعناية في متن الخبر أو في العنوان، في توزيع أصوات المصادر على امتداد القصة وتحديد المساحات المعطى لهم، كما في بناء الخلفيات التاريخية للخبر.

في تغطيتها للحدث، لم يفُت أي من الواشنطن بوست والنيويورك تايمز وسي أن أن، مثلًا، الإشارة إلى أن مظاهرات القطاع سعت لاقتحام «الحدود» مع إسرائيل وهو الاصطلاح الذي لن يفوت الحكومة الإسرائيلية التشديد عليه في تصريحاتها الصحفية حول الأحداث. يوحي تعبير الحدود، على بساطته ربما، بالكثير للمتلقي الأميركي. تبدو الصورة في وعي هذا المتلقي وكأن جماعة بشرية ما تريد اقتحام حدود دولة ما وتتعدى على سيادتها، في وقت لن يجد فيه رجال حرس الحدود من بد سوى استخدام القوة. بالإمكان تلمس حساسية هذا الاصطلاح لدى متابعة الكيفية التي جرى استخدامه فيها للدفاع عن الإجراءات الإسرائيلية من قبل سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي. «من منا يتقبل مثل هذه الأفعال على حدوده؟» وجهت كيلي خطابها لأعضاء مجلس الأمن على خلفية الأحداث.

حتى المحرك الرئيس للتظاهرات، وفق الإعلام الأميركي، يبدو خلافيًا. فسائر التغطيات حرصت على إبراز الرواية الإسرائيلية بوقوف حركة حماس، المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية، وراء الأحداث، لتزداد الصورة تشويشًا لدى المتلقي الأميركي. فالسؤال لم يعد، بالنسبة لهذا المتلقي، حول اقتحام متظاهرين لحدود دولة أخرى، وفق الرواية الإعلامية، فقط، ولكن أيضًا حول موقفه من كون مجمل التظاهرة جاءت بوازع من تنظيم «إرهابي».

وعندما صرّح القيادي باسم حركة حماس محمود البردويل أن خمسين من أعضاء الحركة قتلوا في المظاهرات، لم تفوّت وسائل إعلام أمريكية الإشارة إلى «غالبية القتلى» تابعين لحماس، وربط الخبر بالرواية الإسرائيلية حول قيادة الحركة للتظاهرات. تتجاهل وسائل الإعلام هذه أنه من الطبيعي أن يكون هناك شهداء لحماس، وأنه لا يمكن فصل غزّة لقسمين منفصلين هما أهالي غزّة من جهة وحماس من جهة أخرى، لا تقاطع بينهما.

في كل هذا السياق التاريخي المختزل، ليس هناك فاعل. يبدو حدثا تأسيس دولة إسرائيل ونزوح الفلسطينيين متعاقبين ولكن دون أن يشكلا بالضرورة سببًا ونتيجة.

بعض التغطيات، رغم سعيها إبراز الإطار الأوسع للحدث بوصفه جزءًا من صراع ممتد مع إسرائيل، إلا أن هذا السياق بدا مجزوءًا ومغلوطًا في آن. موقع ڤايس، مثلا، قدم للتظاهرات باعتبارها سعيا للمطالبة بحق العودة، إلا أنها عودة لمن «هرب» أو «نزح» من الفلسطينين «عقب إنشاء دولة إسرائيل». في كل هذا السياق التاريخي المختزل، ليس هناك فاعل. يبدو حدثا تأسيس دولة إسرائيل ونزوح الفلسطينيين متعاقبين ولكن دون أن يشكلا بالضرورة سببًا ونتيجة. وفي الواقع، من غير المتوقع أن تجرؤ وسيلة إعلامية أميركية رئيسية مثل ڤايس على توضيح السياق بوصفه احتلالًا استيطانيًا واجتثاثًا لشعب بأكمله من أرضه.

حتى الحصار الذي تتعرض له غزة، عادة ما يجري توضيحه في خلفيات الأخبار بوصفه ناتجًا عن «استيلاء» حركة حماس، مرة أخرى، المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، على زمام السلطة وطردها للحكومة «المدعومة أميركيًا». ضمن هذه التقدمة، تبدو حماس هي المسؤولة عن مآلات الأوضاع في قطاع، يبدو معزولًا عن سياق احتلال ممتد لعقود. أكثر من ذلك، يبدو هذا القطاع المحاصر وكأنه قوة موازية ذات حدود وسيادة مع إسرائيل بوصفها أيضًا دولة ذات حدود واضحة، حتى إذا ما تظاهر سكانه محاولين اختراق تلك «الحدود» بدا أي رد فعل مهما كان عنيفًا، مبررًا أو مستوعبًا على أقل تقدير.

بات ازدياد أعداد الشهداء والجرحى برصاص الجيش الإسرائيلي، وسيلة تستخدمها النخب الليبرالية الأميركية في السياسة الإعلام لتعزيز وجاهة نقدها لرئيس تتمنى أن يخسر أغلبيته الحزبية في الانتخابات المقبلة. بالمثل، تحظى الأزمة التي يعيشها القطاع باهتمام إعلامي، على تواضعه، لم تنله خلال سنوات من التجاهل سواء في عهد الرئيس الليبرالي باراك أوباما أو خلفه الجمهوري.

  • Abdallah Shewy

    المقال قائم علي ملاحظة ذكية يا أستاذ عماد،  وفعلاً معظم المنصات الليبرالية الأمريكة سواء الاقدم (واشنطن بوست، سي بي اس .. الخ) نقدهم جاي فعلاً من الحك مع رئيسهم ولا فارق معاهم الفلسطينين بنكلة وعايزين يحرجو ترامب مش أكتر، المنصات الاكتر شبابية والاجدد (vox and vice) بطبيعتها اختزالية ومغرورة شويتين، ففاكرة انها بفيديو مدته دقيقتين وبمذيع أو مذيعة شابة (ممتلئين بنفسهم) هايقدرو يفسرو الصراع العربي الإسرائيلي أو اللي بيحصل في سوريا أو اي حاجة الحقيقة. حتي تلاقي كل مقالاتهم وكتاباتهم من نوعية Explained ، In 3 minutes or less كأنهم الحكما اللي فاهمين كل حاجة ومش منحازين وهايعلمو الناس اللي بريالة دول (القراء/ المشاهدين) كل حاجة في مقال ولا فيديو

    لكن بصراحة في منصة واحدة هيا اللي مختلفة فعلاً، واتهمت إسرائيل مباشرة ونتيناهو، وماظنهاش فارق معاها حتة الجدل المحافظ والليبرالي ده لأنها في النهاية بتحط عالاتنين وبنظرة نقدية ذكية، وللعجب المنصة دي مش منصة أخبار حقيقية دي منصة ساخرة؛ بتكلم طبعاً عن “البصلة/THE ONION” بقالها فترة نقدها لإسرائيل ولنتينياهو بيشتد ويتصاعد ويزداد حدة وذكاء، والكلام ده من مدة حتي قبل ترامب واستقطاباته في السياسة الداخلية الأمريكية.