مسلمو أميركا في عهد ترامب: أقلية تحت النار

الخميس 02 شباط 2017
مظاهرة مناهضة لقرار ترامب التنفيذي في مطار جون إف كينيدي في نيويورك. تصوير ستفاني كيث، لجيتي إيمجز.

بقلم عماد الرواشدة

في أيار 1939، أبحرت السفينة «ساينت لويس» وعلى متنها أكثر من 900 يهودي كانوا من بين القلائل ممن بدا أن الحظ حالفهم في النجاة من بطش النظام النازي. كانت الوجهة المعلنة كوبا، لكن العزم كان الولايات المتحدة الأميركية. قبل مغادرتهم ألمانيا، كان الركاب قد تقدموا بطلبات تأشيرات أميركية. وإلى حين صدور تلك التأشيرات كان عليهم المكوث في كوبا.

لكنهم لم يكونوا محظوظين كما بدا.

بعد مغادرة الباخرة ميناء هامبورغ الألماني، قررت السلطات الكوبية تغيير تعليمات إصدار التاشيرة. وما أن وصل الركاب ميناءها حتى أدركوا أنهم ممنوعون من الدخول. لم يكن هناك خيار سوى التوجه للولايات المتحدة.

لكن المسؤولين في إدارة فرانلكين روزفلت كانوا قد اتخذوا قرارهم هم أيضًا بعدم السماح بإدخال الركاب. لم يبقَ أمام هؤلاء سوى توزيع أنفسهم على العواصم الأوروبية. وهناك سيموت غالبيتهم في أحداث الحرب العالمية الثانية فيما سيلقى نحو مئتين وخمسين حتفهم في المحرقة النازية.

تستعيد منظمات يهودية كثيرة في الولايات المتحدة هذه الحادثة كل عام في ذكرى «الهولوكست». لكنها هذا العام بالذات، تستعيدها لغرض مختلف تمامًا، هو الدفاع عن المهاجرين واللاجئين المسلمين ممن منعوا من دخول الولايات المتحدة وفق القرار التنفيذي الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي جرى توقيعه في اليوم العالمي لذكرى المحرقة، في 27 كانون الثاني.

لقيت قصة السفينة «ساينت لويس» اهتمام مؤسسات صحفية أميركية كبرى مثل الواشنطن بوست، والأتلانتك، وڤوكس، لما لها من ارتباط باللحظة الراهنة في البلاد؛ لحظة قرر فيها ترامب منع ملايين اللاجئين والمهاجرين من بلاد ذات غالبية مسلمة دخول البلاد. وكما وقفت السفينة «ساينت لويس» في عرض البحر بعد منع ركابها من دخول نيويورك وأعيدت من حيث أتت، غصّت مطارات عديدة حول العالم بالمهاجرين واللاجئين والزوار ممن كانوا في طريقهم للولايات المتحدة ثم اكتشفوا أنهم ممنوعون من دخول البلاد فأعيدوا من حيث أتوا.

قرار الرئيس الأميركي الجديد يستند إلى الرواية الأمنية نفسها التي ساهمت في حرمان اليهود من دخول الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن الماضي: الخشية من تسلل أعداء البلاد في صفوف اللاجئين. كان الأعداء في عهد روزفلت هم النازيون. وهم في عهد ترامب «الراديكاليون الإسلاميون». «لا نريدهم هنا»، قال ترامب في كلمته عقب توقيع القرار.

تفرض التعليمات الجديدة حظرًا إلى «أجل غير مسمى» على استقبال اللاجئين عمومًا، ومنعًا لمدة أربعة أشهر على اللاجئين السوريين تحديدًا. إضافة إلى وقف استقبال مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة هي السودان، والصومال، وإيران، والعراق، وسوريا، وليبيا واليمن، لثلاثة أشهر حتى تجد السلطات صيغة لتشديد إجراءات التدقيق الأمني على المسافرين عبر التنسيق مع دولهم.

لكن المفارقة تكمن في أن أيًا من مواطني هذه الدول لم يرتكب أي عمل إرهابي ضد الولايات المتحدة، استنادًا لأرقام مركز CATO للأبحاث، حتى لو ووضعنا جانبًا حقيقة أن ارتكاب مواطن دولة لعمل ما لا يمكن سحبه على جميع مواطنيه. في الواقع، احتمال أن يتعرض المواطن الأميركي للقتل على يد شخص أجنبي بشكل عام تعادل 3.6 بالمليار في السنة، وفق دراسة للمركز شملت فترة امتدت على مدى أربعين عامًا، من 1975 حتى 2015.

لن تعود هذه الأرقام مستغرَبة إذا ما عرفنا أن طبيعة المهاجرين المسلمين للولايات المتحدة تعد عمومًا أكثر تسامحًا وقبولًا للآخر من أقرانهم في بقية أنحاء العالم، كما تشير دراسة لمركز «بيو» الأمريكي للأبحاث حول المسلمين الأميركيين. تقول دراسة المركز إن المسلمين الأميركيين يظهرون ميلًا أكبر لتبني الأفكار الليبرالية الداعية للحريات من نظرائهم من مسلمي العالم. ففي حين تبلغ هذه النسبة للمسلمين الأميركيين 56%، لا يتجاوز المعدل في بقية دول العالم 20%.

ما أن صدر القرار، حتى أصبح الوسم NoBanNoWall# على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» محركًا رئيسًا للتظاهرات والاحتجاجات التي لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا. من بوسطن شمال البلاد، إلى البيت الأبيض و«ترامب تاور» في واشنطن العاصمة، إضافة لوقفات التضامن في عدد من المطارات الأميركية الرئيسية.

الديمقراطيون اعتبروا القرار مناقضًا للمبادئ المؤسسة للبلاد. زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشك شومر بكى خلال مؤتمر صحفي للتعليق على التعليمات الجديدة، لكن ترامب وصف دموعه بالكاذبة. القائمة بأعمال النائب العام، أعلى سلطة تنفيذية عدلية في البلاد، دعت موظفي الأمن الوطني لعدم الامتثال لقرار ترامب، فما كان من الإدارة الأميركية سوى المسارعة لإقالتها.

قبل ذلك، دخل على خط الاعتراض رجال دين ينتمون لمجموعات مسيحية مختلفة، من الروم الكاثوليك، البروتستانت، وحتى الإنجيليين، وهي الجماعة التي شكلت داعمًا رئيسيًا لترامب في سباقه للبيت الأبيض. استنكرت تلك الجماعات تمييز الرئيس للمسيحيين المهجرين عن غيرهم، إثر استثنائه لهم من قرار الحظر.

وفي الأوساط اليهودية الأميركية، تمثل بعض الجماعات محركًا رئيسًا لحركة الاحتجاج في البلاد، مثل «أصوات يهودية من أجل السلام»، «اتحاد اليهودية الإصلاحية»، أو منظمة «يهود من أجل العدالة العرقية والاقتصادية»، والتي لا تزال تحشد الرأي العام لمواصلة التظاهر أمام مطار «جون إف كينيدي» في نيويورك للضغط على الإدارة للتراجع عن القرار.

تعيش الأقليات على اختلافها حالة من القلق مما يمكن لترامب أن يقرره بخصوصهم خلال فترة إقامته في البيت الأبيض، لذلك يبدو تضامنهم الآن طبيعيًا لبلورة حركة احتجاج فعالة قد تسهم في كبح اندفاع الإدارة الجديدة لإصدار قرارات أكثر تطرفًا.

حتى في قطاع التكنولوجيا، قررت شركات كبرى مثل مايكروسوفت، وأمازون، وموقع حجوزات السفر والفنادق إكسبيديا، رفع دعاوى قضائية ضد القرار الجديد. ويبدو أن هذا القطاع قلق من احتمال فرض قيود على تأشيرات H-B1 للعمالة الماهرة. تستخدم معظم شركات التكنولوجيا هذه التأشيرة لاستقدام الموظفين من أنحاء مختلفة من العالم وخصوصًا الهند. نحو 80 ألفا ممن يحصلون على هذه الفيزا سنويًا يأتون من الهند، أي ما يمثل 70% من إجمالي الحاصلين عليها. وكانت «سي إن إن» قد حصلت على نسخة من قرار تنفيذي قيد الإعداد ينوي ترامب إصداره قد يعيد تنظيم هذا النوع من التأشيرات.

تبدو حالة التضامن تلك نتيجة طبيعية لخطاب ترمب المعادي للأقليات عمومًا، من المهاجرين من أميركا اللاتينية، إلى الإسيويين، مرورًا بالمثليين والنساء وحتى ذوي الإعاقة. تعيش الأقليات على اختلافها حالة من القلق مما يمكن لترامب أن يقرره بخصوصهم خلال فترة إقامته في البيت الأبيض، لذلك يبدو تضامنهم الآن طبيعيًا لبلورة حركة احتجاج فعالة قد تسهم في كبح اندفاع الإدارة الجديدة لإصدار قرارات أكثر تطرفًا.

رغم ذلك يبدو ترامب، حتى الآن، غير مستعد للتراجع عن سياسته وهو ما يضاعف مشاعر القلق في أوساط المسلمين والعرب تحديدًا، وخصومه بشكل عام. فما كان يعتقد بأنها ليست سوى مزايدات سياسية ستنتهي فور وصوله البيت الأبيض، ثبت أنها ليست كذلك. يومًا تلو الآخر تتحول وعود ترامب إلى قرارات ووقائع على الأرض.

منذ تنصيبه، الذي يمض عليه أسبوعان حتى الآن، باشر ترامب باستخدام صلاحياته في إصدار ما يعرف بالقرارات التنفيذية المنسجمة مع وعود حملته الانتخابية. وهي القرارات التي وصفتها نيويورك تايمز بأنها سعي «لتفكيك إرث الرئيس باراك اوباما»، من بناء جدار مع المكسيك، وصولًا إلى قراره الأخير بخصوص اللاجئين والمهاجرين، ومرورًا بإلغاء اتفاق الشراكة عبر الهادئ، واستئناف مد خط «كي ستون» للنفط الذي يعد تراجعًا عن التزامات البلاد البيئية، أو تسريع مد أنبوب للنفط في داكوتا كان قد أثار مواجهات أمنية وحالة من التوتر بين السلطات الفيدرالية والسكان الأصليين.

يزيد من قوة ترامب صلاحيته كرئيس في إصدار ما يعرف بالقرارات التنفيذية. إذ يتيح له ذلك تنفيذ سياساته دون الحاجة لمواجهة الضغوط المعاكسة التي قد يمارسها الكونغرس ضده. يمكن إدراك مدى أهمية هذه الصلاحية إذا ما عرفنا أن بعض أبرز اللحظات في التاريخ الأميركي لم تكن سوى قرارات تنفيذية، مثل قرار الرئيس فرانكلين روزفلت اعتبار السواحل الغربية للبلاد مناطق عسكرية عقب الهجوم الياباني على بيل هاربر، وهو ما نتج عنه إخلاء تلك المناطق من الغالبية الآسيوية ووضعها فيما يشبه معسكرات الاعتقال لمدة سنة ونصف. أو ما يعرف بإعلان تحرير العبيد الذي أصدره الرئيس إبراهام لينكولن.

على أن بعض الآمال تبدو معلقة على حقيقة أن قرارات الرئيس التنفيذية تلك يجب ألا تخالف الدستور، وهو وما يجعلها عرضة للطعن القانوني من قبل القضاء الفيدرالي. هذا جزئيًا ما حصل بعد صدور قرار ترامب الأخير.

فمساء السبت الذي تلا توقيع القرار، حكم أحد القضاة الفيدراليين في نيويورك بمنع تطبيق أحد بنوده. كانت سلطات الهجرة عازمة على «إبعاد» إحدى العائلات العراقية التي وصلت المطار للتو. سارع محامو ما يعرف بالرابطة الأميركية للحقوق المدنية إلى المطار ووقفوا على تفاصيل الموقف ثم صاغوا عريضة رفعوها للقضاء. خلص القضاء إلى منع الأبعاد بوصفه مخالفًا للدستور. وبعد ساعات من الحكم في نيويورك، أصدر قضاة فيدراليون آخرون أحكامًا مشابهة في ماساشوستس، وفيرجينيا، جنوب وشمال البلاد.

لكن ما سيلفت جمهور المتابعين لتطورات هذا الملف هو أن الأحكام الصادرة تتعلق بحالات فردية لأشخاص وصلوا إلى أراضي البلاد فعلًا ويُراد إبعادهم. لم تتطرق تلك الأحكام القضائية إلى دستورية قرار ترمب نفسه. كما لم تتطرق إلى مصير الملايين من حاملي التأشيرات والإقامات الدائمة ممن منعوا من ركوب الطائرات المتجهة للولايات المتحدة وهل ماذا كان يجوز منعهم من دخول البلاد أم لا.

على أن صدور هذه الأحكام بحد ذاته شجع عشرات المحامين والناشطين على رفع المزيد من العرائض. في مطار جون إف كينيدي، لا يزال عشرات المحامين المتطوعين يفترشون الأرض لتعبئة العرائض للدفاع عن عائلات وأقارب بعض الأشخاص ممن علقوا في المطارات الأميركية، ويقدر أعداد هؤلاء بنحو مئتي شخص.

يعيش في الولايات المتحدة نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون مسلم يشكلون أقل من واحد بالمئة من السكان. قدرة هؤلاء على مواصلة الاعتراض على القرار الجديد بفاعلية تعتمد جزئيًا على تواصل زخم الاحتجاج عمومًا ضد سياسات ترامب، وقدرتها على تنسيق تحركاتها بما يضمن نجاح الضغط عليه لتعديل تلك السياسات.

لكن في ظل رئيس يبدو خارجًا عن سياق السياسة بشكلها التقليدي في الولايات المتحدة، غير عابئ بالضغط الإعلامي أو السياسي على إدارته، وفي ظل الصلاحية التي يملكها بإصدار القرارات التنفيذية المتجاوزة للكونغرس، وفي ظل هيمنة الجمهوريين على هذا الأخير بشقيه نوابًا وشيوخًا، تبدو مآلات حالة حركة الاحتجاج على سياسات ترامب مثله تمامًا، عصية على التنبؤ.