عنجرة: قبل أن يُقتل صقر الزغول

من جنازة الشاب صقر الزغول في عنجرة بمحافظة عجلون يوم الإثنين الماضي. تصوير يزن ملحم.

عنجرة: قبل أن يُقتل صقر الزغول

الخميس 21 شباط 2019

على بعد نحو 75 كيلو متر شمال عمّان، تتجاوز يافطة ثقبتها عشرات العيارات النارية وتحمل اسم بلدة عنجرة. وبعد أن تمرّ بطريق طويلة على جانبيها آثار إطارات حُرقت قبل أيام، تصل إلى مسجد المثنى بن حارثة وسط السوق. على باب هذا المسجد، كان صقر الزغول (20 عامًا) يبيع البقدونس والحشائش الموسمية قبل أسبوع، لكنه خرج منه الإثنين الماضي مشيَّعًا إثر إصابته برصاصة في الصدر، بحسب عائلته.

ليلة الجمعة 15 شباط، اشتعلت بلدة عنجرة في محافظة عجلون احتجاجًا على مقتل صقر خلال احتجاجات شهدت إطلاق نار بعد توقيف اثنين من أبناء البلدة. اتهم الأهالي الأجهزة الأمنية بإطلاق عيارات نارية تسببت بمقتل الشاب، فيما قال بيان أمني إن الرصاصة التي قتلته «مجهولة المصدر».

استمرت أعمال الشغب في عنجرة ثلاثة أيام بعد ذلك، قبل أن توافق عائلة صقر على دفن ابنها وتمهل  الأجهزة الأمنية عشرة أيام، تنتهي يوم 27 شباط المقبل، لمعرفة مطلق النار على ابنها ومحاسبته.

في حين يتهم أبناء البلدة الأجهزة الأمنية باستخدام القوة المفرطة في التعامل مع الاحتجاجات، يقول وزير الداخلية سمير مبيضين إن الأجهزة الأمنية اتبعت أعلى معايير ضبط النفس في التعامل مع الأحداث رغم ما وصفه بالاعتداء عليها، مع إعلان رئيس الوزراء عن تشكيل لجنة للتحقيق بالحادثة.

من مشادة إلى إطلاق نار متواصل «صبحًا ومساءً»

لا يحب قدري الزغول، سائق التاكسي الأصفر، أن يمرّ بطريق القاعدة كلما جاء لزيارة والدته وإخوته كل أسبوع، وهو الذي يعمل في عمّان ستّ أيام في الأسبوع ويقضي يوم عطلته في عنجرة. إذ يتبع قدري، الذي التقينا به في عنجرة يوم الإثنين، في العادة طرقًا فرعية من عمّان لعنجرة ليتجاوز نقطة الغلق الأمنية على مثلث القاعدة، والمكونة من قوة مشتركة من الأمن العام والدرك. فتلك النقطة معروفة لدى أبناء عنجرة بأنها توقف معظم السيارات وتفتشها وقد تتسبب أحيانًا ببعض الإشكاليات، كما يقول عدد ممن تحدثنا إليهم.

لكنّ قدري كان مضطرًا لتصليح سيارته خلال زيارته لعنجرة ذاك الأسبوع لدى الميكانيكي أحمد حكم الزغول، الذي طلب أن يجرّب الاثنان السيارة بجولة على طريق القاعدة.

أوقفت الدورية في تلك النقطة الأمنية قدري، وطلب الشرطي رخصته ورخصة السيارة. يقول قدري إن الرخص كانت محتجزة لدى مديرية السواقيّن والمركبات في عمّان منذ شهرين على خلفية مخالفة سابقة، إلا أنه بعد أن مدّ هويته للشرطي، سحب الأخير مفتاح السيارة وطلب منه فتح الصندوق الخلفي والنزول من السيارة. رفض قدري الامتثال معتبرًا أن التفتيش من مهام الشرطي وحده ولا داعي لنزوله، ليتطور الأمر بنزول بقية أعضاء الدورية من السيارة، واعتدائهم عليه واقتياده للمركز الأمني، حسبما يروي.

بحسب بيان مديرية الأمن العام، رفض قدري وأحمد حكم إبراز إثباتاتهما الشخصية، وقاوما رجال الدورية واتصلا بأقاربهما الذين حضروا واعتدوا على نقطة الغلق بالحجارة، قبل أن تفرقهم الأجهزة الأمنية مستخدمةً الغاز المسيل للدموع، وتقتاد قدري وأحمد حكم للمركز الأمني، بعد إصابة أربعة رجال من القوة الأمنية، حسبما جاء في البيان.

في المركز الأمني، يقول قدري إنه تعرض للضرب، ثم وُجهت له أسئلة عن هوية مطلقي النار في عنجرة. في تلك اللحظة فقط، عرف أن عنجرة تشهد تصعيدات أمنية، حسبما قال.

في تلك الأثناء، كان العشرات من الشباب يغلقون طريق القاعدة ويشعلون الإطارات فيها، بحسب النائب كمال الزغول، الذي يقول إن نائب مدير شرطة عجلون اتصل به وأخبره أن الطريق مغلق وأن قوات الأمن ستفتحه. توجه النائب الزغول إلى المركز الأمني، وطلب من نائب مدير الشرطة الإفراج عن الشابين الموقوفين طالما أنهما ليسا مطلوبين أمنيًا، متعهدًا بأن يتوصل إلى تفاهم مع المحتجين لفتح الطريق خلال «دقائق»، بحسبه، وذلك بناء على تجارب سابقة له تمكن خلالها من التفاوض مع مغلقي طرق مما أفضى إلى فتحها.

ينقل النائب الزغول عن نائب مدير الشرطة أنه أصرّ على توجيه قوة أمنية لفتح الطريق، معتبرًا أن إغلاقها يمس بهيبة الدولة وقانونها. وبالفعل، توجهت قوة أمنية من الدرك والشرطة لفتح طريق القاعدة، لتصل إلى هناك نحو الساعة السادسة والنصف مساءً.

بحسب عدد ممن تحدثنا إليهم من أبناء عشيرة الزغول، بادر أفراد القوة الأمنية بإطلاق العيارات النارية باتجاه المحتجين. لكن الأمن العام يقول إن المحتجين بادروا بإطلاق العيارات النارية تجاه الأمن بشكل مباشر من منطقة حرجية. يقول النائب الزغول إنه في ذلك الوقت توجه إلى مكان الاشتباك ليطلب من القوة الأمنية مجددًا عدم تصعيد الموقف، لكن القيادات المرافقة لها أصرت على فتح الطرق بالقوة.

في تلك الأثناء، كان صقر يتفرج على الأحداث، بحسب شقيقه الأكبر علي، خاصة وأن منازل أخوالهم في تلك المنطقة، لكن صقر أصيب خلال تواجده في المكان برصاصة في صدره، وأصيب كذلك الشاب عامر الزغول (32 عامًا) برصاصة في فخذه الأيسر.

نقل المحاميان حسين الصمادي وأحمد الزغول، اللذين تواجدا في المنطقة، عامر لمستشفى الإيمان الحكومي في عجلون، لينقل إلى مستشفى البشير في عمّان لاحقًا. أما صقر فوصل لمستشفى الإيمان بسيارة أخرى، وأعلنت وفاته هناك بعد دقائق.

من تشييع جثمان صقر الزغول في عنجرة يوم الإثنين الماضي. تصوير يزن ملحم.

في الدقائق التي تلت وفاة صقر، توجه جزء من القوة الأمنية لمستشفى الإيمان، بحسب ما يقول أقرباء صقر، وتظهره مقاطع فيديو تم تداولها، وهو ما اعتبروه استفزازًا لعائلة المتوفى.

يقول أحمد الزغول إنه منذ لحظة إعلان وفاة صقر مساء الجمعة لم يتوقف إطلاق المحتجين للعيارات النارية لا صبحًا ولا مساءً، إلى أن وافقت عائلة صقر، مساء الأحد، على إمهال القوة الأمنية عشرة أيام لحين إجراء التحقيق حول مصدر الرصاصة التي أدت لوفاة صقر، ووافقت على دفن صقر يوم الإثنين.

خلال جلسة رقابية لمجلس النواب يوم الأحد، قال رئيس الوزراء عمر الرزاز إن لجنة قد شُكلت لإجراء «تحقيق قانوني مهني موضوعي» في أحداث عنجرة، موضحًا أن ذلك لن يكون على حساب السماح بالتطاول على القانون وسيادة الدولة.

يومي السبت والأحد، تركّزت العيارات النارية التي أطلقها المحتجون على ثلاثة مبانٍ رسمية، محافظة عجلون، ومديرية الأمن العام في عجلون، والمركز الأمني في عين جنّا القريبة من عنجرة. يقول حسين الصمادي، وهو محامي من سكّان المنطقة، إن مبنى المحافظة أصبح «كالمنخل» إثر إطلاق النار عليه. فيما اعتبر وزير الداخلية سمير مبيضين أنه لولا ضبط النفس الذي مارسته الأجهزة الأمنية لحدثت «مجزرة» في الأيام التي تلت وفاة صقر.

يقول أحمد الزغول إن الحياة توقفت في عنجرة يومي السبت والأحد، إذ أغلقت المحال أبوابها وتوقفت الحركة وسط البلدة، في وقت أعلنت فيه الحكومة تعطيل المدارس والجامعات في المنطقة.

عصر الإثنين، تجمهر ما يزيد عن ألف شخص قرب مسجد المثنى، وخرجوا في جنازة صقر، التي شهدت هتافات غاضبة وإطلاقًا كثيفًا للعيارات النارية، في الوقت الذي ترفض عائلة صقر أي حديث مؤيد للرواية الأمنية بأن الرصاصة التي قتلته ذات مصدر مجهول.

في اليوم نفسه، أخرجت الأجهزة الأمنية عامر، المصاب الآخر في الحادثة، من مستشفى البشير إلى سجن أم اللولو رغم إصابته، بحسب عائلته ومحاميه أحمد الزغول. لاحقًا حاول الزغول إعادة موكله للمستشفى ووقف تنفيذ العقوبة الواقعة عليه في قضية مالية سابقة لصالح أحد البنوك، لكنه تلقى من السجن إجابة مفادها أن حالة عامر لا تستدعي إعادته للمستشفى.

أما قدري وأحمد حكم، فأفرجت عنهما الأجهزة الأمنية أيضًا في الليلة السابقة لدفن صقر، بعد الوصول لاتفاق المهلة، وبعد توجيه تهمِ مقاومة رجال أمن لهما.

من تشييع جثمان صقر الزغول في عنجرة يوم الإثنين الماضي. تصوير يزن ملحم.

طريق القاعدة محجًا للمحتجين

«بالحوار والتفاهم إحنا بنيجي. بالمعابطة لأ»، يقول أحد أبناء عمومة صقر، في بيت عزائه في صيوان أقامته عشيرته، وهو يصف تطور الأحداث وإصرار الأمن على فتح طريق عنجرة المغلق من قبل المحتجين. ويستند الشاب الثلاثيني، الذي رفض الإفصاح عن اسمه لأنه منتسب للأجهزة الأمنية، إلى حالات سابقة أغلق فيها شباب من عنجرة طرقًا في البلدة احتجاجًا على أحداث مختلفة.

تكرر ذلك عدة مرات خلال السنوات القليلة الماضية. فقد أغلقت طريق القاعدة مرةً احتجاجًا على قانون الضريبة صيف عام 2018، ومرة إثر مداهمة أمنية للقبض على مطلوبين عام 2017، ومرةً احتجاجًا على وفاة ثلاثة شبان في حادث سير بعد مطاردة من الشرطة، ومرةً احتجاجًا على توقيف مطلوب من عنجرة في عمان عام 2014، إلى جانب إغلاقات أخرى شهدتها طرق داخلية في عنجرة احتجاجًا على قلة الخدمات عام 2015، وتراكم النفايات عام 2012، ونقل طبيب من مستشفى الإيمان الحكومي، ينتمي لعشيرة الزغول ويحظى بثقة أهالي البلدة، عام 2011.

يقول أحمد الزغول إن إغلاق الطريق هو الطريقة الوحيدة للشباب للتعبير عن رفضهم بعد انعدام أي وسائل تعبير أخرى يضمنون معها وصول الرسالة، رغم أن تلك الإغلاقات لم تؤدي بالضرورة إلى تحقيق تلك المطالب. فبعضها انتهى بتعهدات تم الإيفاء بها، وأخرى انتهت بالتفاهم مع الشباب لفتح الطريق.

داخل الصيوان الذي أقيم فيه بيت العزاء وسط عنجرة، يصف أحد أبناء العشيرة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، ما حدث خلال احتجاجات قانون ضريبة الدخل في حزيران الماضي، عندما فتح المحتجون الطريق بعد تفاهمات مع مدير شرطة عجلون سابقًا، العقيد محمد منيزل، الذي خاض حوارًا مع النائب الزغول، انتهى بفتح المحتجين للطريق ثم «شطفهم» لها.

لكن أبناء عمومة صقر لا يرون أن فتح الطريق بالقوة كان بهدف فرض سيادة القانون. «ليش يعطوا أوامر بإطلاق النار على أشخاص عزل؟» يسأل أحدهم، فيما لا يذكر بيان الأمن إطلاق الأجهزة الأمنية لعيارات نارية يومها. «الشرطي بمسك هويتك هيك، بقوللك زغول؟ مممم إنتو مشكلجية»، يقول قدري الزغول، وهو يروي قصة احتجاز رخصه سابقًا بعد مخالفة مرورية في عمّان. في ذلك اليوم، يقرّ الزغول بأنه رد على تعامل الشرطي معه «العصبي»، بحسبه، بعصبية مقابلة، ليتم توقيفه بتهمة تحقير رجل أمن. أخلى القاضي في محكمة صلح عمّان سبيله مع استمرار المحاكمة، لكن التهمة سقطت ضمن العفو العام.

«غياب» أمني في جيب فقر

يقول أحمد الزغول إن الأجهزة الأمنية، منذ سنوات، لا تتواجد في عنجرة إلا للتعامل مع أحداث «استثنائية»، معتبرًا أن أهل عنجرة هم أمنها وأمانها في ظل غياب الأجهزة الأمنية عنها.

يتفق مع ذلك بائع في بقالة في سوق عنجرة، قائلًا إن الأهالي لا يشاهدون سيارات الأمن في البلدة، وإنه يشعر أنها مغضوب عليها، دون أن يعرف السبب. هذا الحديث عززه قول النائب في مجلس النواب، أحمد فريحات، إن عنجرة «ساقطة أمنيًا»، وإنها شهدت تقصيرًا أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا من الحكومات المتعاقبة، وهو ما رفضه وزير الداخلية معلقًا بالقول: «ما في منطقة بالأردن ساقطة أمنيًا».

يقول حسين الصمادي إن الحديث عن انتشار المخدرات في عنجرة قد يكون سببًا ساهم في تشويه صورة البلدة، التي أصبح الكثيرون يصفون أبناءها بأنهم حادّو الطباع، بحسبه. بينما يتساءل رجلان يقفان أسفل يافطة تؤشر لكنيسة سيدة الجبل التي تقع في عنجرة عن سبب «التشويه» الذي تلاقيه بلدتهم، وهي طريقٌ لكنيسة أثرية تستقبل السياح.

عام 2009، نشبت مشاجرة بين عشيرتين في عنجرة أدت لوفاة شاب، وخلال تفريق الأجهزة الأمنية للمتشاجرين، دهست سيارة تابعة لقوات الدرك الشاب أيسر الزغول، مما أدى إلى وفاته. لكن العشيرة  أسقطت حقها الشخصي وطالبت بعدم نشر اسم السائق، معتبرةً ما حدث خطأً غير مقصود. يومها، زار رئيس الوزراء نادر الذهبي العزاء وحيّا موقف العشيرة المتفهم.

عام 2013، ومع الانتخابات النيابية السابعة عشرة، تجدد تواجد الأجهزة الأمنية مؤقتًا، حسبما يروي عدد من أبناء الزغول، لتغيب بعدها مجددًا قبل أن تعود في بداية 2018 ضمن تنفيذها حملة أمنية للقبض على مطلوبين.

يتوقف علي، شقيق صقر، عند تلك الحملة التي دخلت عنجرة في ساعات الظهيرة، معتبرًا أن قوات الأمن تعمدت استخدام القوة وأطلقت عيارات نارية حينها، وهو ما يتفق معه أحمد الزغول، الذي يقول إن القوات دخلت المنازل دون مراعاة لحرمتها. بعد هذه الحملة التي شهدت احتجاجات وإغلاق طرق، اتفقت عشائر عنجرة على مبادرة لتسليم مطلوبين لقاء ضمانات بمحاكمات عادلة، وهو ما تم بحسب النائب كمال الزغول، الذي يؤكد تحقق الضمانات بعدما سلم عدد من الشباب المطلوبين أنفسهم.

مشهد عام لعنجرة (يمين)، ويافطة ثقبها الرصاص على مدخل البلدة (يسار). تصوير يزن ملحم.

بلدة عنجرة، هي ثاني أكبر تجمع سكاني في محافظة عجلون بعد بلدة كفرنجة، ويبلغ عدد سكانها نحو 28 ألف نسمة.

صنّف تقرير حالة الفقر لعام 2010، الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، عجلون كثاني أفقر محافظة بعد معان. كما تقع عنجرة ضمن قضاء مصنف كجيب فقر، بحسب البرنامج التنموي لمحافظة عجلون، الذي أعدته وزارة التخطيط للأعوام 2017-2019. وفق البرنامج، يعمل 48% من أبناء عجلون في مهام الدفاع والتعليم ووظائف حكومية أخرى، فيما تعمل نسبة لا تتجاوز 3% في السياحة والزراعة.

عام 2009، صنفت منطقة عنجرة منطقةً تنمويةً خاصة، سعيًا إقامة مشاريع سياحية تلائم الموجودات الأثرية فيها. وبحسب خطة مجلس الوزراء حينها، فقد كان من المفترض أن يقام على طريق القاعدة مشروع مدينة سياحية متكاملة، يحظى بامتيازات المناطق التنموية الخاصة. لاحقًا، دُمجت منطقة عجلون مع البحر الميت في منطقة تنموية خاصة واحدة. بعد إطلاق الخطة بخمس سنوات، قالت رئيسة هيئة المناطق التنموية الخاصة، مها الخطيب، إن إقامة منشآت عسكرية في عجلون حالت دون الاستثمار في أراضي المنطقة وتطويرها سياحيًا وفق الخطة المقرة.

يصف علي، شقيق صقر، حالة عائلته المادية بأنها «تحت الصفر»، وهي العائلة المكونة من 14 شخصًا، يعيلها علي وصقر ووالدهما، فيما ما تزال بقية الأطفال في المدارس.

يعمل علي في أحد الأجهزة الأمنية، فيما لم يكمل صقر تعليمه، وكان يقف على بسطة البقدونس والحشائش ليعاون والده المتقاعد العسكري الذي أصبح يبيع الخضار بعد أن خدم في الحرس الخاص للملك حسين في السبعينيات.

يتحدث والد عامر، الشاب الثلاثيني الذي أصيب في موقع القاعدة، عن وضع مادي صعب كذلك لابنه. فبعد أن ترمج عامر من الدفاع المدني قبل أربع سنوات، لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، وبقي طوال السنوات الأربع الماضية معتمدًا على مساعدة إخوته ووالديه في مصروفه الشخصي، ما منعه من الزواج.

ماذا يريدون الآن؟

«أنا بدي حقي»، يقول علي شقيق صقر؛ حقه في معرفة المتسبب بوفاة شقيقه وفي تلقيه العقاب، بحسبه. «ما بهمّنا اللي طخ، بهمّنا اللي أعطى الأمر»، يقول ابن عم صقر.

بحسب بيان عشيرة الزغول الصادر يوم السبت الماضي، فقد شملت مطالب العشيرة نيل القاتل عقابه ونقل القيادات الأمنية في المنطقة، بعد ما وصفه البيان بسوء إدارة للأزمة من قبل تلك القيادات.

يقول ابن عم صقر، بإن فتح الطرق ووقف النار لم يكن «مشان سواد عيون الدولة»، بل إكرامًا الوفود التي جاءت من مناطق مختلفة، ولتسهيل حياة الناس في عنجرة. لكنه يقول أيضًا إنه لم يعد بوسع العشيرة الآن التراجع عن حقها أمام الناس والوفود. «1200 كرسي بالصيوان ما فضيوا. شو بدنا نحكي لكل هالناس؟».  

أما علي، فيقول إنه يخدم في جهازه الأمني دومًا في الصفوف الأمامية، ويحظى بتشجيع قادته وتحفيزهم، ولطالما تفوق في التدريبات التي يخوضها. لكنه يتساءل عن قدرته نفسيًا على الخدمة مجددًا، دون أن يشعر بأنه نال حقه في محاسبة قاتل أخيه.