العميل وإرثه: هل يُدفن أنطوان لحد في لبنان؟

الخميس 17 أيلول 2015
أنطوان لحد وشاؤول موفاز
Israel’s chief of Staff lt. General Shaul Mofaz (R) in talks yesterday, May 24, with General Antoine Lahad, the leader of the former Israeli proxy forces in southern Lebanon, the South Lebanon Army or SLA, as they meet in a hotel along the northern border with Lebanon hours after Israel completed its military withdrawal from Lebanon. Some 6,000 Lebanese, mostly former SLA fighters and their familes, have fled into Israel seeking asylum before the withdrawal. JWH/WS – RTR4O0P

بقلم آدم شمس الدين

بعد أسبوع على وفاته في إحدى مستشفيات فرنسا، لا تزال جثة العميل أنطوان لحد معلّقة، بانتظار تحديد مكان دفنها، أفي «إسرائيل» التي هرب إليها بعد تحرير الجنوب اللبناني في 25 أيار 2000، أم في لبنان الذي طرد العدو وعملاءه.

عائلة قائد جيش لبنان الجنوبي أطلقت جدلًا بإعلانها نيتها دفن الجثة في قريته الشوفية كفر قطرة في جبل لبنان، لتبدأ الحملات الرافضة لاستقبال العميل، ويتجدد الاصطفاف الشعبي والإعلامي بناءً على الموقف من لحد و«إرثه».

لحد واللحديّون

تسلم لحد قيادة جيش لبنان الجنوبي في العام 1984، بعد وفاة الرائد سعد حداد الذي أعلن قيام «دولة لبنان الحر» وتأسيس «جيش لبنان الحر» في العام 1979 بمساعدة الجيش الإسرائيلي بعد عام على الاجتياح الأول للجنوب. حظي لحد بـ«شرف» تسلم القيادة بعد وفاة حداد في العام 1984. ومنذ ذلك الحين، بات الاسم الرسمي للجيش العميل «جيش لبنان الجنوبي». على أن التسمية الاكثر تداولًا لقوات المرتزقة بقيادة لحد حملت اسمه، فبات يعرف بجيش لحد، وباتت العناصر المنضوية تحت قيادته تعرف باللحديين.

تتعدى هذه التسمية سهولة الوصف لتدل على هوية هؤلاء. فربط اسم الجيش بشخص لحد نفسه، ما هو إلا تأكيد على وظيفة هؤلاء ووظيفة لحد. والوظيفة تتعدى الشعارات التي حملها حداد وأكمل بها لحد والتي تتمثل بالدفاع عن «هوية لبنان» بوجه «الخطر الفلسطيني». إذ تعكس التسمية ولو بشكل رمزي، ملكية هذا الجيش من المرتزقة لشخص لحد دون سواه، والذي تحول بفعل الدعم الاسرائيلي له واليًا على جيش ومنطقة يحكمها من مقره في مرجعيون.

رسميًا، لم يُنظر يومًا إلى لحد أو إلى جيش لبنان الجنوبي على أنه جيش عميل.

حاول لحد جاهدًا مأسسة جيشه وتقديمه بصورة دولة بديلة ولو صوريًا، فأسس إذاعة وقناة تلفزيونية، تتحدثان باسمه وباسم جيشه، وتبثان الدعاية اللازمة لشرعنة «القضية» الموكلة إليه وتحولت المنطقة الخاضعة لسيطرته، أو ما بات يعرف بمنطقة «الشريط الحدودي»، امتدادًا لإسرائيل. ومع انقطاعها عن سائر البلاد، انتشرت فيها البضائع الإسرائيلية دون سواها، وباتت جزءًا من الاقتصاد الإسرائيلي. ما سعى لحد لبنائه كان «دويلة» ركيزتها الجيش، في استنساخ للنموذج الإسرائيلي.

على أن المشروع اللحدي انهار برمته بعد أربع سنوات فقط من تسلمه القيادة، حين وضعت له حدًا شابة اسمها سهى بشارة، أطلقت عليه رصاصتين في 17 تشرين الثاني 1988.

حين أطلقت بشارة هاتين الرصاصتين على العميل، كان لحد لا يزال يتقاضى مرتبًا من الدولة اللبنانية كضابط. وفي التفصيل هذا الذي ربما لم يغب عن بشارة أو عن الحزب الشيوعي أو جبهة المقاومة الوطنية التي خططت للعملية، يبدأ النقاش حول إرث لحد بعد وفاته والدعوات الرافضة أو المطالبة بدفنه في لبنان.

تغطية رسمية ودينية

لم يتوقف دفع مرتب لحد كضابط في الجيش اللبناني إلا بعد انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف. ولم يكن هذا التوقف ناجمًا عن استعادة الدولة دورها، وقدرتها على تطبيق سلطة كانت ضائعة خلال تفككها بعد اندلاع الحرب الأهلية، بل نظرًا إلى تغير في موازين القوى الطائفية بعد اتفاق الطائف، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وخصوصًا الجيش.

رسميًا، لم يُنظر يومًا إلى لحد أو إلى جيش لبنان الجنوبي على أنه جيش عميل. وحظي لحد وجيشه بتغطية مرجعية دينية رأت فيه بطلًا مرغمًا على التحالف مع «الشيطان» كأهون الشرين بوجه الفلسطينيين.

هذه التغطية بلغت ذروتها وتأكدت بعد اغتيال اليد الحديدية للحد في الجنوب، عقل هاشم، في عملية نوعية قبل أشهر من التحرير عام 2000. حينها خرجت البطريركية المارونية التي كان على رأسها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وقال أحد مطارنته في مراسم تأبين العميل، أن هاشم قد روى أرض الوطن بدمائه. بات هاشم شهيدًا بعزاء رسمي من مؤسسة دينية رسمية. واقتصرت ردود الفعل الرافضة والمدينة آنذاك على المرجعيات  الدينية والحزبية ولم يكن للدولة أي رد رسمي على العزاء الوقح.

كان العزاء مؤشرًا على تأطير قضية العملاء في نطاقها الطائفي على الرغم من عدم اقتصار المتعاملين مع إسرائيل على المسيحيين في جيش لحد. إبان التحرير، كان على حزب الله التعامل بحذر مع هذا الملف وفق المنطق نفسه. فعلى الرغم من التهديدات التي كان يطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابات متكررة، كان أشهرها حين توجه إلى العملاء بالقول أن مقاتلي الحزب «سيذبحون العملاء في أسرّتهم»، قرر الحزب التعامل مع هذا الملف بحذر شديد نظرًا للتأطير الطائفي الذي خضع له، خلال معركته الطويلة حتى التحرير. فضّل حزب الله وضع الملف في يد الدولة اللبنانية، حرصًا على عدم استخدام الملف طائفيًا بعد أن سعى الحزب جاهدًا لتقديم الانتصار على أنه وطني جامع. ولم يتعرض مقاتلوه لأي من العملاء الذين ألقي القبض عليهم قبل فرارهم إلى إسرائيل. وخضع من بقي منهم إلى محاكمات كانت معظم الأحكام القضائية فيها مخففة تراوحت بين السجن من سنة إلى خمس سنوات.

بيد أن تعامل الحزب مع الملف ومراعاة حساسيته، سمح بإسقاط البعد الوطني للقضية، وساهم عن قصد أو غير قصد بترسيخ السردية القائلة بأن هؤلاء العملاء كانوا مرغمين على التعامل مع إسرائيل تحت الضغط والتهديد. فيما تطورت السردية لاحقًا لتتشابه ومعادلة ما بعد الحرب الأهلية «عفى الله عما مضى». فضّل حزب الله إدارة ظهره للملف، ورميه في ملعب الدولة، ليستفيد بذلك من استحضار تقاعسها كجسم بلا رأس ولا وجه في محاسبة هؤلاء العملاء متى دعت الحاجة إلى ذلك.

هذا التعامل مع قضية بهذه الأهمية، سمح للبطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي بزيارة العملاء أنفسهم خلال زيارته الرعوية المثيرة للجدل إلى فلسطين المحتلة العام الماضي. لم يلتقِ الراعي لحد، لكنه التقى بمرتزقته بوصفهم رعية لا عملاء سابقين ومواطني دولة عدوة بحكم قوانين الدولة نفسها التي ينتمي إليها. واقتصرت الردود المُدينة لهذا اللقاء على مرجعيات دينية وحزبية من جديد، دون أي إدانة رسمية من الدولة. ذهب البطريرك وعاد حاملًا معه «معاناة» هؤلاء في «الغربة»، محاولًا إعادة تفعيل قانون طرح في المجلس النيابي لإعادة فتح قضية «المهجرين قسرًا» عن وطنهم.

انطلاقًا من هذا السياق، تصبح عودة جثة لحد إلى لبنان ودفنه في قريته الشوفية، بما تمثله من استفزاز لفئة واسعة عانت ما عانته من بطش لحد ومرتزقته، أهون المصائب. ليس غريبًا أن تطرح العائلة رغبتها هذه بهذا الوضوح في سياق كهذا، كما أن عدم صدور أي قرار رسمي للدولة أو حتى إشارة حول موقفها من طرح هكذا، بالتزامن مع ترحيب واسع من أهالي قرية لحد نفسه، يزيد من إصرار العائلة وقناعتها بإمكانية تحقيق مطلبها.

إن عودة جثمان لحد في حال حصولها، ليست سوى مؤشر إضافي على ذاكرة انتقائية لمجتمع يقيس المسائل والقضايا بناء على أطرها الطائفية لا الوطنية. وهل يمكن انتظار غير ذلك في وطن ودولة لا يسمح لسهى بشارة، التي أنهت مشروعًا استسلاميًا برمّته، من أن تمنح أولادها الجنسية اللبنانية؟

* صورة المقال تجمع أنطوان لحد (يسار) ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي سابقًا، شاؤول موفاز، في فندق قرب الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، بعد ساعات على انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، في 24 أيار 2000. رويترز.