من العقبة إلى عمان، سيرًا على الأقدام، بحثًا عن «أمان وظيفي»

مشاركون في مسيرة متعطلي العقبة على الطريق الصحراوي. تصوير يزن ملحم.

من العقبة إلى عمان، سيرًا على الأقدام، بحثًا عن «أمان وظيفي»

الأربعاء 20 شباط 2019

طُردوا من أمام القصور الملكية في العقبة، فقرروا المسير إلى الديوان الملكي في عمان.

بعد أكثر من شهرين من الاعتصامات الدورية المطالبة بالعمل، قرر قرابة أربعين متعطلًا عن العمل المبيت على دوار الشريف حسين بن علي في العقبة يوم الأربعاء الماضي. صباح الخميس، 14 شباط، توجهوا في مسيرة إلى القصور الملكية في العقبة، واعتصموا هناك قرابة الساعة، قبل أن يبلغهم الأمن بتلقيه أوامر بطردهم.

ظهر ذلك اليوم، قرر أكثر من 60 متعطلًا عن العمل، معظمهم ممن اعتصموا أمام القصور، السير مسافة 350 كم من العقبة إلى عمان طلبًا للعمل، وانضم إليهم على الطريق متعطلون آخرون، سواء من المحافظة نفسها أو من محافظات أخرى. بعد أكثر من أسبوع على المسير، تجاوز عددهم 150 شخصًا، وباتت تفصلهم مساء الأربعاء كيلومترات قليلة عن عمان.

محمود البلتاجي (30 عامًا)، واحد من أربعة متعطلين منظمين للمسيرة، كان من الشباب الذين قاطعوا الفريق الوزاري أثناء زيارتهم للعقبة في أيلول الماضي للحديث عن قانون ضريبة الدخل قبل إقراره، مسلطًا الضوء على قضية البطالة في محافظة العقبة. يرى البلتاجي أن مسيرتهم حولت قضية المتعطلين عن العمل إلى قضية وطنية، لا تقتصر فقط على متعطلي محافظة العقبة، كما يقول.

عمل البلتاجي في ليبيا في مجال الألبسة لخمسة أعوام، عاد بعدها إلى العقبة عام 2016 وقرر أن يعود إلى المدرسة لإكمال تعليمه، فأنهى دراسة الصفوف من السابع إلى التاسع، ويدرس حاليًا في الصف العاشر، ويسعى لإكمال تعليمه. منذ عودته إلى العقبة وهو يبحث عن فرصة عمل تؤمن له دخلًا جيدًا يعيله هو وإخوانه الخمسة المتعطلين عن العمل كذلك.

أثناء المسير، يتعامل البلتاجي والمتعطلون الثلاثة الآخرون في لجنة التنظيم مع ترتيبات الأكل والمبيت وتنظيم أوقات الاستراحات. يبدأ المسير يوميًا عند السادسة صباحًا، ويتخلله مجموعة من الاستراحات على الطريق الصحراوي. يجمع المشاركون المال من بعضهم لمن لا يتوفر لديه، ويتوقف سيرهم عند مغيب الشمس، ويبيتون يوميًا بجوامع قريبة من محطات وقود لتوفر دورات المياه فيها. يشير البلتاجي إلى تضامن العديد من الأهالي مع المسيرة، حيث يؤمّن بعضهم المياه والأكل في مناطق مختلفة يمرون فيها. «كل منطقة بنفوت عليها بناخذ قدرنا وزيادة. بمعان استقبلونا، وبالطفيلة وبالقويرة استقبلونا، وبالحسينية استقبلونا، وامبارح شباب الحجايا استقبلونا»، يقول البلتاجي.

محمود البلتاجي أحد منظمي المسيرة (أعلى)، والمشاركون أثناء المسير (أسفل). تصوير يزن ملحم.

خالد الخالدي (31 سنة) أحد المتعطلين عن العمل من محافظة المفرق، التحق بالمسيرة يوم الإثنين الماضي. يعتقد الخالدي أن لا أحد سيسمعه لو خرج وحده في المفرق، لذا قرر الالتحاق بالمسيرة القادمة من العقبة. عمل الخالدي لمدة 13 سنة في قهوة في ساحة الثورة في العقبة، وانتهى عمله فيها قبل ستة شهور حين هُدمت القهوة لصالح مشروع استثماري، كما يقول. عاد الخالدي إلى المفرق وعمل في قهوة هناك لمدة أسبوعين، ثم تركها لعدم جدواها، حيث كان يعمل يومًيا من الساعة الثانية بعد الظهر وحتى الثانية فجرًا لقاء ثمانية دنانير، يتبقى له منها دينارين بعد أكله وسجائره. «ليرتين باليوم، شو بدي أساوي فيهن؟! نفسي زيي زي أي شاب، نفسي أتزوج ويصير عندي عيلة، نفسي ألبس وأطلع وآجي. بس هذا اللي بدي إياه من الدنيا»، يقول الخالدي.

قبل فترة ذهب الخالدي إلى بلدية المفرق طالبًا العمل بأية وظيفة متوفرة ومهما كانت، كما يقول، إلا أن البلدية أخبرته بعدم توفر أية شواغر بالوقت الحالي.

الخالدي من عاشقي نادي الفيصلي الذين لا يفوتون مشاهدة أي من مبارياته أينما كانت. لذا، مما يشغل باله حاليًا تأمين ما يكفي من المال لمشاهدة مباراة الفيصلي والرمثا يوم السبت المقبل. «لو إني بدي أشحد ع باب الاستاد، إلا أحضر المباراة، مستحيل أفوت علي مباراة للفيصلي، مستحيل»، يقول الخالدي.

المشاركون أثناء المسير (يمين) وأثناء استراحة على الطريق (يسار). تصوير يزن ملحم.

بعد ثلاثة أيام من المسير، تواصل رئيس الوزراء عمر الرزاز مع محمد محطة، أحد أعضاء اللجنة المنظمة، عبر الاتصال بالنائب عن محافظة الطفيلة، حسين القيسي، الذي التقى بالمتعطلين بالصدفة في إحدى استراحات معان. طلب الرزاز من محطة تحضير كشف بأسماء المتعطلين عن العمل وأبلغه بأنه سيرسل لهم من يستلم الكشف، كما يقول محطة. بعد قرابة الساعتين، التقى وفد مشكل من متصرف الحسينية ومفتش من وزارة العمل ومديرة مكتب العمل في معان بالمشاركين في المسيرة، ودار بينهم حوار امتد لثلاث ساعات دون أن يصلوا لاتفاق.

في اليوم التالي، أصدرت وزارة العمل توضيحًا بخصوص القضية تشرح فيه تفاصيل اللقاء الذي دار بين وفدها والمتعطلين. حيث أكد مدير مديرية علاقات العمل في الوزارة، عدنان الدهامشة، أن الوفد قدم ضمانات بتشغيلهم لدى شركات القطاع الخاص في العقبة، إلا أن المتعطلين رفضوا العودة إلى العقبة وطالبوا بالتعيين في شركات محددة، كالموانئ والبوتاس والفوسفات ومفوضية العقبة، بحسب التوضيح.

يعتقد البلتاجي أن ما تقصده وزارة العمل بالتشغيل في القطاع الخاص هو العمل في محطات البترول أو مطاعم المعجنات أو قطاع المقاولات. «إيش يعني قطاع خاص؟ مع مقاول، يعني مشروع، بخلص المشروع وبروح. إحنا بدنا شغل دايم ومستمر وفيه أمان وظيفي»، يقول البلتاجي، ويوافقه محطة القول: «عشان تسكتني من المسيرة هاي، تعطيني وظيفة لا يوجد فيها أمان وظيفي، لا أحتاجها».

محمد محطة (يمين)، وخالد الخالدي (يسار). تصوير يزن ملحم.

عمل العديد من المتعطلين المشاركين في المسيرة ولفترات طويلة كعمال مشاريع أو مياومة، وتنقلوا بين أشكال مختلفة من العمل غير المستقر. محطة أحد الذين عملوا لسنوات في قيادة القوارب في البحر بأجر مقطوع لكل نقلة، ثم عمل في شركة خاصة مراقبًا على سائقي القوارب في مشروع إنشاء جسر جديد قريب الشاطئ الجنوبي، ليتوقف عن العمل مع انتهاء المشروع عام 2014، ليعود للعمل في القوارب بشكل متقطع.

مصطفى درويش (26 سنة)، أحد المشاركين في المسيرة، متزوجٌ وله طفلان، وكثيرًا ما تنقل بين العمل في ورشات الدهان والقصارة والبلاط وبيع الخضار. ويشكو درويش من قصر مدة العمل مع المتعهدين التي لا تتجاوز أشهر معدودة. «ما تنزللي عقد ست أشهر، وبعد ست أشهر تقولي روح دبر حالك (..) طب أنا زلمة أبو عيلة وعيال، من وين بدي أجيب وأدفع إيجار بيت؟!».

قبل ستة شهور، كان درويش يملك بسطة خضار عند مسجد عمر بن الخطاب في العقبة. صادرت مفوضية العقبة بسطته وخسر قرابة 700 دينار، وسجل بحقه قيد تسول، كما يقول. ولا يستطيع درويش اليوم العودة لبيع الخضار لعدم توفر المال.

صالح وإبراهيم ويوسف الرياطي (26، و28، و36 سنة على التوالي) ثلاثة إخوة يشاركون في المسيرة، حالهم كحال درويش، عملوا مع والدهم في بيع الخضار منذ أكثر من 15 سنة. يقول إبراهيم، الأخ الأوسط، إنه لم يعد من الممكن الاستمرار ببيع الخضار بسبب منعهم من «التبسيط» على أبواب جوامع العقبة أو على الأرصفة، خاصة بعد توقيفهم المتكرر ومصادرة البضاعة وخسارتها باستمرار، واضطرارهم لتوقيع تعهدات بعدم البيع مرة أخرى، وتسجيل قيود تسول بحقهم. «كل ما يمسكوني بنزل محافظ، وببات في النظارة (..) بيروح واحد من إخواني بتكفلني، برجع بروح بجيب خضرة، وبرجع بنمسك. قرفت»، يقول إبراهيم.

قبل أكثر من شهر خسر إبراهيم قرابة 600 دينار بعد أن صادرت المفوضية بسطته، مما راكم عليه إيجار منزله الذي لم يدفعه منذ ثلاثة شهور، كما يقول. حصل إبراهيم على تدريب لمدة سنة في الشركة الوطنية للتدريب والتشغيل، وتدرب على مهنة التبليط لكي يحاول أن يجد عملًا غير بيع الخضار، لكن لم يكن موفقًا في إيجاد أية فرصة عمل في مجال البلاط.

غالبية المشاركين في المسيرة عمال مشاريع ويوميات تنقلوا بين مهن مختلفة لفترات مختلفة إضافة إلى باعة متجولين في قطاع الخضار والفواكه. ويشارك في المسيرة قرابة خمسة عشر شخصًا يحملون شهادات دبلوم أو بكالوريس، منهم مراد محمود وطارق نصيرات.

مراد (25 سنة) خريج هندسة ميكاترونكس من جامعة الحسين بن طلال، متزوج وله طفل، ويسكن مع زوجته في بيت والده المستأجر. وهو الأخ الثالث بين ستة إخوان، اثنان منهما طالبان مدرسيان، وآخر عامل في الميناء، والاثنان المتبقيان حاصلان على دبلوم في الصيدلة والمحاسبة وهما متعطلان كذلك.

عمل مراد، الذي التحق في المسيرة يوم الأحد الماضي، طيلة فترة الدراسة في أعمال مختلفة كي يكمل تعليمه: في قيادة القوارب في البحر، والمولات، ومراسلًا في شركة خاصة، كما يقول. تخرج مراد قبل سنة، ولم يجد عملًا للآن. «بنيت أحلام، بنيت طموحات كثيرة، قلت خلص، ما دام إني بتعب هسا، بكرا بتخرج وبرتاح. ع الفاضي، طب ليش هيك؟»، يتساءل مراد الذي لا يمانع أن يعمل خارج تخصصه في عمل يؤمن له ضمانًا اجتماعيًا وتأمينًا صحيًا، وراتبًا يؤهله لاستئجار بيت له ولزوجته وابنه ليستقل عن والديه.

أما طارق، فعمل في مجال الطاقة الشمسية في شركة خاصة لنحو عامين، بعد أن حصل على دبلومين، أحدهما من أكاديمية الطيران الملكية الأردنية والثاني من جامعة البلقاء التطبيقية. نهاية عام 2016، ترك طارق العمل بسبب تدني الراتب. إذ كان حينها يحصل على 250 دينار ولم يحصل على زيادة طيلة العامين، كما يقول. حاول بعدها طارق أن يبدأ مشروعًا خاصًا لكنه لم يتمكن من الاستمرار بسبب عدم توفر المال الكافي للمضي فيه. «ما في واحد بيقدر يشتغل لحاله بدون راس مال وعمال. أنا واحد من الناس حاولت بدل المرة عشرة»، يقول طارق الذي يعتقد أنه لا خيار أمامهم إلا المسير إلى عمان رغم طول المسافة والبرد والمخاطرة.

طارق نصيرات (يمين)، ويوسف وإبراهيم الرياطي (وسط)، ومصطفى درويش (يسار). تصوير يزن ملحم.

يوم أمس دهست حافلةٌ محمد أبو سيف، أحد المشاركين في المسيرة، على الطريق الصحراوي، لينقل حينها إلى مستشفى الكرك، ويرقد حاليًا في مستشفى البشير، كما يقول البلتاجي الذي يؤكد استمرار المسيرة إلى الديوان الملكي في عمان.

ومع اقتراب وصول مسيرة متعطلي العقبة الى عمان، انطلقت صباح اليوم الأربعاء مسيرة من قرابة 15 شخصًا، من مقابل مستشفى راهبات الوردية في إربد، متوجهةً إلى الديوان الملكي في عمان، مطالبةً بتوفير وظائف تتناسب مع الشهادات التي يحملها المشاركون في المسيرة. يقول عاصم الدقامسة، أحد المشاركين في مسيرة إربد، إن خيارهم بالذهاب للديوان الملكي مباشرة يهدف لوضع صاحب القرار في صورة وضعهم ووضع آلاف الشباب المتعطلين عن العمل في إربد ومطالبته بالتدخل لحل مشكلتهم.

كما دعت مجموعة من شباب لواء ذيبان المتعطلين عن العمل الى التجمع غدًا ظهرًا في قرية امليح استعدادًا للتحرك باتجاه الديوان الملكي للمطالبة أيضًا بوظائف توفر الأمان الوظيفي، كما يقول أيمن قبيلات، أحد منظمي هذا التحرك: «[بدنا] وظيفة لما يستلم الراتب يفوّت على بيته حق جاج وخبز، ويظل عشرة عشرين ليرة يمشي أموره فيها».

  • صابر

    تكلم دولة الرئيس مع أحد المشاركين وأوعز لمديرية العمل ايجاد وظائف للمشاركين في المسيرة في القطاع الخاص بالمدينة …
    دولة الرئيس: أنت تعرف تماما أنه ليس هذا المطلوب… المطلوب إيجاد عمل لعشرات الآلاف من المتعطلين في مؤسسات القطاع الخاص التي من المفروض أن تؤمن لها الحكومة المناخ التشريعي لكي تنجح. وقبل ذلك العمل وبسرعة على تعديل التشريعات بحيث يعمل مثل هؤلاء الشباب في وظائف تحكومها عقود سنوية تشمل التأمين الاجتماعي والصحي، وفيما يخص العمل بالمشاريع، أن تكون الرواتب مجزية لتعويض العمال عن عدم وجود أمان وظيفي، وأن تقوم وزارة العمل بإداء عملها بطرق احترافية حديثة، وأن يتم تنظيم العمالة الوافدة، وفوق هذا كله العمل على حملات توعية وتدريب للشباب للاقبال على الأعمال التي تقبلها العمالة الوافدة ويرفضها شبابنا، وقد تكون أهم طرق التوعية هي الدراما لتعزيز قيمة العمل واحترامه والرفع من قيمة العاملين في شتى المجالات.
    شكرا للموقع على هذا التقرير الرائع والمفيد والذي فشل الإعلام الرسمي ومواقع دكاكين القص واللصق في تقديم ما يمكن أن يشابهه.