الحقيقة غير الجذابة لفشل الربيع العربي

الإثنين 01 شباط 2016

بقلم أماندا توب، ترجمة محمد الفاعوري

(نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية في Vox بتاريخ 27 يناير 2016).

في الوقت الذي تبين فيه للعالم بأن الأوضاع في مصر قد اتخذت مسارًا سيئًا، وأن ما كان يظهر على أنه دراما هوليووديّة بين الخير المتمثل في المتظاهرين المنتصرين على الشرّ المتجسد في الدكتاتور السيء قد انتهى به المطاف إلى نهاية مخيبة للآمال، كانت الثورات المنتشرة في الشرق الأوسط تتدهور.

اليوم، ترزح مصر تحت حكم ديكتاتورية عسكرية مجددًا بينما انهارت اليمن وليبيا وسوريا تحت وطأة الحرب الأهلية. لقد أصبح من الرائج في الأعوام التي تلت خراب كل شيء لوم سذاجة الثوار أو التأسف على عدم كفاءة قادة المرحلة الانتقالية. ما زلنا نحاول وضع الأمور ضمن إطار الإنجازات الشخصية أو فشل الأبطال الفرديين وحتى مؤامرات الأشرار. ولكن هذا الطرح ما زال سخيفًا مثلما كان في أول مرة تمت محاولة تطبيقه في عام 2011.

الحقيقة هي أن الربيع العربي لم يكن أبدًا قصة صراع بين الأبطال الأخيار وأعداءهم الأشرار. في الواقع الربيع العربي كان شيئًا أكبر وأكثر تجريدًا من ذلك: الفشل الذريع والكارثي لمؤسسات الحكم. هذه ليست قصة ذات حبكة درامية، ولا هي جذابة بما فيه الكفاية لتتصدر أغلفة المجلات والصحف. ولكن عند تتبع سير الأمور منذ بداية اندلاع الربيع العربي في 2011 وحتى اليوم، ترى الفشل المؤسسي في كل زاوية.

هذه الرواية ليست مقنعة عاطفيًا كالتي رويناها لأنفسنا منذ البداية. ولكن من المهم التعمق فيها إذا أردنا فهم الأخطاء التي حصلت واستخلاص الدروس التي يمكن أن يتعلمها العالم في المستقبل.

القصة التي نرويها لأنفسنا عن الربيع العربي

في السنوات الخمس التي مرّت على تخييب الربيع العربي لآمال العالم، تطورت قصة عن الثورات وفشلها.

في مصر، على سبيل المثال، القصة تسرد كالتالي: في البدء ركز الثوار المثاليّون الشجعان على إسقاط الدكتاتور الشرير حسني مبارك. و لكنهم تناسوا بسذاجة أمر الحكم بعد تنحيته. لقد فشلوا في التخطيط والتشكيل السياسي واضعين ثقتهم بالأمل والتغيير ووسائط التواصل الاجتماعي بدلًا من العمل الشاق وممارسة السياسة على أرض الواقع.

تسبب فشل الليبراليين في هذه الرواية بترك الباب مفتوحًا لجماعة الإخوان المسلمين لاكتساح الانتخابات وتشكيل حكومة متشددة. لقد فشل الإخوان بدورهم في الحكم بعد اختيارهم تنفيذ أجندات ضيقة الأفق أدت إلى تنفير الشعب والنخب على حد سواء. بعد ذلك تمكن الجيش من استغلال سذاجة الليبراليين وعدم كفاءة الإسلاميين واستولى على السلطة لنفسه وأعاد مصر إلى حكم الديكتاتورية العسكرية.

تبدو هذه السردية مختلفة عما أقنعنا به أنفسنا في بداية الربيع العربي. لقد قلنا أن المتظاهرين المتنورين الشجعان قد وقفوا في وجه الدكتاتور الشرير. لكن ما تشترك به هاتان السرديتان هو أنهما تقومان بنسب كل شيء إلى فشل أو قوة الأفراد مثل الديكتاتور الشرير في بداية القصة أو المتظاهرين السذج، وإلى الإسلاميين قصيري النظر والجنرال الشرير في النسخة الجديدة في 2016.

لكن كلتا النسختين غير مكتملتين. الفشل الفردي لوحده لا يفسر التبعات الكارثية للربيع العربي. كما أن شجاعة الأفراد ليست ضمانة كافية لنجاح التغيير. في الحقيقة، لقد كان الثوار شجعان فعلًا والديكتاتور كان سيئًا فعلًا. ولكن قصة الربيع العربي كانت أقل سينمائية من ذلك وأكثر واقعية، قصة الربيع العربي تتمحور حول هشاشة الديكتاتورية وضعف مؤسسات الدولة.

لقد تبين أن عملية التحول الديموقراطي لا تعتمد على من تستطيع أن تعزل ومن تستطيع أن تضع مكانه. إنها تعتمد إلى حد بعيد على القدرة على تغيير شبكة المؤسسات المعقدة تحت هذا الشخص. الثورة محكومة بالفشل إذا لم تستطع دفع مؤسسات الحكم للعمل. وعلى الأغلب لن تستطيع ذلك ببساطة، بسبب الطريقة التي تم تصميم بها هذه المؤسسات. ليس من المهم كم ديكتاتورًا ستخلع وليس مهمًا صدق نوايا المتظاهرين، ذلك ليس كافيًا. هذا هو الدرس الحقيقي للربيع العربي، وهو مهم تحديدًا لأنه لا يحتوي على نفس الإثارة والإشباع العاطفي الذي تحتويه قصة صراع الخير والشر التي نفضل روايتها.

القصة غير المرئية للربيع العربي في مصر: انهيار المؤسسات

لقد حضّر حسني مبارك للثورة في مصر قبل قيامها بوقت طويل. لقد قام بطريقة ممنهجة بإضعاف أحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني عبر العقود الثلاثة من حكمه للتأكد من عدم قدرتها على معارضته بشكل حقيقي. لكنه حين كرّس ضعف المؤسسات وعدم استقلاليتها كفاية لتستطيع بتهديد حكمه، كرّس مبارك كذلك عدم قدرتها على دعم أي عملية تحول ديموقراطي بعد سقوطه.  

لقد أتخم مبارك وزارة الداخلية بالموالين له سياسيًّا بدلًا من الموظفين العموميين الأكفاء، مما سمح للفساد والوحشية بتخريب الأمن العام. وحوّل مبارك القضاء إلى دمية بيد النظام لإعطاء نفسه الأداة اللازمة لملاحقة الخصوم السياسيين بإبقاء القضاة معتمدين على النظام وبإبقاء حكم القانون ضعيفًا. كما أضعف أحزاب المعارضة الليبرالية وأعطى مساحة تنفّس كافية للإخوان المسلمين ليستخدمهم كفزاعة للعالم على طريقة «إمّا أنا أو الإسلاميون»، عبر الحملات المنظمة وقوانين الانتخابات المعدّة بعناية لضمان عدم حصولهم على خبرة حكم حقيقية في عهده.

المؤسسة الوحيدة التي حافظت على سطوتها كانت القوات المسلحة. بل ووسعّت دورها السياسي في عهده أكبر بكثير مما سمح به سلفه أنور السادات. حيث استخدم مبارك الرعاية التي حظي بها الجيش لشراء ولاءه بالتزامن مع تنامي سطوته.

لقد تبين أن عملية التحول الديموقراطي لا تعتمد على من تستطيع أن تعزل ومن تستطيع أن تضع مكانه. إنها تعتمد إلى حد بعيد على القدرة على تغيير شبكة المؤسسات المعقدة تحت هذا الشخص.

لكن هذه الإجراءات لم تستطع حماية مبارك للأبد. وحتى قبل الثورة كانت علامات الأزمة ظاهرة على نظام حكمه؛ حيث أن مخططه بتوريث الحكم لابنه جمال جوبه بغضب شعبي جارف وقد خرجت مظاهرات في عام 2010 تم فيها حرق صور جمال في الشوارع. التسامح الشعبي مع النظام أخذ بالتآكل بشكل مضطرد بسبب التضخم وارتفاع أسعار السلع الغذائية مما شكل شكل ضغطًا حقيقيًا متزايدًا على الفقراء. نسب البطالة ارتفعت بطريقة كارثية لدرجة أن صندوق النقد الدولي قام بالتحذير من أن البطالة أصبحت قنبلة موقوتة، بالتزامن مع الغضب الشعبي من وحشية الشرطة.

وفعلًا أثبت نظام مبارك هشاشته عندما حدث الانفجار أخيرًا في يناير 2011 . لقد حصلت الثورة سريعًا على الدعم الشعبي وفشلت وزارة الداخلية بالحفاظ على النظام. في هذه اللحظة بالذات، فشل مبارك في الحفاظ على ولاء جيش مصر القوي. و بدلًا من سحق المظاهرات، سحب الجيش دعمه لمبارك وقام بتعيين نفسه بدلًا منه مؤقتًا، ظاهريًا على الأقل.

ولكن ما بدا جليًا أن الجيش كمؤسسة، ركّز على الحفاظ على مصالحه وامتيازاته على حساب الدولة. ونفّذ انقلابًا عسكريًا بعد سنة فقط على اعتلاء محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، سدة الرئاسة، وتم تعيين الجنرال عبد الفتاح السيسي مكانه رئيسًا للجمهورية.   

فعلت حكومة محمد مرسي التي استمرت عامًا، بين حكميين عسكريين، بعض الأشياء الصحيحة وارتكبت الكثير من الأخطاء الكارثية. ولكن بغض النظر عن مستوى أداءها بكل الأوقات، كان مقتلها في ضعف قدرات المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني؛ دخل القضاء في مواجهة مع حكومة مرسي، وانسحب الأمن من الشوارع، حتى مؤسسات الدولة التي تقوم بتوزيع الكهرباء والمحروقات أصيبت بالشلل. وبحسب النيويورك تايمز «طوابير التزود بالوقود وانقطاعات الكهرباء ساهمت في رفع درجة غليان الشارع».

لقد افتعلت حسابات مرسي الخاطئة الكثير من الأزمات. ولكن فراغ الدولة المصرية أضعفه بشكل مريع وكان سيتسبب بهزيمته حتى لو كان يتمتع بالمزيد من الكفاءة. وعندما تعثّر أخيرًا، انهار مسار التحول الديموقراطي وملأ الجيش الفراغ الناتج عن فشل بقية الدولة.

المشاكل التي أسقطت مبارك لم يتم علاجها

القوة المفرطة للجيش، والمعارضة الضعيفة عديم الخبرة في الحكم، وقوات الأمن الفاسدة، والمجتمع المدني المفرغ من النخب، وغياب المؤسسات الديموقراطية، وغيرها من الظروف التي خلقها مبارك عمدًا لإطالة أمد حكمه ما زلت كلها موجودة وتساهم في تعطيل الحكومات المتعاقبة بنفس الطريقة التي قامت بتعطيل حكمه.

عندما ندرك ذلك يصبح جليًا أن المشكلة لم تكن أبدًا عدم قدرة المتظاهرين على فهم ضرورة التظيم السياسي للقواعد الشعبية. الديموقراطية ليست غياب الدكتاتور، بل وجود الحكم الديموقراطي. وهذا يحتاج إلى أمر أشد أهمية وأقل وضوحًا من ضرورة وضع الشخص الديموقراطي الصالح في الحكم. الحكم الديموقراطي بحاجة مؤسسات ديموقراطية مثل أحزاب قادرة على خوض الانتخابات والنجاح بها، وسياسيين قادرين على ممارسة الحكم، وبيروقراطية قادرة على تنفيذ سياسات الحكم، ومجتمع مدني قادر على تقديم الدعم والاستقرار لتلك المؤسسات.

لقد كان الكثير من المتظاهرين يتمتعون بخبرة سنوات من التنظيم، ولكنهم لم يستطيعوا تطوير حزب سياسي يقوم بحمل أفكارهم بعيدًا عن ميدان التحرير إلى أروقة الحكم الفعلي. قد يمكن تفسير ذلك جزئيًا بالاقتتال الداخلي وعدم القدرة على الوصول إلى الطبقات العاملة أو عوامل أخرى. ولكن في الواقع قد يكون مبارك وطريقته الممنهجة -عبر عقود من حكمه- في التأكد من عدم وجود الظروف المناسبة التي تمكن أي حزب ليبرالي ناجح من التبلور عاملًا أكثر أهمية من كل العوامل الأخرى.

لقد كان وضع الإخوان المسلمين أفضل نسبيًا من غيرهم. كانوا يمتلكون آلة حزبية حقيقية ومرشحين وقاعدة دعم شعبية لا بأس بها. ولكن إدارة مرسي الكارثية أظهرت أن هذه عوامل كافية لتشكيل حزب واقعي ولكنها غير كافية لتشكيل حزب قادر على الحكم الفعلي.

عقود من حكم مبارك الأوتوقراطي أدت إلى إضعاف المؤسسات الأساسية للحكم وتغييبها تمامًا. ولكن عند سقوط نظامه فوجئنا جميعًا عندما اكتشفنا أن مرسي لم يتمكن في فترة حكمه التي استمرت اثني عشر شهرًا فقط  من تفعيل هذه المؤسسات.

قصة الربيع العربي هي قصة انهيار دول ضعيفة

ديناميكية شبيهة حصلت في أغلب دول الربيع العربي الأخرى، مع نتائج أسوأ من مصر.

في ليبيا، على سبيل المثال، ذهب القذافي بعيدًا في إضعاف مؤسسات الدولة كي لا تستطيع تحدي حكمه. لقد كان النظام متمركزًا حول شخصه وعائلته حيث ألّب الأحياء والمجموعات ضد بعضها البعض، وفشل في بناء مؤسسات دولة حقيقية وأبقى الجيش في حالة ضعف عمدًا لمنع صعود أي شخصية قادرة على تهديد حكمه حسب مجموعة الأزمات الدولية.

تونس كانت تمتلك أفضلية على جيرانها، وهي أن مؤسسات المجتمع المدني في تونس كانت أقوى كثيرًا من مثيلاتها في دول الربيع العربي الأخرى

لذلك عندما انهار نظام القذافي بقي القليل جدًا من الدولة الليبية، انزلقت البلاد في حالة صراع واقتتال داخلي بين حكومتين متنافستين وعدد لا يحصى من الفصائل المسلحة من بينها تنظيم الدولة الإسلامية.

في سوريا الأمر مختلف قليلًا، الجيش قوي وبقي إلى حد بعيد مواليًا لحكم بشار الأسد. ولكن نظام البعث صمم الجيش لا كقوات أمنية خارجية لحماية الحدود، وإنما لأجل استخدامه كأداة لممارسة الحكم الطائفي عن طريق تعيين الكثير من العلويين الذين ظلّوا موالين للنظام. كانت النتيجة أنه حين قام الأسد بإصدار الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين العزل، وهي أوامر سوف ترفضها أي قوات مسلحة غير موالية بالكامل للقائد، استجاب جزء من القوات للأوامر ورفض الجزء الآخر وقام بالانشقاق عن الجيش لتشكيل نواة تمرد مسلح.

وهكذا أدت المظاهرات في سوريا إلى تحقيق أسوأ ما في العالمين: الحفاظ على دكتاتورية دموية ما زالت تسيطر على مساحات واسعة وتهاجم المدنيين، وبنفس الوقت أدت لتشكيل فراغ في السلطة في الأماكن التي خسرها الأسد مما شكل بيئة خصبة لانتشار داعش والمتشددين الآخرين. مما شكل كارثة بالنسبة للمدنيين السوريين العاديين.

هل تونس هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة؟

تونس هي البلد العربي الوحيد الذي لم تخضع مؤسساته للإضعاف والتحييد قبل الثورة. وهي البلد الوحيد الذي خرج من الربيع العربي بنتيجة تشبه إلى حد ما الديموقراطية الحقيقية. ورغم بعض اللحظات الحرجة مثل اغتيال اثنين من السياسيين في عام 2013، بقيت تونس إلى حد الآن على مسار التحول السياسي. حكومتها الأولى بعد الثورة بقيت مستقرة طول فترتها ومع أنها خسرت الدعم الشعبي في النهاية إلا أن هذا أدى إلى خسارتها في انتخابات حرة ونزيهة عوضًا عن إسقاطها عن طريق المظاهرات والانقلاب العسكري.

قد يحتاج تفسير نجاح تونس إلى بعض القفز غير اللائق في التحليل. ولكن تونس كانت تمتلك أفضلية على جيرانها أثبتت أهميتها في نهاية المطاف، ألا وهي أن مؤسسات المجتمع المدني في تونس كانت أقوى كثيرًا من مثيلاتها في دول الربيع العربي الأخرى. لقد عنى ذلك أنه عندما واجهت البلاد أزمة سياسية بعد موجة اغتيالات 2013 أدت إلى انهيار الحوار من أجل كتاب الدستور الجديد، كان هناك مؤسسات أخرى مستعدة للقيام بدورها في منع الانزلاق في مسار العنف وانهيار الدولة.

بعد فشل الربيع العربي، علينا أن نسأل لماذا سمحنا لتلك الديكتاتوريات بتخريب دولها عبر عقود.

الاتحاد الاتونسي للشغل ومنظمات التجارة ونقابة المحامين ومنظمات حقوق الإنسان شكلت اللجنة الرباعية للحوار الوطني في عام 2013 والتي نجحت في التوسط لإعادة المحادثات بين الخصوم السياسيين. قدرة اللجنة الرباعية على تسيير الحوار نحو الإجماع أدت إلى نزع فتيل التوتر السياسي ودعَمت نجاح محاولة كتابة الدستور الجديد الذي أدى إلى إنجاح الانتخابات التاريخية في عام 2014. مما أدى لحصول اللجنة الرباعية على جائزة نوبل للسلام في عام 2015 اعترافًا بدورها في إنجاح مسار التحول الديموقراطي في تونس.

قصة تونس بالتأكيد هي قصة المتظاهرين الشجعان في الشارع والقادة النبلاء في السياسة ولكنها أيضًا قصة أثر قوة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني التي هيأت الظروف من أجل نجاح الأفراد.

هذه ليست قصة مقنعة عاطفيًا. كوني محامية سابقة أعلم أنه لم يسبق لأحد القيام بكتابة ملحمة غنائية ثورية لاستذكار شجاعة نقابة المحامين على مشاركتهم في سلسلة اجتماعات، وأعتقد أن أحدًا لن يقوم بذلك أبدًا. ولكنه ليس من الواضح إن كانت تونس ستحقق قصة النجاح هذه لولا المحامين والاتحاد العام للشغل والمنظمات غير الحكومية الذين تدخلوا وقاموا بالعمل الممل الخاص بالمجتمع المدني.

الضعف المؤسسي ليس موضوعًا مثيرًا مثل الدكتاتور الشرير، لكنه أكثر أهمية

ليس الدرس المستفاد مما سبق أنه كان من الأفضل لمصر بأن تبقي على مبارك، أو أن ليبيا في أحسن حال مع القذافي، وليس أنه كان من الأجدر على ثوار سوريا البقاء في منازلهم. الدرس الحقيقي هو أن المعركة كانت خاسرة منذ البداية، قبل اللحظة التي وصلت فيها هذه البلدان إلى الخيار بين إبقاء هؤلاء القادة أو إسقاطهم. الحكومات كانت هشة والمؤسسات ضعيفة لدرجة أن أي نتيجة ستحصل كانت ستكون سيئة.

الدرس الآخر هنا هو أنه بالرغم من تفضيل أنظمة حكم الفرد المطلق تسويق نفسها على أنها شر لا بد منه من أجل الحفاظ على الاستقرار، فإنها فعليًا من عوامل خلق عدم الاستقرار. هذه الأنظمة تقوم فعليًا بشراء الوقت وخلق الاستقرار المؤقت عبر رهن أمنها المستقبلي.

السؤال الأساسي بعد فشل الربيع العربي ليس أنه هل كان من الممكن فعل ما هو أكثر بعد 2011 لتدعيم مسيرة التحول السياسي ولا هل كان علينا ببساطة اختيار الإبقاء على الديكتاتورية. بل علينا أن نسأل لماذا سمحنا لتلك الديكتاتوريات بتخريب دولها كليًا عبر عقود قبل اندلاع الثورات بطريقة تضمن أن نتيجة الربيع العربي ستكون الخراب والفوضى بغض النظر عن موقف العالم مما حصل.

لقد كان نظام القذافي الوحشي هو الذي عبّد الطريق نحو سقوط ليبيا المحتم في أتون الحرب الأهلية. وفشل مبارك هو من ترك مصر عرضة للانقلاب من قبل جنرال سفاح. وبشار الأسد ما زال يثبت يوميًا أنه كان وما يزال يمثل الخطر الأسوأ على الشعب السوري إما عن طريق الذبح الجماعي للمدنيين الأبرياء، أو عن طريق الفشل الذريع لنظامه الذي فتح المجال أمام داعش وإجرامها.

هذه ليست الرسالة المثيرة والمقنعة عاطفيًا التي يتمناها أي من المتابعين. المتظاهرون الشجعان لن ينزلوا إلى الشارع حاملين يافطات تطالب بالإصلاح القضائي أو بناء مجتمع مدني قادر يومًا ما على دعم عملية تغيير تدريجي وتراكمي. هوليوود لن تقوم بعمل أفلام تحطم شباك التذاكر هذا الصيف عن جولات من المفاوضات السياسية التي كللت بالنجاح بسبب أركان محترمين في المجتمع نجحوا في إقناع أصحاب المصالح بتبني مسار سياسي بالإجماع. مرشحو الرئاسة في الولايات المتحدة لن يحوزوا على التصفيق بسبب جمل رنانة تبين أهمية المؤسسات في العالم العربي للسياسة الخارجية الأمريكية.

إنه من الأسهل الدعوة إلى إسقاط الدكتاتور بدلًا من الضغط من أجل تبني سياسات مملة وغير مثيرة قادرة على التنبؤ بالسقوط قبل سنوات من حصوله للتأكد من وجود سبل تضمن تحولًا سلسًا ومملًا. لكن هذه قصة تستحق الالتفات إليها رغم ذلك. دول الربيع العربي ليست الوحيدة في العالم التي تخضع لأنظمة حكم الفرد المطلق الهش الذي من الممكن أن ينهار فجأة بآثار كارثية مدمرة. هذه قصة ستتكرر وسنشاهدها مرة أخرى.