حماية اللغة العربية بالقانون: ضرورة أم قيود جديدة على حرية الإعلام؟

الأحد 02 آب 2015

في الأول من تموز الجاري، أصبح قانون حماية اللغة العربية نافذًا بعد أن أقره مجلسا النواب والأعيان في حزيران. وقبل ذلك، في الأول من شباط، كان مجلس الأمة، أقر قانون مجمع اللغة العربية.

وبإقرار هذين القانونين، نصّبت «الدولة»، ممثلة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، نفسها كحامية حمى اللغة العربية «الفصحى» أمام «هجمة «العامية»، المتهمة بها وسائل الإعلام الجديدة تحديدًا، من إذاعات مجتمعية إلى شبكة الإنترنت والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثة على الهواتف الخلوية.

إقرار قانون حماية اللغة العربية من قبل البرلمان لم يتطلب نقاشات طويلة ومعقدة، فقد مر القانون بسرعة، وخلال جلسة واحدة في «النواب»، ولقد حظيت هذه الجلسة، كالعادة، بتغطية صحفية مجتزأة، ركزت على ما هو شكلي في النقاشات، أو على المفارقات و«الفواصل الكوميدية»، من مثل الأخطاء أو ما وصفته بالركاكة، في خطابات النواب خلال المناقشة، أو خلافهم على «تعريف اللغة العربية»، وما إذا كانت «ركاكة» وأخطاء النواب تؤهلهم لمناقشة هكذا قانون، وتجاهلت التغطية، القليلة أصلًا، مواد القانون والتعديلات التي أدخلت على المسودة.

بإمكان «صحافتنا» دومًا تحويل أي مناقشة لأهم القوانين إلى مجرد «فاصل كوميدي»، طالما الكوميديا أصبحت «سيدة الشاشات». وصرف نظر الجمهور على ما هو «جوهري» في القوانين والنقاشات. فمثلًا فقد اعتبر الكاتب إبراهيم جابر إبراهيم في مقال له بجريدة «الغد» مجرد مناقشة مجلس النواب لقانون حماية اللغة العربية «فاصل كوميدي».

وحتى قبل إقرار القانون، لم تولِ وسائل الإعلام، أو الجهات المعنية بحرية عملها، أي اهتمام بمشروع القانون، ولم تتنبه لما ما قد يحمله من «مخاطر» على عملها، واكتفت بنقل الأخبار فقط عن مراحل صياغته، دون أي مناقشة لمضمونه.

هكذا فإن المتابع للتغطية الإعلامية لقانون «حماية اللغة العربية» لن يجد معلومات كافية عن القانون وعن المناقشات، على أهمية هذه النقاشات، خصوصًا لوسائل الإعلام، التي يمكن أن نقول أنها نجت، بفعل التعديلات التي أدخلها مجلس النواب على المسودة من قانون كان، وربما لا يزال في بعض مواده، سيشكل قيدًا آخر على القيود المفروضة على حريتها، وربما على وجود بعضها.

لم تولِ وسائل الإعلام، أو الجهات المعنية بحرية عملها، أي اهتمام بمشروع القانون، ولم تتنبه لما ما قد يحمله من «مخاطر» على عملها>

فبحسب مسودة مشروع القانون، التي نشرها موقع «خبرني»، تنص المادة «3» على :«تلتزم الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية العامة والخاصة، ووسائل الإعلام: المرئية والمسموعة والمقروءة، والمؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة في جميع مراحل التعليم، والبلديات»، بـ«استخدام اللغة العربية في التدريس وفي جميع ما يصدر عنها من أنظمة وتعليمات ووثائق وعقود ومعاملات ومخاطبات وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات».

لكن النسخة النهائية من القانون، كما حصلنا عليها من مجلس النواب، تفيد بشطب، أو استثناء «وسائل الإعلام» من نص المادة، لتصبح «تلتزم الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والخاصة والبلديات والنقابات والجمعيات النوادي والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشركات باستخدام اللغة العربية في نشاطها الرسمي…».

ترى، هل كان بالإمكان «تخيَل» ما كان سيحدث لوسائل الإعلام، المرئية والمسموعة منها خاصة، فيما لو لم يتم استثنائها من نص المادة، وعمدت الجهات المعنية بتنفيذ القانون إلى الطلب من الإذاعات، مثلًا، التقييد باستخدام اللغة العربية «الفصحى» في كل برامجها، ومنها تلك البرامج التفاعلية مع الجمهور، كالبرامج الصباحية، وقامت هذه الجهات بـ«التعسف» أو «الانتقائية» في تطبيق القانون؟

هل كان واقعيًا، ولا يزال، الطلب، مثلًا، من الإذاعات المجتمعية، التوقف حتى عن استخدام اللهجة الأردنية، أو اللهجات المحلية، وماذا كان سيحدث لو أن الجهة المعنية قامت بتغريم أي إذاعة من هذه الإذاعات بمبالغ تتراوح بين ألف إلى ثلاثة آلاف دينار، كغرامة مخالفة كما ينص القانون، في كل مرة استخدم فيها مذيع أو مقدم لغة «عامية» أو لهجة محكية، تحول «الضاد» إلى «ظاء»؟

والحال، إن كان القانون، بصيغته النهائية، كما أقر من المجلس، استثنى وسائل الإعلام من نصوص مواده، كان من شأنها لو بقيت أن تشكل سيفًا مسلطًا على حرية الإعلام، فقد أبقى على مادة واحدة، المادة «10» الفقرة «أ» ما يلزم أي «مذيع أو معد أو محرر في أي مؤسسة إعلامية…اجتياز «امتحان الكفاية في اللغة العربية».

المادة (10) من قانون حماية اللغة العربية رقم (35) لعام 2015:

أ- لا يعين معلم في التعليم العام أو عضو هيئة تدريس في التعليم العالي أو مذيع أو معد أو محرر في أي مؤسسة إعلامية إلا إذا اجتاز امتحان الكفاية في اللغة العربية ويستثنى من اجتياز هذا الامتحان المعلمون من غير الناطقين باللغة العربية أو الذين يدرسون بلغة أجنبية وتستقدمهم أي مؤسسة تعليمية بموافقة وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حسب مقتضى الحال للتدريس بلغة أجنبية والعاملون في الأقسام الأجنبية في وسائل الإعلام.
ب- تحدد جميع الامور المتعلقة بامتحان الكفاية في اللغة العربية بما في ذلك الرسوم التي تستوفى بمقتضى نظام يصدر لهذه الغاية.

لكن الأسئلة التي تطرحها المادة «10» من القانون، والفقرة المشار إليها من «مدونة سلوك» الإذاعات المجتمعية، هي: من هي الجهة المناط بها تطبيق القانون؟ وتلك المكلفة وضع امتحان الكفاية؟ وما هو مستوى هذا الامتحان؟ وهل سيطبق القانون بأثر رجعي، خاصة إنه ينص على تصويب أوضاع الجهات المعنية في القانون خلال عام من تاريخ نفاذه؟ ألم يكن بإمكان المشرع إلزام وسائل الإعلام بتعيين «مدقق لغوي»، كما هو معمول به في كل وسائل الإعلام العالمية، عوضًا عن اشتراط اجتياز امتحان كافية في اللغة ليس معروفًا مدى مستواه؟

آراء في المادة (10) من قانون حماية اللغة العربية

إلياس فركوح، قاص، صاحب دار أزمنة للنشر ورئيس مجلس إدارة شبكة الإعلام المجتمعي

هناك تأثير إيجابي للمادة القانونية على الإذاعات المجتمعية وغيرها من الإذاعات، على المدى البعيد إذا أخذنا به على نحو جاد، بمعنى أنه تحفيز للمعنيين في الشأن الإعلامي في تلك المؤسسات على تجويد ما هو ناقص أو غير مكتمل على مستوى النص، ككتابة لغة عربية فصحى سليمة، وأيضا تدريب غير المهيأين من المذيعين والمذيعات على كيفية قراءة اللغة العربية على نحو سليم.

في الإعلام العربي عموما يوجد مشكلة لغة عربية، سواء في المؤسسات الإعلامية في داخل وخارج الوطن العربي. يوجد نسبة عالية من تدني اللغة العربية، باستثناء نشرات الأخبار، عدا ذلك نصطدم بعامية لا معنى لها في مؤسسات يفترض أن تكون محترمة.

إذا كان هناك امتحان كفاءة فمن هي الجهة الممتحنة، وهنا سندخل في دوائر لن تنتهي. أعتقد أنه تدريجيا بإمكاننا تطبيق القانون بكامله، لكن ليس فجأة وعلى نحو خاطئ، خاصة أن المؤسسات الإعلامية غير المحترفة التي تعتمد على المتطوعين وعلى الناس الذي دخلوا هذا الميدان حديثا بحاجة لوقت أطول لكي يسيروا في درب تصويب اللغة وضبطها.

لكن المبالغة في الأشياء، إن كان في الزيادة أو النقصان، مرفوض. المطلوب أن نتوازن ونعطي المعلومة عبر الإعلام بلغة عربية سليمة من دون أن تخدش الأذن التي اعتادت أن تسمع اللغة على نحو صائب وسليم. إذا كان البرنامج على الهواء مباشرة ويستجيب لتلقائية التفاعل ما بين السائل والمسؤول، أضعه في المنطقة الوسطى، أي أن الفصحى ليست كما ينبغي أن تكون، وليست العامية التي تفقد الكثير من المعاني، فهناك عامية فصيحة وهناك عامية تعمي عن الأشياء وفيها كثير من الترهل وكثير من اللوازم التي لا لزوم لها أصلا مثل لوازم الكلام الشفهي التي لا يطيقها الإعلام، وبخاصة الإعلام المحكوم بزمن محدد، أي أنني عندما أسأل سؤال محدد في 20 ثانية أريد إجابة في دقيقة. بالتالي الالتزام بدقة اللغة مطلوب لكن في الحدود المعقولة وبحسب قدرة الضيف.

سعد حتر، رئيس دائرة التحقيقات الاستقصائية في شبكة «أريج» ومدرب إعلامي

معظم وسائل الإعلام العالمية تخضع العاملين فيها إلى امتحان من شقين، لغة ومعالجة إعلامية. المشكلة لدينا في المادة القانونية: من الجهة التي ستعقد الامتحان، من هي الجهة التي ستقول أن هذا الصحفي قادر على ممارسة عمله، من هي الجهة التي ستأتي وتقول له أنت أخطأت في هذا وذاك، وبالتالي ما هي العقوبة ومن الجهة التي ستقوم بفرض هذه العقوبة، وهل أن من يرسب في هذا الامتحان لن يسمح له بالعمل في الصحافة؟

هناك العديد من القوانين التي وضعت على الرف، مثل قانون منع التدخين في الأماكن العامة، في حين يصفعك المدخن أينما تذهب. فهل هناك من سيقوم بفرض القانون ويقول أنه لا يجب أن تدخن في مكان عام وأن تضر بصحة الناس؟ هذه قوانين توضع على الرف، ما فائدتها؟

التمكن من اللغة العربية من أبجديات الصحافة، لكن أعتقد أن الأجدى من التركيز على جودة اللغة، وهذا مطلوب، أن نبحث عن محررين وإعلاميين أكفأ وقادرين على معالجة الأخبار بطريقة احترافية، بتوازن وموضوعية وأخلاقيات عالية في العمل الصحفي، وفي نفس الوقت أن يكون متماشيا مع اللغة العربية أو الالمام بقواعدها ونحت المفردات الملائمة في موضعها في الخبر الذي يصنعه. هناك مراسلون ميدانيون مهمتهم أن يأتوا بالمعلومة التي يصوغها المحررون بطريقة معالجة إعلامية احترافية. وهو ما يفتقر إليه العديد من الإعلاميين في الأردن والوطن العربي.

أزمة اللغة العربية ليست في الإعلام وحده، بل في كل ما نقرأه. أرى إعلاميين لا يفهمون شيئا في اللغة العربية ولا يستطيعون معالجة خبر بطريقة محترفة إلى جانب بنائه على قواعد عربية صحيحة ومفردات ملائمة. لدينا أزمة تدريس، أزمة أخلاق، أزمة مناهج. التدريس لدينا سطحي ولا يدخل في العمق، نحن نتذكر أستاذ أو معلمة اللغة العربية وكيف كنا نعشق اللغة العربية. الآن ما الذي يشد الطالب إلى درس اللغة العربية، لا أدري. أنظر إلى أبنائي ولا أرى أي شغف في مادة اللغة العربية، بل يرون فيها بعبعا لا يريدون أن يدرسوه. المشكلة في النشء من الصغر وليس في وضع قانون للكبار الآن ولا يوجد من يطبقه، ولا أعتقد أن هناك قدرة أو وسيلة لتطبيقه. هذه سابقة خصها الأردن ولا أعرف ما أبعادها أو مراميها.

خالد الجبر، عميد كلية الآداب والعلوم في جامعة العلوم الإسلامية، شاعر ومعد ومقدم برامج ثقافية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية

تأثير الإعلام في الناس يكاد يبلغ أضعاف ما يتأثر الناس به في نشأتهم التعليمية في المدارس وفي البيوت. وبالتالي فإن تعريض الإعلاميين لمثل هذه الامتحانات أو المعايير والمقاييس أمر ضروري وواجب. لكن من الذي يطبق ويجري مثل هذا الامتحان، ما هي المعايير المعتمدة في هذا الامتحان، هل يجرى هذا الامتحان على الإعلاميين الصحفيين الذين يعملون أم على الذين سيلتحقون بهذه المهنة فيما بعد. ليست الحكومة هي التي تجري ذلك لأن حكوماتنا كلما مسكت بشيء تخربه ولا نريد لها أن تخرب وضع اللغة العربية أكثر.

هذا الأمر ينبغي أن توضع معاييره برعاية مجمع اللغة العربية وبالتعاون مع النقابات مثل نقابة الصحفيين أو جمعية المذيعين، ويترك للمؤسسات الإعلامية، مثل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وبعض الصحف الكبرى الموجودة، فرصة التعامل مع هذا الملف أو الامتحان. لكن توضع المعايير أولا بالتعاون مع مجمع اللغة العربية، الجهة المسؤولة عن ذلك. المجمع يجب أن يخرج من عباءته القديمة وينطلق نحو المؤسسات الإعلامية، ينبغي أن يأخذ مقترحاته ويذهب بها إلى المؤسسات ويعقد دورات حتى يقدم اللغة العربية كما يراها هو في المؤسسات الإعلامية.

وتبدأ المؤسسات بتصحيح أوضاع العاملين فيها الآن باتجاه تدريبهم، تطوير مهاراتهم عبر برنامج منظم وامتحانات تحديد مستوى لمعرفة ما يحتاجه كل منهم، يعنى بعضهم قد يحتاج إلى 10% وبعضهم قد يحتاج إلى 70%، فقدراتهم متفاوتة وما يحتاجونه أيضا متفاوت. أما الذين سيدخلون إلى حقل العمل الإعلامي من جديد فينبغي أن تطبق هذه المعايير عليهم بداية، أي أن يجرى لهم امتحان كفاية في اللغة العربية ولا يكتفى بالامتحان المكتوب التحريري، ينبغي أن يكون هناك شيء من المقابلة الشفهية، المواجهة بصورة مباشرة لمعرفة كيف يؤدي الإعلامي دوره إذا كان يعمل في التلفزة أو الإذاعة.

منذ ما يزيد على العشر سنوات اقترحت في جامعة البترا، ولديهم مادة وحيدة يدرسها طلبة الصحافة والإعلام في اللغة العربية هي مهارات كتابية في اللغة العربية، اقترحت أن طلبة الإعلام بصورة خاصة ينبغي أن يدرسوا في كل فصل مادة لغوية أو متصلة باللغة، لأن مادة الإعلام الأساسية ووسيلته هي اللغة، وعمله هو اللغة، وبالتالي بدون لغة ليس هنالك إعلام، لكن كليات وأقسام الصحافة والإعلام في بلدنا وحتى في الخارج، يرتكز على المواد المعرفية الأساسية وبعض المهارات المتصلة بالتسجيل، المونتاج، التصوير، إلى غير ذلك. أما اللغة فهي جانب آخر. فإذا كان الإعلامي وحده يمتلكها من الأصل فهذا يكون خيرا وبركة.

 

على أي حال، فإن «خطورة» القانون على حرية وعمل وسائل الإعلام، كما على باقي الجهات الأخرى، مثل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، لا تزال قائمة حتى بعد التعديلات، فنصوص القانون، يكتنفها النقص والغموض بشكل عام.

تطرح الدكتورة هناء الشبول، رئيسة جمعية الثقافة للغة العربية، في مقابلة نشرها موقع «زاد الأردن» عدة تساؤلات، وتشير إلى «أخطاء جمة» اعترت القانون. من بين هذه التساؤلات عدم احتواء القانون على «هيئة مستقلة» تقوم بالإشراف على تطبيقه، أسوة مثلا بهيئة مكافحة الفساد، أو غيرها. كما عدم شموليته، مثل استثناء النواب من امتحان الكفاية.

وتخلص الشبول إلى القول بانه «قانون جباية» وفرض للضرائب تحت مسمى حماية اللغة العربية.

قانون ومدونة سلوك «لغوية»؟

إلى جانب قانون حماية اللغة العربية، تعمل «هيئة الإعلام» على مسودة «مدونة سلوك الإعلام الإذاعي المجتمعي» يجري الطلب من مسؤولي الاذاعات المجتمعية توقيعها، تلزمهم «أخلاقيًا»، بـ: «الاستخدام الجيد لمهارات اللغة والتدقيق في المصطلحات والمفردات المستخدمة في المنتج الإعلامي وخاصة الأغاني الوطنية».

هل سيعني التزام «الإذاعات المجتمعية، التي وجدت أساسًا لمخاطبة فئات محلية، بـ«الاستخدام الجيد لمهارات اللغة»، أن عليها أن تمتنع عن استخدام اللهجات المحكية في برامجها، وتاليًا فقدان هويتها محلية الطابع.

وهل سيترتب على هذه الإذاعات عدم، التعاطي مع جمهورها بلغته التي يفهمها ويتعامل بها يوميًا، كما كان يحصل سابقًا؟ وهل سيترتب عليها وقف البرامج التي يمتاز بها الإعلام المجتمعي والتي يقدمها صحفيون مواطنون يعملون في مهن أخرى لكنهم يتطوعون لتقديم برامج تتصل بمجال عملهم أو اهتماماتهم؟

لا يزال التلفزيون والإذاعة، وعديد من «الوطنيين» يفخرون ببرامج تم تقديمها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، على أثير الاذاعة، أو على شاشة التلفزيون، بطلب من الشهيد وصفي التل، مثل برامج «مع المزارع» أو «مضافة أبو محمود»، كانت تقدم بالعامية، وباللهجة المحكية، وأسهمت في رفع وعي المواطن السياسي، أو في زيادة وعيه في قضايا الزراعة والفلاحة، ونالت استحسان الجمهور وجوائز عالمية. هل سترتب على الإذاعات المجتمعية اليوم، عدم إنتاج مثل هذه البرامج التي استخدمت العامية ولم يراعى فيها «استخدام مهارات اللغة».

قد يقال إن هذه مدونة سلوك، ملزمة «أخلاقيًا»، وحسب، لكن عودتنا الحكومات المتعاقبة على محاسبة وسائل الإعلام بناء على مدونات السلوك، على طريقة «من فمك أدينك»، وتحويل هذه المدونات إلى قيود جديدة.

قانون واقعي أم «أيديولوجيا لغوية»؟

تظل اللغة العربية واحدة من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل، في الفكر العربي المعاصر والقديم، وربما لم ينقطع النقاش، وقد لا ينقطع، منذ وضع «سيبويه» قواعد النحو، إلى يومنا هذا حيث تأجج هذا الجدل بسبب التطورات الكبيرة في وسائل الإعلام الحديثة، وخاصة شبكة الإنترنت وما تركته من تأثيرات على اللغة العربية، وباقي لغات العالم.

وقد انقسم المتجادلون بين من يحذر من «تدهور» وربما «انقراض» اللغة العربية، كما قال بذلك تقرير لمنظمة «اليونسكو»، صدر عام 2007. وبين من يدعو إلى التخلي عن العربية الفصحى، واستخدام العاميات عوضًا عنها، بوصفها، لغة الحياة، كما يقول بذلك، المفكر العربي مصطفى صفوان في كتابه «لماذا العرب ليسوا أحراًرا»، أو كما يدعو المفكر العراقي هادي العلوي، الذي وضع قاموسًا لـ«اللغة العامية».

كل تطبيق للقانون في هذا الإطار هو انتقائي وبالتالي هو بالضرورة لا يهدف إلى فرض سيادة القانون، وإنما تكون له دائمًا أهداف أخرى.

وعلى كل فقد لقي اقرار القانون ترحيبًا من قبل بعض الكتاب في الصحف المحلية، ومنهم من هنأ «كل عربي غيور على لغته ودينه، وإرثه بقانون حماية اللغة العربية الذي يعيد الأمل في انتصار العربية وسموها»، كما فعل هادي نهر في صحيفة «الرأي»، وزميله الكاتب بنفس الصحيفة، صلاح جرار، الذي اعتبر القانون «إنجازًا وطنيًا متميزًا» أو «مأثرة» تسجل للنواب.

لكن هل ممكن حماية اللغة بقانون أم أن: «فَرض اللغة بقوة السلطان – وإنْ كان سلطان القانون- قد يؤدي إلى قرنها في المخيال الشبابي بالاستبداد وسطوة الدولة، وقد يربطها بمصالح فئة مُتنفّذة، ذات امتيازات اجتماعية، وقد يشدّها إلى تلاعبات المُتاجرين بالدّين»، كما يرى البعض؟

وهل هذا الربط «بمصالح فئة مُتنفّذة»، يعني أن القانون، والتشريعات، أو حتى مدونات السلوك، التي تركز على «حماية اللغة»، هي في النهاية تصب، ليس في صالح اللغة نفسها بل في «أيديولوجية لغوية» تشكل: «مجموعة الآراء والمعتقدات والأفكار التي تتمحور حول اللغة والتي تنتشر بين أفراد المجتمع الذين يمكنهم توظيفها للتأثير في السياسات العامة للدولة بهدف المحافظة على الوضع الراهن، أو بهدف تغيير هذا الوضع في اتجاه آخر».

يستحيل تمتع أي إجراء قانوني يهدف إلى ضبط السلوك اللغوي للمجتمع بالشمول، بما في ذلك استحالة التعقب القانوني لكل خارج عما يعتبر السلوك القويم. بالتالي، فإن كل تطبيق للقانون في هذا الإطار هو انتقائي وبالتالي هو بالضرورة لا يهدف إلى فرض سيادة القانون (المستحيل تحقيقها أصلًا في هذا المجال)، وإنما تكون له دائمًا أهداف أخرى.