رقابة على الرقابة

مُنع في حضرة المحافظ

الأربعاء 02 تشرين الثاني 2016
تصوير خالد بشير.

لا اختلاف بين قرار محافظة العاصمة في الرابع والعشرين من آب، وقرارها في الثامن عشر من تشرين الأول، اللذين قضيا بمنع إقامة فعالية عامة، بالرغم من اختلاف المحافظ.

في الثامن عشر من الشهر الماضي، منع محافظ العاصمة سعد شهاب مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية من إقامة ورشة عمل في فندق القدس لإطلاق استطلاع رأي حول «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأردنيين وثقة المواطنين بالاقتصاد الأردني». كما كان المحافظ السابق خالد أبو زيد قد منع الصحفية هبة عبيدات من عقد ندوة عن الانتخابات النيابية قبل شهرين بمقهى ساقية الدراويش.

أرسل مركز الفينيق إشعارًا للمحافظة قبل أربعة أيّام من عقد ورشة العمل، بحسب رئيس المركز أحمد عوض. وذلك بموجب المادة 4 من قانون الاجتماعات العامة المعدّل، والقاضية «بإشعار الحاكم الإداري قبل 48 ساعة من عقد الاجتماع». لكن المحافظة ردّت سريعًا على المركز، عندما اتصلت هاتفيًا بالقائمين على الفعالية بنفس يوم إرسال الإشعار، لتخبرهم برفضها إقامة فعاليتهم، «لأنها مخالفة لغايات تأسيس مركز الفينيق، والمسجل كمركز دراسات فقط». بحسب ما قال عوض لحبر.

لم يكن هذا المنع هو الأول الذي يواجهه مركز الفينيق، إذ سبق للمحافظة أن منعت المركز من عقد ورشتي عمل لتدريب جهات نقابية قبل نحو أربعة شهور، تحت مبرر عدم اختصاص المركز بإجراء تدريبات، كما يوضح عوض، الذي فضل حينها عدم إثارة القصة إعلاميًا.

يرصد التقرير السنوي للعام 2015 للمركز الوطني لحقوق الإنسان، مجموعة من الأحداث التي تم فيها منع الأفراد من تنفيذ فعاليات أو التعبير عن آرائهم، تنقسم بين منع التظاهر والاعتصام وتنفيذ ندوات ومناظرات ومهرجانات خطابية.

بعد يومٍ واحد من من منع الفينيق من عقد فعالياتهم، منع المحافظ ندوة حول تعديلات المناهج قبل موعد إقامتها بساعات قليلة، بحسب ينال فريحات رئيس جمعية «إنصاف الوطن والمواطن» المسؤولة عن تنظيم الفعالية.

يقول فريحات إن فعالية المناهج مُنعت «بحجة عدم إرسال طلب موافقة للمحافظ قبل 48 ساعة» كما قال له المحافظ. «في البداية المحافظ أكد لي منع الفعالية دون إبداء أسباب، وبعد إصراري على معرفة السبب، وضّح المحافظ بأنني لم أقدم طلب للحصول على موافقة أمنية، وذلك لأن الفندق لم يبلغني بحاجته لأي موافقة».

طلب المحافظ من فريحات الحصول على موافقة من وزارة التنمية السياسية أولًا، كونه مسؤول جمعية مرخصة تتبع لوزارة التنمية السياسية. حصل فريحات على الموافقة من الوزارة، وقدّمها للمحافظ مجددًا، دون أن يتلقى ردًا على طلب عقد الندوة رغم تقديمه منذ أسبوعين.

من جهتها، أعلنت الصحفية عبيدات عن إلغاء ندوة ثانية عملت على تنظيمها كان من المقرر عقدها لنقاش اتفاقية استيراد الغاز«الاسرائيلي»، وذلك بعدما اعتذر المقهى عن استضافة الجلسة. «أبلغني أشخاص من المقهى أن جهات أمنية اتصلت بهم وحمّلتهم المسؤولية عن حصول أي شيء خلال عقد الجلسة النقاشية، ما أدى بالمقهى للاعتذار عن استقبال الفعالية». مع أنها قدّمت إشعارًا للمحافظ قبل ثلاثة أيام من الندوة.

المحافظة طلبت حضور عبيدات لمناقشتها حول الفعالية، وذلك في الفترة التي تلت تقاعد المحافظ السابق خالد أبو زيد، وقبل تولي المحافظ الحالي سعد شهاب، أي عندما كان المتصرف ياسر العدوان محافظًا بالوكالة لعدة أيام، لكن عبيدات رفضت الذهاب. «القانون ينص على إشعار المحافظة فقط، ولا يجوز أن يتم استدعائي».

يقول محافظ العاصمة سعد شهاب إن للحاكم الإداري صلاحيات في رفض الفعاليات في حال اختلف مضمونها عن غايات تأسيس الجهة الداعية لها، «أحيانا تكون غايات الشركة عقد دورات تدريب كمبيوتر، وإذ بها تعقد ندوة سياسية، يجب أن تكون الغايات متطابقة مع موضوع الفعالية».

وحول تعديلات قانون الاجتماعات العامة الذي استبدل شرط الموافقة الأمنية بالإشعار، يقول شهاب: «للمحافظ حق أن يرفض في حال اختلفت الغايات عند تقديم الإشعار، وإلا لماذا الإشعار؟ لو كل واحد بده يشعرني ويسوي اللي بده إياه صارت فوضى».

يستغرب فوزي السمهوري مدير مركز جذور لتنمية حقوق الإنسان، ممارسات محافظ العاصمة المخالفة لقانون الاجتماعات العامة، والمعتدية على الدستور، الذي كفل حقوق المواطنين في تأسيس الجميعات والتعبير والتجمع السلمي.

من جهته، يقول أحمد عوض، مدير مركز الفينيق، إن وزارة الداخلية اعتدت على القانون في منعها للجلسة النقاشية، «ما يشكل اعتداء صارخ على الحريات العامة من قبل القائمين على تنفيذ الرؤية الرسمية التي طالما تحدّثت عن تعزيز القانون وسيادته، وآخرها الورقة النقاشية السادسة للملك».

يذهب الخبير الدستوري ليث نصراوين إلى القصور في تعريف الاجتماع العام في قانون الاجتماعات العامة بصفته «تعريف واسع غير واضح». ويعرّف القانون الاجتماع العام بأنه «الاجتماع الذي يتم عقده لبحث أمر ذي علاقة بالسياسة العامة للدولة».

بغض النظر عن التعريفات، يؤكد نصراوين أن القانون لا يشترط حصول الجهة المنظمة على الإذن من الحاكم الإداري لتنفيذ أي فعاليات، إنما يقتصر القانون على الإشعار فقط.

ورغم أن سبب منع فعالية مركز الفينيق حسبما أبلغت المحافظة مديره أحمد عوض هو أن تنظيم الورشات ليس ضمن غاياته كمركز دراسات، إلا أن عوض يؤكد أن جزءًا من عمل مركز الدراسات تنظيم ورشات العمل واللقاءات والمؤتمرات.

السمهوري يرى أن في المنع تجاوزًا للقانون الذي يمنح الأفراد حق التجمع والقيام بنشاطات دون أن يكونوا مؤسسة رسمية. «مبدأ مخالفة غايات التأسيس تقع ضمن صلاحيات جهات رقابية أخرى وليس الحاكم الإداري».

يختلف نصراوين مع هذا الرأي، موضحًا أن للمحافظ وبموجب نظام التشكيلات الإدارية الحق في منع جهة العمل خارج غاياتها، وذلك حفاظًا على سلامة الأمن والمواطنين.

في لقاء جمع مدير الأمن العام عاطف السعودي بناشطين ومؤسسات مجتمع مدني نهاية العام الماضي وحضره حبر، قال السعودي أن الجهات الأمنية تطلب أسماء المشاركين أو غايات الفعالية، بسبب الظروف الأمنية المحيطة وانطلاقًا من مسؤولية الأجهزة الأمنية في حفظ أمن وسلامة المشاركين في الفعاليات.

يقول السمهوري أن مبدأ «الإشعار» في القانون يهدف لتعزيز الأمن في الفعاليات المنفذة بالشوارع العامة، «لكن الهدف منه لم يكن إخضاع الفعاليات للرقابة كي يتم منعها»، لأن هذا يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وافق عليه الأردن.

ما دور الفنادق والمقاهي في الفعاليات، وكيف يؤثر المنع عليها؟

تقول عبيدات بأن المقهى الذي كان من المقرر أن يستضيف الفعالية عن الغاز «الإسرائيلي» اعتذر لها بعد اتصال الأجهزة الأمنية، فتوجهت لعدة مقاهٍ أخرى تسأل عن إمكانية عقد الفعالية ضمن مساحاتهم، لكنها فوجئت برفض الجميع، ما استدعاها للاعتذار عن تنظيم الجلسة لتعذّر العثور على مكان مناسب.

يوضح فندق القدس بأنه يجري اتصالًا مع الجهات الأمنية بعد تقدم أي جهة لحجز قاعة من أجل نشاط ما، فإما أن توافق الجهات الأمنية على الفعالية مباشرة، وإما أن تبلغ الفندق بضرورة إحضار المنظمين لموافقة أمنية، بحسب مسؤول قسم المبيعات.

إجراء الفندق لا يعتمد على تعليمات مكتوبة، إلا أنه «ينفذ قانون فقط»، والذي قد يعرّضهم خلاف ذلك للمساءلة والاستدعاء والمحاسبة كما أخبرتهم مسبقًا الجهات الرسمية.

يؤكد قسم المبيعات في فندق القدس بأن إلغاء الفعاليات قبل بدئها بساعات يؤثر ماديًا على الفندق، الذي قد يكون أنهى تجهيزاته لاستقبال النشاط، وأن المنع يحصل بمعدل مرتين لثلاث في الشهر الواحد.

تعزيز ثقافة المنع

تعبّر الصحفية عبيدات عن خشيتها من أثر منع تنظيم النقاشات والفعاليات العامة «لأن ذلك سيؤدي بالمجتمع لتجنب أي فعاليات قادمة يعبر بها عن رأيه».

وتضرب عبيدات بقصتها مثالًا، «عندما بدأت أبحث عن مساحة كي أنظم الندوة الخاصة باتفاقية الغاز، رفضت العديد من المقاهي التي اعتدنا على تنظيم فعالياتنا بها، لذا أنا أعتقد أن ما يحصل يشكل عملية ردع للأماكن».

حاليًا، ينتظر ينال فريحات مسؤول جمعية إنصاف حصوله على الموافقة الأمنية الخطية من قبل المحافظة، ويؤكد نيته السير بكافة الإجراءات لتنفيذ الفعالية، وإن استدعى الأمر اللجوء للقضاء بحسبه.

إلى جانب إمكانية اللجوء للمحكمة الإدارية للطعن بقرارات المحافظ، والتي لا يستبعدها عوض أو فريحات، يستطيع منظمو الفعاليات الالتفاف على منع المحافظ عبر عقد فعالياتهم في مراكزهم أو مقرات مؤسساتهم بحسب ما قال بعضهم لحبر، لكنهم أكّدوا على حقهم في تنظيم الفعاليات في أماكن عامة ليتمكن عدد أكبر من الجمهور من حضورها والمشاركة بنقاش عام حول ما تطرحه من قضايا.

رقابة على الرقابة هي زاوية جديدة من حبر مخصصة لمتابعة التعديات على حرية التعبير.