رأي

الدولة وأدواتها: حول منع تأبين الشهيد أبو علي مصطفى في عمّان

الإثنين 04 أيلول 2017
الشهيد أبو علي مصطفى يلقي خطابًا في عمّان في بداية التسعينيات بحضور النقابية أدما زريقات والفنان والأديب غنام غنام.

بعد أيام من الجدل المثار حول الفعالية، أبلغ محافظ العاصمة، سعد شهاب، الأمينَ العام لحزب الوحدة الشعبية، سعيد ذياب، رسميًا بمنع الحزب من إقامة فعالية تأبين الشهيد أبو علي مصطفى، الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في الذكرى السادسة عشرة لاستشهاده في قصف جوي إسرائيلي على مكتبه في رام الله في 27 آب 2001.

جاء هذا القرار عقب هجمة افتتحها عدد من الشخصيات «المؤثرة» على وسائل الإعلام الاجتماعي، استهجنت نية الحزب إقامة فعالية التأبين، وطالبت بمنعها، معتبرةً الشهيد أبو علي مصطفى «مجرمًا» و«قاتلًا»، بصفته كان القائد العسكري للجبهة الشعبية خلال أحداث أيلول 1970، ومشبّهةً من جعلته مقاومته هدفًا أرسلت له «إسرائيل» طائرات الأباتشي لتصفيته، بأبي مصعب الزرقاوي.

في السنوات الأخيرة، بات هذا النمط في منع الفعاليات متكررًا. يهبّ عدد من «المؤثرين» على وسائل الإعلام الاجتماعي اعتراضًا على حدث ما، ويتجاوب معهم عدد أكبر من الناس، لتتدخل الدولة بأجهزتها الأمنية مانعة إقامة الفعالية بالنيابة عن قادة الحملة، فيما يظهر أنه احترام للغضب الشعبي أو رضوخ للرأي العام أو منع لإثارة الفتن. في هذا السياق، مثلًا، تم تبرير منع إقامة أي فعالية تأبين عامة الشهيد ناهض حتر العام الماضي، رغم أن الجهة التي منعتها هي نفسها التي لاحقت العشرات بتهمة بث خطاب الكراهية والتحريض الذي انتهى باغتيال حتر.

بعيدًا عن أن المنع غير قانوني بموجب قانون الاجتماعات العامة الذي لا يستلزم استصدار أي موافقة أو تصريح لإقامة الفعاليات، بل يتم إخطار المحافظ بعقدها قبل 48 ساعة من موعدها (إلى جانب أن الفعالية كانت مقررة في مقر حزب الوحدة مما لا يستدعي الإشعار كذلك)، فإننا لم نرَ مثل هذا الاحترام للمطالبات الشعبية في أحداث عديدة ليس آخرها تسفير قاتل الشهيدين الجواودة والحمارنة إلى «إسرائيل». لكن رغم ذلك، حتى لو افترضنا أن ما حدث هو بالفعل استجابة للاعتراضات، ففي توقيت هذه الاعتراضات وتسلسلها الكثير ما يطرح علامات الاستفهام حول مدى عفويتها والمصالح من وراء إثارتها.

عند استشهاد أبو علي مصطفى، أبرق الملك عبد الله الثاني شخصيًا برسالة إلى ياسر عرفات، معزيًا إياه بالشهيد، ومؤكدًا أن «هذا المصاب الأليم يؤكد الحاجة إلى بذل جهود دولية من أجل وقف فوري لأعمال العنف والاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني». الحكومة أيضًا أدانت على لسان وزير الإعلام في حينه، صالح القلاب، اغتيال الشهيد معتبرةً إياه «عملًا عدوانيًا جنونيًا وغادرًا ولا أخلاقيًا»، كما حضرت بيت عزاء الشهيد في عمّان وفود ضمت وزراء ونوابًا. وعلى مدار 16 عامًا مضت، أقام حزب الوحدة الشعبية فعالية تأبين الشهيد أبو علي مصطفى بشكل سنوي، ولم تصدر أي من هذه الاعتراضات التي تبرر نفسها بأحداث عمرها 47 عامًا.

على المستوى الرسمي، لعل بداية طي صفحة أحداث أيلول كانت في 22 تشرين الثاني 1984، حين افتتح الملك الحسين بن طلال الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير، التي كانت أول دورة تعقد في عمّان من أحداث أيلول 1970. استهل الملك كلمته الافتتاحية حينها بالقول: «أيها الإخوة والأخوات، إن التئام مجلسكم في عمّان، هو اتحاد إرادتكم بإرادة شعبكم في الوطن المحتل وفي كل مكان، مثلما هو التئام جهدين وعزيمتين لشعبين شقيقين انصهرا في تصديهما لذات التحديث ونفس مصدر الخطر. إنه العودة الطبيعية إلى إلى ما ينبغي أن يكون، وما يجب أن يستمر ويتواصل».

حملت تلك الكلمة إشارات عديدة لأحداث أيلول، والعديد من الأحداث التي تلتها، لكن هذه الإشارات كانت في الغالب تسوقها في إطار تجاوزها والمضي للأمام، من أجل التفكير بالخطوات التالية على صعيد الصراع مع «إسرائيل»، فيقول الملك في الكلمة: «إذا كانت الأمور تبدو صعبة الآن، فذلك بسبب ما بددناه من وقت في الخلاف والنزاع والمهاترة، بالرغم مما بذلناه من جهد صادق لتصويب الأمور، فالواقع العربي كان يمنعنا من تحقيق ذلك تاركين للعدو توظيف الوقت في تغيير الواقع لصالحه على أرض فلسطين، ومقصرين في المزاوجة بين عدالة قضيتنا وإمكاناتنا المادية والاستراتيجية لتقليص أثر الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، ومفسحين المجال لاهتماماتنا القطرية لتطغى على مسؤولياتنا القومية، ولنصل في نهاية المطاف إلى ما نحن عليه اليوم من تشتت في الرأي وتبعثر في القدرات».

منذ رفع الأحكام العرفية في الأردن عام 1989 وإعادة تفعيل الحياة السياسية، سعت الدولة إلى تكريس طي صفحة أيلول، ببوادر تصالحية أحيانًا وبالإسكات أحيانًا أخرى، وساد خطاب يعد تلك الأحداث أمرًا من الماضي، تم نفيه من الذاكرة الرسمية، وظل خارج كتب التاريخ المدرسية، وصار فتحه للنقاش إثارةً للفتن والنعرات وتهديدًا لوحدة هشة.

بعد خمسة عقود على أحداث أيلول، فإن إعادة التفكير في هذا التاريخ ومراجعته والتعلم منه مسألة أساسية من أجل المضي قدمًا، لكن هذه المراجعة لا تستقيم إلا على قاعدة العداء لـ«إسرائيل» والدعم المبدئي للمقاومة ضدها.

في هذا الإطار، عاد عدد من قيادات الجبهة الشعبية إلى الأردن بعد عام 1990، والتقى الأمين العام للجبهة آنذاك، جورج حبش، بالملك حسين أثناء زيارته الأولى إلى عمان لحضور المؤتمر الشعبي لمساندة العراق، بعد انقطاع دام عشرين عامًا. ومنذ عودته إلى الأردن في بداية التسعينيات وحتى استشهاده، ظل أبو علي مصطفى يحمل جواز سفره الأردني، ويتنقل من وإلى الأردن بشكل اعتيادي. وفي هذا الإطار أيضًا جاء تأسيس حزب الوحدة الذي تم الإعلان عنه في 20 تشرين الثاني 1990، ثم حصل الحزب على الترخيص الرسمي بتاريخ 9 شباط 1993. وينص البرنامج السياسي للحزب الذي وافقت عليه وزارة الداخلية آنذاك على أن «حزب الوحدة الشعبية امتداد حي خلاّق لكل ما هو نيّر وإيجابي وتقدمي في تجربة وتراث منظمة الجبهة الشعبية في الأردن». كل ذلك جرى بما يتناسب مع الدستور والقوانين الأردنية المعمول بها.

اليوم، باستجابتها -أو دفعها- للآراء المعترضة على إقامة التأبين، فإن الدولة تشارك بشكل مباشر في إعادة فتح ملف أحداث أيلول، في تناقض مع خطابها الذي يحرم ذلك، لتصبح مرة أخرى طرفًا في هذا الاصطفاف، بعد سنوات من محاولة الظهور بمظهر إصلاحي، رسميًا على الأقل. ورغم أنها لم تتوقف يومًا عن توظيف مختلف الانقسامات لضرب معارضيها أو لقمع خطابات معينة، باستخدام «أدوات» عديدة، إلا أن أحداث أيلول ظلت لفترة طويلة في خانة مختلفة لا يتم اللجوء إليها بسهولة.

هذه التطورات تضع الدولة أمام سؤال جدي حول مدى التزامها بالمصالحة التي سعت للتأكيد عليها طول العقود الثلاثة الأخيرة، خاصة في ظل عدم قانونية منع إقامة الفعالية، وعدم تقديم الجهات الأمنية لأسباب هذا المنع، متماهيةً بذلك مع الأصوات التي غزت مساحات التواصل الاجتماعي، صائحة بأن الشهيد «مجرم». وفي هذا التماهي إشارة إلى أن أحداث أيلول ليست تابوهًا بالكامل، بل هي كالكثير من الأحداث مادةً تستخدمها السلطة ضد معارضيها في الوقت وبالطريقة التي ترتأيها. فالمحرم والمثير للفتن هو جانب واحد من الرواية؛ الجانب الذي لا يناسب السلطة.

بالتأكيد، لا يمكن أن تكون سياسات الإسكات وإغلاق الملفات وفقدان الذاكرة أساسًا لتجاوز أحداث دامية أو صراعات أهلية. لكن عكس هذه السياسات لا يكون بانفعالات تحريضية تتناسى -أو تجهل- تاريخًا مليئًا بالتفاصيل لصالح سرديات سطحية، تختزل كل تعقيدات تلك المرحلة وصراعاتها المركّبة، وتساوي بين من يرسل الانتحاريين إلى الأعراس والمساجد، ومن يحرك العمليات العسكرية للجبهة خلال الانتفاضة الثانية، إنفاذًا لمقولته الشهيرة «عدنا لنقاوم، لا لنساوم» التي أطلقها عقب عودته إلى فلسطين عام 1999، بعد تسوية عارضها مبدئيًا.

أما ربط معارضة التأبين بمعارضة خط حزب الوحدة الشعبية فهو ربط متهالك. فعلى الرغم من أن الحزب يرى نفسه امتدادًا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلا أن الشهيد أبو علي مصطفى كغيره من المقاومين بات رمزًا يتجاوز الجبهة نفسها، والانخراط في هجمة ضده تسميه «قاتلًا مأجورًا» يتجاوز بمراحل الاختلافَ السياسي مع الحزب أو حتى مع الشهيد نفسه، ويدخل في إطار التحريض الهوياتي البحت، وهذا هو بالتحديد مكمن خطورة هجمة كهذه.

اليوم، بعد خمسة عقود على أحداث أيلول، فإن إعادة التفكير في هذا التاريخ ومراجعته والتعلم منه مسألة أساسية من أجل المضي قدمًا، لكن هذه المراجعة لا تستقيم إلا على قاعدة العداء لـ«إسرائيل» والدعم المبدئي للمقاومة ضدها، ومشروعية تطلعات الشعبين على ضفتي النهر نحو حياة كريمة واستقلال وطني. بانتفاء هذه القاعدة، فإن العودة إلى أحداث أيلول كمادة خام لخلق اصطفافات على هذه القضية أو تلك لن تعدو كونها تأجيجًا لحساسيات إقليمية يحسن النظام توظيفها لصالحه، لإضعاف أي إمكانات للعمل السياسي أكثر فأكثر.