رأي

الباقورة والغمر: ما زال العمل السياسي والصحفي ممكنًا

الأحد 21 تشرين الأول 2018
تصوير شاكر جرّار

اليوم، وقبل خمسة أيّام من الموعد النهائي الذي يمكن للأردن قبله إبلاغ الكيان الصهيوني عدم رغبته تجديد النظام الخاص الذي تخضع له أراضي الباقورة والغمر، أعلن الملك عبدالله الثاني «إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام»، وسلّمت وزارة الخارجية الأردنية نظيرتها «الإسرائيلية» مذكرتين بقرار إنهاء العمل بهذه الملاحق.

هذا القرار الذي لقي احتفاءً شعبيًا واسعًا أتى استجابة لضغط شعبي ونيابي وحزبي على مدار شهور، ترافق مع تغطية إعلامية مكثفة من عدد كبير من وسائل الإعلام المحلية وكتّاب الرأي.

لربما بدا هذا المطلب، بعدم تجديد النظام الخاص في أراضي الباقورة والغمر للكيان الصهيوني، مستحيلًا. ولهذا التصور أسبابه المنطقية نظرًا لسيطرة المنهج التطبيعي على كافة مناحي إدارة الدولة، واستمرار تجاهل المطالب الشعبية في قضايا مثل صفقة الغاز أو التحقيق في جريمة قتل القاضي رائد زعيتر أو حادثة السفارة، أو في معاهدة السلام مع الكيان عمومًا. هذا لا ينفصل عن شعور سائد في الأردن بأن الاحتجاجات الشعبية على الكثير من القرارات أو السياسات الرسمية تلاقى في أحسن الأحوال بعدم اكتراث أو بتعامل مفاده «احكوا اللي بدكم إياه وإحنا منعمل اللي بدنا إياه».

لهذا تأتي أهمية مثل هذا القرار اليوم بإنهاء النظام الخاص في الباقورة والغمر في أعقاب مطالبات واضحة ازداد زخمها في الأسابيع الأخيرة، ليذكّرنا بأهمية تفعيل إمكانات التأثير والتغيير المتوفّرة، وإن ضاقت، سعيًا لاستعادة مساحات العمل العام وتوسيعها.

يؤكد هذا القرار على أهمية عدم فقدان الثقة بقنوات العمل السياسي والمدني على كافة المستويات، وبإمكانيات العمل الصحفي البحثي الاستقصائي الذي يسائل السلطة، رغم صعوبات مثل هذا النوع من العمل في ظل ضعف البنية التحتية للاستقصاء، وتقزيم دور الصحافة إلى النقل التقني المفرغ من البحث المعمق، وتكتم السلطات على الكثير من المعلومات بوصفها «حساسة»، فضلًا عن التضييق الأمني على صحفيين ونشطاء وغيرهم.

عندما بدأت «حبر» بالبحث في قضية الباقورة والغمر وأم الرشراش العام الماضي، اصطدمنا بمجموعة من العوائق، أبرزها أن المعلومات المتاحة الموجودة متضاربة فيما يتعلق بمساحات الأراضي والسياق السياسي لاحتلالها ومدّة النظام الخاص المطبّق عليها والتسلسل التاريخي للقضية. ولهذا عدّة أسباب منها تكتّم الحكومة على الملاحق والخرائط والذيول الخاصة بمعاهدة وادي عربة – حيث صادق مجلس النواب الثاني عشر على المعاهدة دون الاطّلاع على هذه الوثائق – وقلة المصادر والمراجع التي تناولت القضية.

إن غياب المعلومات من المصادر الرسمية الأردنية اضّطرّنا إلى اللجوء لمصادر متعددة باللغة العربية والانجليزية والعبرية، والاعتماد على خرائط من المكتبة البريطانية والمركز الجغرافي الأردني ومصادر سلطات الاحتلال ومن ثم قياس المساحات ومقارنتها باستخدام برنامج «غوغل إيرث» من أجل التوصل إلى تفاصيل المساحة التي تم منحها لروتنبرغ في عقد الامتياز، والمساحة التي تم احتلالها، ومن ثم المساحة التي تم استعادتها بعد وادي عربة، والـ830 دونمًا التي مُنحت «إسرائيل» حق التصرف فيها في الباقورة، والـ4000 دونم الخاضعة للنظام الخاص في الغمر. كما لجأنا إلى محاضر جلسات المجلس التشريعي الأول عام 1929 ومجلس النوّاب الثاني عام 1950 للتحقق من التفاصيل المتعلقة بالباقورة.

وعندما أثير سؤال ملكية الأراضي في الباقورة، توجهنا إلى جهات رسمية للسؤال عن عقود البيع وعقود ملكية الأرض، لكننا لم نحصل على رد. وللآن لم تقدم أي جهة رسمية وثائق توضح ملكية هذه الأراضي.

هذا التكتم على المعلومات لا ينفصل عن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع القضية منذ إثارتها وتفاعل عدد من النوّاب معها بتوجيه أسئلة للحكومة جاءت ردودها عليها مقتضبة ومبهمة ولا تقدم المعلومات التي طلبها النواب. وهو تكتّم منسجم مع تعامل السلطة مع الرأي العام والصحافة – تحديدًا في القضايا السياسية – من منطلق وصائي وانفراد بتعريف «المصلحة الوطنية» وبتقرير الطريق الأنسب لتحقيق هذه المصلحة.

بعد إبلاغ الأردن «إسرائيل» برغبته إنهاء العمل بالملاحق، سيدخل «الطرفان» في الأشهر القادمة في مفاوضات، وفي حال لم يتوصّلا لاتفاق، يتم اللجوء إلى هيئة تحكيم دولية، بحسب بنود الاتفاقية. ولهذا، ينبغي أن يكون هناك شفافية تامّة من قبل الحكومة فيما يتعلّق بالمفاوضات خلال الفترة القادمة، وبإتاحة المعلومات للإعلام وللمواطنين ولممثليهم المنتخبين في مجلس النواب. كما ينبغي علينا نحن كمؤسسات صحفية أن نستمر في تغطية القضية وتبعاتها والإصرار على حق الحصول على كل ما يتعلّق بها من تفاصيل.

اليوم، لنا كأردنيين وأردنيات أن نحتفل بهذا الإنجاز الشعبي، وأن نعزز ثقتنا بقدرتنا على التأثير على القرار السياسي.