رأي

مظاهرات البصرة: مقامرة بالدم على حكم العراق

الأحد 30 أيلول 2018
متظاهرون عراقيون أمام محافظة البصرة. المصدر eba

شكلت أحداث البصرة الأخيرة بارقة أمل بأن يُغيّر النظام السياسي في العراق من أدائه ويشرع بجدية أكبر بعملية إصلاح تتجاوز عقلية المحاصصة والاستحواذ التي طغت عليه وتسببت بمشكلات تفاقمت مع انسداد الأفق منذ 2003. فقد جاءت «انتفاضة» البصرة 2018 كمحرك غاضب ألهم بقية أنحاء البلاد للتعبير عن رفض استمرار الفساد وتفكك النظام السياسي، لكن سُرعان ما استغل «النظام» الغضب الشعبي وحوّله إلى «مقامرة» تخضع لفرضية الاستقطاب بين طهران وواشنطن وحلفائهما. وفي اللحظة التي ظن العراقيون أن البصرة استطاعت تغيير المعادلة، تبين أن التفافًا خطيرًا حوّل «الانتفاضة» إلى ورقة لترسيخ الهيّمنة بشكل أكبر، وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفقًا للمزاج الإيراني.

تاريخ الإهمال والمظلومية

تعاني البصرة، وهي المدينة التي تدر على خزينة البلاد نحو 80% من الموارد المالية، سواءً من إنتاج وتصدير النفط بنحو 3.23 مليون برميل يوميًا من أصل 4.6 مليون برميل يوميًا، أو من موارد الموانئ التجارية والمنفذين الحدوديين مع الكويت وإيران، من إهمال ممنهج وسوء إدارة مع تمثيل سياسي ضعيف على مستوى صنع القرار السيادي. فرغم تمثيلها في البرلمان بـ25 نائبًا، ووزيرين بقطاع النقل والنفط، إلا إنها تظل منسية في الكثير من خطط التنمية وتنشيط الاقتصاد والقضاء على الفقر والبطالة وتفشي الاقتتال العشائري،  إلى جانب الانهيار البيئي والخدمي والصحي وانتشار السرطانات وشيوع تعاطي المخدرات، واستنزاف مواردها البشرية عبر تجنيدهم في الجماعات المسلحة «الحشد الشعبي» أو الأجهزة الرسمية كالجيش والشرطة.

ولطالما دفعت الضغوط التي تقاسيها البصرة أهاليها إلى صفوف المعارضة. فالمدينة التي تقع في أقصى جنوب العراق (550 كلم عن بغداد) تشعر أنها مجرد أرض تستنزف مواردها، دون مردود تنموي.

عام 1921، وعقب مقررات مؤتمر سان ريمو بإعادة تقسيم المنطقة انطلاقًا من اتفاق سايكس – بيكو، نُزع تاج حكم سورية كمملكة من فيصل الأول ووضعت تحت «الانتداب» الفرنسي، فيما كان العراق خاضعًا لـ«الانتداب» البريطاني. ومن باب التسوية، قررت السلطات البريطانية إعلان العراق مملكة هاشمية يعتلي عرشها فيصل الأول، الذي قدم إلى حكم العراق عبر البحر، ونزل في موانئ البصرة الذي كانت ترفض الولاية الهاشمية.

كان أعيان البصرة والوجهاء والمشايخ البارزون يطمحون إلى انفصال المدينة عن العراق وإعلانها دولة أو مملكة، أو أن تختار بريطانيا ملكًا عراقيًا من عائلات المدينة، لكن الرد البريطاني لهذا التمرد المبكر جاء بقمع تلك الطموحات عسكريًا بقصف منازل الأعيان المعترضين ونفيهم.

وحين تسلّم فيصل الأول العرش، وبات يشرع ببناء القدرات العسكرية للمملكة الوليدة، تمرد البصريون مجددًا احتجاجًا على قانون التجنيد الإلزامي، وحينها كانت القوة الجوية العراقية تتشكل تحت الإمرة البريطانية في 22 نيسان 1931. فشنت القوة الجوية بعد نحو ثلاثة أشهر فقط هجومها الأول لإخماد تمرد عشائر شمال البصرة المعترضة على التجنيد الإلزامي في 17 تموز 1931، فقصفت قرى الرحمانية الواقعة الآن ضمن الحدود الإدارية لقضاء «المْدَّيّنة»، وهي المنطقة ذاتها التي سقط فيها أوائل القتلى في احتجاجات البصرة في العامين 2015 و2018.

تطفو البصرة على بحر هائل من النفط يقدر كاحتياطي مثبت بـ65 مليار برميل، يشكل نحو 52% من الاحتياطي النفطي العراقي، بينما تشير المسوحات الجيولوجية للشركات النفطية التي تعمل الآن في المدينة إلى أن الاحتياطي سيرتفع إلى 80 مليار برميل مستقبلًا مع اكتشاف مكامن جديدة.

ورغم الغنى الهائل للمدينة التي يسكنها نحو ثلاثة ملايين نسمة، يعيش نحو 50% منهم تحت خط الفقر، بحسب مجلس إدارة المدينة. لكن الأنظمة السياسية المتعاقبة تنظر إلى الثروة البشرية المهملة على أنها خزّان نموذجي في الصراعات العسكرية أو المسلحة.

فخلال الحرب العراقية – الإيرانية، كانت البصرة مسرحًا مفتوحًا لحرب دامية وشرسة، ومرارًا حاول الإيرانيون احتلالها تمهيدًا لعزلها وإنهاء الحرب وإسقاط النظام في العراق. ونتيجةً للصراع دُمّرت المدينة وتغيّرت معالمها وميزاتها الزراعية والاجتماعية ونظامها البيئي الدقيق. فخسرت المدينة نحو 30 مليون نخلة لم يتبق منها الآن سوى ثلاثة ملايين فقط تعاني من الأمراض وشح المياه والتلوث والتجريف من الشركات النفطية الطامعة بالاستحواذ على مزيد من الأراضي لتوسعة الرقع الاستكشافية والاستخراجية.

ومنذ العام 1989، كانت عمليات التنمية والإعمار في البصرة محدودة للغاية، ومقتصرة على أحياء وبلدات محددة، والهدف كان سياسيًا لاعتبارات العداء مع إيران. أما الآن، فإن المدينة التي كانت محجًا للخليجيين للترويح والاستجمام، باتت مكبًا هائلًا للنفايات وعشرات الأطنان من السخام الأسود يغطي سماء المدينة فيما درجات الحرارة تتجاوز 60 مئوية مع تصحر يبلع المدينة ويحاصرها إلى جرف شط العرب الراكد الذي بات بحيرة شديدة السُمية. فمنذ منتصف تموز 2018 حتى قرابة منتصف أيلول، سجلت السلطات الصحية نحو 80 ألف إصابة تسمم بالمياه المالحة الملوثة، بمعدل 1000 إصابة يوميًا. فضلًا عن الإصابات السرطانية المتفاقمة منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، والتي كانت البصرة بوابة ومسرحًا مؤلمًا لها.

عقب الهزيمة المتوقعة في حرب الخليج 1991، كانت البصرة بوابة الانتفاضة على نظام صدام حسين؛ تلك الانتفاضة تشبه إلى حد كبير انتفاضة البصرة 2018، لجهة الاستياء من الأوضاع المتردية في المدينة والمستقبل الغامض.

الظروف الكئيبة ذاتها تحيط بالبصرة الآن. وحينما خرج البصريون وهم غاضبون، كانوا يسعون لتحقيق مطالب خدمية أساسية. لكن الصراع السياسي والاستقطاب الإقليمي حوّل ذلك الغضب إلى لعبة مقامرة راح ضحيتها البصريون أيضًا.

احتواء بالحرق

عاشت البصرة أعوامًا رهيبة بعد العام 2003، فالاحتلال البريطاني حوّل المدينة إلى ثكنة عسكرية وساحة مواجهة وتصفية حسابات واسعة. منذ 2003 وحتى 2009 حين انسحب البريطانيون، ذابت المدينة في سائل حارق، واختفت ملامحها المدنية الشهيرة. فالبصرة كان موطنًا ثقافيًا وموسيقيًا واجتماعيًا، لكن بدأ اضمحلالها بدءًا من ثوران مدافع الحرب مع إيران (1980) وهزيمة الخليج الثانية (1991) والحصار الاقتصادي المريع حتى 2003، وما تلاه من صراع مرير بين البريطانيين والجماعات والفصائل المسلحة، إما المدعومة من إيران أو تلك التي تغوّلت لتستحوذ على المدينة. وطيلة 15 عامًا، كانت الموارد تُستنزف والخدمات تنهار وشبكة الفساد تتسع.

في 2010 وعقب انسحاب البريطانيين، اندلعت في المدينة أول احتجاجات شعبية ضد انهيار الخدمات وغياب الكهرباء شبه التام، ولا سيما في موسم الصيف اللاهب، وسقط في تلك الاحتجاجات أول قتيلٍ في البصرة والبلاد مطالبًا بحقوق أساسية فشل بتأمينها النظام الجديد. ومذ ذاك العام، كانت البصرة تغلي مع اكتظاظ السُكان والضغط الهائل على منظومة الخدمات والبُنى التحتية المتهالكة. وفي حزيران 2015 اندلعت احتجاجات أعنف، سقط ضحيتها شاب يافع في البلدة التي قصفها الملك فيصل العام 1933. وبات اليافع منتظر الحلفي (17 عامًا) رمزًا للاحتجاج في أنحاء البلاد. لكن الأوضاع كانت تزداد سوءًا، ومن البلدة نفسها وأمام بوابة حقل نفطي عملاق (الرميلة الشمالية) اندلعت الاحتجاجات الدامية في عموم البلاد، بعد مقتل سعد المنصوري (26 عامًا – متزوج وله ثلاثة أطفال) في تموز 2018.

أشعلت دماء المنصوري الاحتجاجات في ست محافظات جنوب العراق، سقط فيها 20 محتجًا ومئات الجرحى. أما في البصرة وحدها، فبدءًا من مقتل المنصوري حتى منتصف أيلول، سقط 30 قتيلًا ومئات الجرحى، واعتقل العشرات أو اختُطفوا.

هذا الغليان الشعبي كان يقوده شُبان صغار متحمسون لتغيير واقعهم المزري. وإزاء هذا الحماس، كانت القوى المضادة من أحزاب فاسدة وميليشيات إجرامية إلى جانب طهران وواشنطن، تغذي الاحتقان وتنتظر الفتيل الذي سيشعل بارود البصرة.

المطالب الخدمية، والاستياء البالغ من الفشل الحكومي، ورفض تحكّم الميليشيات والهيمنة الإيرانية، وانهيار الخدمات، وارتفاع البطالة، وتسمم المياه والملوحة، كلها أشعلت الاحتجاجات على نحو دراماتيكي، اختلطت فيه أوراق الأطراف كلها، ولعب فيه التخادم المباشر وغير المباشر دورًا في تضبيب الصورة.

تعطيش البصرة وتسميمها

تعاني البصرة من مشكلة ملوحة مياه قديمة. لكنها الآن وصلت إلى مرحلة مخيفة للغاية لعوامل ساهم فيها فشل النظام السياسي ومنظومة سرقة الأموال العامة وسياسات إيران المجاورة للبصرة. فقد قطعت إيران في السنوات العشر الأخيرة نحو 35 رافدًا رئيسيًا كانت تمر في العراق، فخسر 80 في المئة من مصدر المياه. إيران غيّرت، وبخطوة أحادية، مسار أهم رافدين هما «الوند» و«الكارون»، ما أضرّ كثيرًا بالمساحات الزراعية الواسعة في البصرة وواسط (جنوب شرق) وديالى (شمال شرق). وفي العام 2011، أقرت الحكومة الإيرانية مشروعًا لبناء 152 سدًا، بعضها للتحكم و«استنقاذ» المياه الداخلة إلى العراق.

قطعت إيران على مراحل نهري الكارون الذي يصب مباشرة في شط العرب في البصرة، والكرّخة الذي يصب في الأهوار المشتركة بين العمارة الناصرية والبصرة ويحافظ على منسوب المياه العذبة. وأقامت على نهر الكارون وحده 15 سدًا وناظمًا للسيطرة حتى العام 2009. وفي العام 2013، محت السلطات الإيرانية نهر الكارون من الوجود بتجفيف المجرى المتجه إلى البصرة، بعد أن كان يدفع بـ14 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويًا في شط العرب. إذ حوّلت طهران نهر الكارون لتغذية نهر «زاينده رود» في أصفهان بعد أن قلت مناسيبه. أما نهر الكرخة الذي يصب في هور الحويزة العراقي، فشُيّدَ عليه أكبر سد في إيران بسعة تخزين تبلغ 5.9 مليار متر مكعب وقدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 520 ميغاواط، فابتلع المياه كلها.

لم تكتف إيران يحجب المياه الحلوة، فاستخدمت الروافد الجافة لدفع مياه البزل المالحة باتجاه الأراضي العراقية. حتى أن تلك المياه الضارة غمرت جزءًا كبيرًا من الشريط الحدودي بين العراق وإيران عند البصرة، بما فيها مخافر حدودية، ما اضطر سكانه إلى الانكفاء إلى العمق العراقي هربًا من الأذى ومن فيضان محتمل. وفي نوفمبر 2017، بلغت مستويات مياه البزل المالحة القادمة من إيران منسوبًا مرتفعًا غير مسبوق ما هدد بانهيار السدة الترابية البدائية (وهي من مخلفات سدود الحرب العراقية – الإيرانية). وهدد السيل المالح بغزو البصرة التي تعاني أصلًا من الملوحة والتصحر وتقلص الأراضي الزراعية والتلوث النفطي وزيادة السرطانات.

وبحسب فحوصات دائرة المياه في البصرة، فإن نسبة الملوحة بلغت 8000 جزء لكل مليون لتر بمنطقة سيحان الشهيرة بالبساتين والنخيل سابقًا، فيما النسبة بمركز البصرة 3000 جزء. وفي كلتا الحالتين، تتجاوز النسبة المعدل الطبيعي بكثير، وتهدد بتسمم مميت. فيما تقول مديرية زراعة البصرة إن المد الملحي الإيراني ألحق أضرارًا كبيرة بالمناطق قرب شط العرب بعمق 100 كلم. ويؤكد مدير ماء البصرة أن التركيز الملحي زاد بشكل مخيف بدءًا من يوليو 2017.

في حزيران الماضي، قطعت إيران خط الكهرباء الذي يغذي البصرة لقاء أموال ضخمة، بحجة أن مديونية العراق أصبحت مرتفعة وعليه تسديدها. قطع الخط أغرق المدينة بالظلام وحوّلها إلى جهنم بالتزامن مع بدء موسم الصيف، وشكل بالنسبة للأهالي خطوة شديدة الاستفزاز.

ولعل إيران أرادت أن تناكف الولايات المتحدة التي بدأت تطبق عقوبات ضدها وتمنعها من تصدير النفط عبر الخليج. إذ تخيّلت طهران أن الضغط على الأهالي عبر قطع الكهرباء وزيادة تدفق التراكيز الملحية القادمة من أراضيها سيجعل البصريين ينتفضون ضد رئيس الوزراء حيدر العبادي، حليف واشنطن، فتسهم في منعه من تولي رئاسة جديدة للحكومة، وتثبت لواشنطن قدرتها الذكية على المناورة. لكن الأمر انقلب إلى لعبة كارثية، جعلت من السكان يصبّون نار حقدهم على طهران، حين أقدموا على حرق جميع مكاتب ومقار الأحزاب والميليشيات المرتبطة بها، واقتحموا رمز السيادة الإيرانية (القنصلية العامة في البصرة) وأنزلوا العلم وأحرقوه قبل أن يحرقوا مبنى القنصلية بالكامل، وهم يرددون «إيران.. بره بره.. والبصرة تبقى حرة».

هذه الفورة التي بدت وكأنها انتصار للشباب والأهالي المحرومين، انقلبت سريعًا إلى بسط هيمنة أكبر. فنشرت قوات الحشد الشعبي بعد تلك الليلة الرهيبة آلافًا من عناصرها في عموم المدينة، وأعلنت تشكيل عشرة ألوية من المتطوعين أطلقت عليهم «قوات التعبئة الشعبية»، على غرار «قوات البسيج – سازمان بسیج مستضعفین»، الإيرانية المساندة للحرس الثوري. مهام هذه القوات، التي بدأت بالتشكل بصمت منذ أوائل العام 2018 وفقًا للمعلومات، تشمل التدخل لفض أية احتجاجات مستقبلية، والأهم اختراقها قبل أن تندلع. ويرجح أن نوفر تلك القوات الجديدة مساحة مناورة لزيادة الهيمنة على البصرة، في تجربة قد تعمم على جميع المحافظات العراقية.

ما حصل في البصرة، كانت لعبة مقامرة كان الأهالي المحرومون ضحيتها. فواشنطن التي أرادت كسر هيبة إيران في العراق عبر البصرة، ضيّعت فرصتها مجددًا، وأثبتت طهران أنها الاقوى على الأرض، بينما ظل الأميركيون يناطحون طواحين الهواء. حيّدت طهران مرشح واشنطن لرئاسة الوزراء، حيدر العبادي، واستتبعت كل ذلك بإجراءات هُيئت مسبقًا. ومع انتخاب رئيس البرلمان الجديد المقرّب من طهران وقوى الحشد الشعبي، سليم الجبوري، وانفراط جبهة مقتدى الصدر – العبادي تمامًا، بات الطريق سالكًا لتشكل قوى إيران الحكومة في العراق، انطلاقًا من المقامرة الدامية التي دفعت ثمنها البصرة.