عن التنظيم المجتمعي، أو كيف أصبحت «غاز العدو احتلال» قضية رأي عام

الإثنين 14 كانون الأول 2015

 بقلم نسرين الحاج أحمد

في أيلول ٢٠١٤ برز في الأردن موضوع شراء الغاز من الكيان الصهيوني وربما لشهر أو شهرين لم يأخذ الموضوع في الرأي العام حيزًا يذكر، ولم يكن هناك رأي شعبي واضح تجاه القضية، علمًا أنه يخص كل أردني يدفع فواتير الكهرباء لأن هذه الفواتير سوف تجد طريقها ثمنًا لهذا الغاز. وفي الأشهر اللاحقة تحول الموضوع إلى قضية رأي عام يعلم بها أغلب المواطنين. ولم يأت هذا التحول بشكل تلقائي، بل أتى نتيجة جهود وعمل منظم من جهات مختلفة.

أسلّط الضوء في هذا المقال على بعض ما قامت به حركة «الأردن تُقاطع» و«اللجنة التنسيقية» و«الحملة الوطنية لمناهضة اتفاقية شراء الغاز المسروق من الكيان الصهيوني» لتجعل من القضية محط نقاش وقضية رأي عام. والهدف من هذا العرض أن نتأمل التجربة واستخلاص العبر والدروس، وذلك خدمةً لحملات أخرى بحاجة أيضًا إلى أن تجعل من قضيتها قضية رأي عام لتعزيز التفاعل والأثر. وتاليًا أذكر العوامل التي ساهمت في جعل القضية قضية رأي عام، والتي توزعت ما بين عوامل ناتجة عن العمل المنظم للجهات المناهضة للاتفاقية، وعوامل ناتجة عن تصرفات الجهات الرسمية المعنية بإتمام الصفقة.

القضية قضية شخصية

لكي تصبح قضية ما قضية يجب أن تعرض مع توضيح الارتباط الشخصي، بحيث تصبح القضية العامة قضية شخصية لكل واحدٍ من الجمهور المخاطب. وقد استُعمِلت هذه المداخل لتحويل قضية الغاز إلى قضية شخصية للمواطن الأردني، عن طريق التذكير بأن:

أ- ربط الأردن بالكيان الصهيوني في مجال الطاقة يشكل تهديدًا على أمن الأردن في الوقت الذي يزداد فيه التطرف والإرهاب في منطقتنا.
ب- كل أردني يدفع فاتورة كهرباء سوف تحوّل أمواله للكيان الصهيوني وسوف يجبر على تمويل الجيش الصهيوني والاستيطان والاحتلال.
ج- هذه أكبر صفقة اقتصادية تطبيعية مع العدو منذ توقيع إتفاقية وادي عربة في الوقت الذي يواصل فيه العدو عدوانه على الأراضي العربية.
د- الغاز «الإسرائيلي» غاز مسروق مستخرج من شواطئ فلسطين المسروقة أصلًا.
ه- صفقة الغاز ستصب في مصلحة العدو وستخدم مصالحه التوسعية والاقتصادية.

توضيح كيفية مساس القضية بكل مواطن، وليس فقط بفئة محدودة من المجتمع، هو الذي سيجعلها قضية رأي عام أو قضية تستحق ذلك. ولهذا كان خروج مجموعة شباب بعبارة «غاز العدو احتلال» في غاية الأهمية لأنها لخصت الموضوع للشعب الأردني بشكل مبدع، وكذلك كان الأمر بالنسبة لعبارة «ادعم نتنياهو».

العريضة الشعبية

أعلنت مجموعة «الأردن تقاطع» عن موقفها المناهض للصفقة بعد يومين من خبر توقيع رسالة النوايا بين شركة الكهرباء الوطنية والشركات الإسرائيلية الأمريكية، وبعد ذلك بأسبوع أطلقت عريضة شعبية رافضة لإتمام الصفقة في الوقت الذي كان الموضوع يتداول في أطر ضيقة مع تغطية إعلامية قليلة. ورغم شكوك العديد بأن تكون العريضة أداة ضغط فعلية على الحكومة، دون أن تحظى بملايين التوقيعات، أصبحت العريضة أسلوبًا لفتح الحوار مع مجموعات ومؤسسات مجتمعية، وأناس في الشارع، وضمن فعاليات ثقافية وسياسية ذات علاقة. وقد واجهت العريضة العديد من الصعوبات، من بينها استجواب الأجهزة الأمنية لبعض الأشخاص الذين كانوا يجمعون التواقيع. كما كان خوف البعض من التوقيع عائقًا آخر، إضافة إلى رفض البعض التوقيع نتيجة حالة الإحباط السياسي العامة.

توضيح كيفية مساس القضية بكل مواطن وليس فقط بفئة محدودة من المجتمع هو الذي سيجعلها قضية رأي عام

ما ميّز العريضة هو أنها كانت موجهة إلى رئيس الوزراء من المواطن الأردني، وبالتالي رافقها شعور بالملكية الجماعية للعريضة. ومع الأيام شاركت شخصيات ومجموعات مختلفة مع الحملة في جمع التواقيع. وتم كذلك نشر العريضة للتوقيع الإلكتروني والإعلام الاجتماعي الذي ساهم في إيصال القضية إلى أردنيين في الخارج. وبالمحصلة كانت العريضة وسيلة للتثقيف وبث المعلومات وحث الناس على أخذ موقف، تحديدًا حين كان جمع التواقيع ميدانيًا وفي مدن أردنية مختلفة.

الشخصيات المؤثرة بالرأي العام

تزامنًا مع جمع التواقيع على العريضة قامت «الأردن تُقاطع» بتصوير مجموعة من الشخصيات التي يمكن اعتبارها قادة للرأي العام للتعبير عن موقفهم الرافض للصفقة ولعرض أسباب الرفض. وقامت ببث ذلك عبر العديد من المواقع. وكانت الصعوبة في الاتفاق مع مجموعة من الشخصيات ذات الخلفية الفكرية المختلفة.

كان لهذه الفيديوهات أكثر من فائدة، من بينها تنظيم الصوت المعارض وجمعه في مكان واحد، كدليل داحض للادعاء القائل أن معارضي الصفقة أقلية أو ينتمون لجهة واحدة. والفائدة الثانية كانت في الوصول إلى جمهور أوسع من خلال الشخصيات ومتابعيهم على صفحاتهم الاجتماعية وبالتالي توسيع شبكة الاهتمام.

الشارع

بالإضافة لجمع التواقيع ميدانيًا، كانت هنالك بعض التحركات الخلّاقة على الأرض والتي جلبت الاهتمام. فمن أول التحركات كان دخول مجموعة من الشباب والشابات إلى مبنى شركة الكهرباء الوطنية، ومكوثهم في قاعة الاستقبال إلى حين مقابلة رئيس الشركة ومواجهته بسؤال عن الصفقة المرتقبة والاحتجاج على توقيعها. في حينها نفى أن الغاز سيأتي من إسرائيل، بل وأصر أن شركة الكهرباء ستتعاقد مع شركة أمريكية. وتم تغطية تحرك الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي مستخدمين إجابته لاستفزاز الرأي العام.

تلا ذلك التحرك نزول مجموعة من الحراك الشبابي الأردني إلى الشارع لتوزيع المنشورات، وارتداء بعض الشباب والصبايا للشعار ذاته ولشعار «غاز العدو احتلال» في ماراثون عمان، مما أثار أيضًا بعض الاستفزاز على مواقع التواصل الاجتماعي. لتتبعها العديد من الوقفات أمام رئاسة الوزراء ومجلس النواب وأماكن أخرى.

مجلس النواب

في مطلع تشرين الأول 2014 أطلقت «الأردن تُقاطع» حملة اتصال شعبية مع النواب لحثهم على اتخاذ موقف من الصفقة، وأقامت ورشة اتصال التقى فيها الناشطون على مدار أسبوع. وتمت دعوة المواطنين عبر الإعلام الاجتماعي للاتصال مع النواب. وساهمت دعوة التحرك هذه في نشر القضية وكانت بمثابة تكتيك سهل، يمكن أن يقوم به أي شخص من مكانه دون مجازفة أو استثمار كبير. وكانت «الأردن تقاطع» تعلن في نهاية كل يوم أسماء النواب الرافضين للاتفاقية، والذين بلغ عددهم 76 نائبًا.

بعدها تواصلت «الأردن تُقاطع» مع النائب نجاح العزة لتقود مذكرة نيابية مطالبة بعقد جلسة نقاش عامة بوجود رئيس الوزراء حول اتفاقية الغاز. وبالفعل حصلت المذكرة النيابية على 76 توقيع وأصبحت بمثابة تصويت نيابي معترض على الاتفاق. وتحددت جلسة النقاش العام لتاريخ 2014/12/14 وحينها أصبح الإعلام التقليديّ أكثر اهتمامًا. وقام النشطاء بدعوة المواطنين لحضور الجلسة النيابية مقتنعين أن وجود جمهور في شرفات المجلس سيساهم في رفع أداء النواب. وبالفعل بدأت الجلسة بوجود رئيس الوزراء واستمرت ليومين تحدث فيها أكثر من مئة نائب كان تسعون منهم ضد الاتفاقية. وفي نهاية الأمر خرج مجلس النواب بتوصية بالأغلبية بعدم إتمام الصفقة.

القوى الوطنية وقواعدها الشعبية

لم تتحرك الأحزاب والنقابات في البداية لدعم الحملة بشكل كافٍ، وحصل التغيير الجدي بعد الوصول لتوصية النواب بالأغلبية، حيث باشرت بعض الأحزاب بتنظيم مسيرات واعتصامات بقيادتها، وأصدرت نقابتا المحامين والمهندسين بيانًا لأعضائهما يمنع التعامل مع الشركات الصهيونية والأمريكية المرتبطة بملف الغاز المسروق. وبعد ذلك، وفي الأول من كانون ثاني 2015 نظمت اللجنة التنسيقية بالتعاون مع النواب والنقابات لقاءً يهدف لتنسيق الجهود والخروج بتحرك موحد بشراكة الجميع لمناهضة شراء الغاز، ودعت له كل الأحزاب والنقابات ومجموعة نواب، وتم الاتفاق على تحرك موحد وهو مسيرة رفض شعبية. وكان هذا المنتدى الوطني الذي أنشأ «الحملة الوطنية لمناهضة الغاز» والتي انضمت لها «الأردن تقاطع» وغيرها من أعضاء اللجنة التنسيقية. ونجحت الحملة بترتيب سلسلة فعاليات لإثارة الرأي العام بما في ذلك مسيرة الرفض الوطنية بتاريخ 2015/3/6 ولاحقًا المحاكمة الشعبية بتاريخ 2015/9/5.

الإعلام التقليدي

لم تغطِّ أغلب منابر الإعلام التقليدي قضية شراء الغاز من الكيان الصهيوني كما يجب، إلّا أن هذا التعميم تستثنى منه صحيفة الغد وقناة رؤيا وإذاعة حياة وراديو البلد، والتي سعت لتغطية اتفاق شراء الغاز وأخذ دور الصحافة الباحثة عن المعلومات غير منتظرة استلام الاخبار.

جريدة الغد، على سبيل المثال، نظمت في 2015/10/17 ندوة مع ممثلين لوزارة الطاقة كمحاولة لمعرفة الحقائق حول الصفقة، من ثم طرحت القضية بلقاء دائري يضم خبراء لديهم وجهات نظر مختلفة تم لاحقًا تغطيته بالتفصيل. وقامت الغد كذلك بتغطية كل التحركات التي قام بها النشطاء ضد الصفقة، كما قامت الصحيفة بترجمة مجريات التنازع حول الامتياز لحقل الغاز في داخل الكيان الصهيوني.

تأجيج الرأي العام بحذ ذاته ليس استراتيجية كافية لإحداث التغيير. وعليه يجب بناء برنامج عمل يستثمر طاقات الناس بطريقة مسؤولة

وكذلك الأمر بالنسبة لقناة رؤيا التي خصصت حلقة من برنامجها الحواري «نبض البلد» حول القضية بداية، وقبيل جلسة النقاش العام في مجلس النواب تم تخصيص حلقة أخرى لقضية الغاز. وبعد جلسة البرلمان، استضافت المحطة عددًا من النواب وخصصت المزيد من المساحة للقضية.

وسائل التواصل الاجتماعي

استُخدم الإعلام الاجتماعي بمختلف شبكاته لدعوة المواطنين للتحرك وجمع التواقيع الإلكترونية على العريضة، ولتغطية الفعاليات، وللإعلان عن مواقف جهات أو شخصيات مناهضة للصفقة، وتنظيمها بشكل يوحي بوحدتهم وثقلهم. وتكمن أهمية الاعلام الاجتماعي بتمكينه من الوصول إلى جمهور جديد عبر صفحات الشخصيات المؤثرة وغيرها. ومن خلال التجربة والأرقام التي توافرت لدينا، تبيّن أن الانتشار عبر الإعلام الاجتماعي يكمن في المرئيات المستفزة أو ذات الفكاهة، والتي تجد رواجًا ومشاركة أكبر من أي شيء آخر.

الجهات الرسمية

ساهمت كذلك في دعم الحملة، أفعال وأقوال الحكومتين؛ الصهيونية والأمريكية. حيث استفزت تصريحاتهم المواطنين وأعطت القضية زخمًا استغلته الحراكات القائمة داعية إلى المزيد من التفاعل، ومن هذه السلوكيات قيام جنود الاحتلال الإسرائيليين بقتل الوزير زياد أبو عين، وتعدي الاحتلال على المسجد الأقصى.

كذلك الأمر بالنسبة للحكومة الأردنية التي ساهمت، عن طريق سلوكياتها، بجعل القضية قضية رأي عام. فتضليلها للرأي العام وكشف الناشطين لذلك، جعل القضية تستدعي الاهتمام والترقب. ففي البداية صرحت الحكومة عبر شركة الكهرباء أن الغاز ليس من «إسرائيل» بل من شركة أمريكية، وكشْف هذا التضليل جلب المزيد من الاهتمام من الناس، وكذلك الأمر بالنسبة لعدم مصارحة الحكومة للناس حول الخيارات الأخرى الموجودة للطاقة من مشاريع الطاقة الشمسية، والصخر الزيتي، وميناء الغاز المسال في العقبة وغيرها، وهي خيارات طالما تحدثت عنها الحكومة دون أن يتمخض عن الحديث نتيجة فعلية، وكذلك تهديدها برفع أسعار الكهرباء إن لم تقم باستيراد الغاز من «إسرائيل».

هذه كانت بعض الأساليب والتكتيكات التي استعملتها الجهات التي عملت على تحويل قضية شراء الغاز من «إسرائيل» قضية رأي عام، وربما كان باستطاعتنا نقل بعض من هذه الدروس التي تعلمناها كنشطاء لحملات أخرى، كما أنه من القواعد التي ليس من الممكن التغافل عنها، أهمية أن يكون لدى النشطاء والقائمين على تحريك الرأي العام برنامج تحرك مُنظم؛ فيه تسلسل فعاليات ضاغطة وتعاونية خدمة لاستراتيجية محددة للوصول للهدف. إذ أن تأجيج الرأي العام بحد ذاته ليس استراتيجية كافية لإحداث التغيير.