«رأس المال في القرن الحادي والعشرين»: فجوة اللامساواة المتعاظمة

«رأس المال في القرن الحادي والعشرين»: فجوة اللامساواة المتعاظمة

الثلاثاء 18 تشرين الأول 2016

سأحاول في هذا المقال أن أعرض، قدر الإمكان، لكتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، للاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي. كما سأحاول أن أعرض للاختلافات بين رأس مال بيكيتي و«رأس مال» كارل ماركس. سبب ذلك هو إحساس البعض، خاصة من لم يقرأ مؤلف بيكيتي، بأن هذا الكتاب جاء استكمالًا لجهود ماركس في تحليل الرأسمالية، سيما وأن الكتاب يحمل نفس العنوان.

لاقى كتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» منذ نشر أول مرة باللغة الفرنسية عام 2013، ولاحقًا بعد ترجمته إلى الإنجليزية عام 2014 اهتمامًا شديدًا، خاصة في الأوساط الأكاديمية.

لكن الكتاب الذي ترجم إلى العربية عام 2016، من قبل المصرييْن وائل جمال وسلمى حسين، لم يحظَ عربيًا باهتمام كافٍ، رغم جدية أطروحات بيكيتي وراهنيّتها.

يعود الاهتمام بكتاب بيكيتي إلى عدة أسباب، منها أنه جاء ليغطي النقص في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في مجال الطبقات الاجتماعية والتحليل الطبقي، وتوزيع الثروة وتمركزها واللامساواة الطبقية. ففي ظل سيطرة النيوليبرالية، ليس على اقتصاديات أغلب دول العالم وحسب، وإنما على المشهد الأكاديمي أيضًا، غابت هذه الدراسات طويلًا، وكأن المجتمعات قد انتهت من الطبقات والتفاوت الطبقي.

إلى جانب ذلك، فالكتاب يظهر أن تمركز الثروة واللامساواة، أو قوى التباعد، تزيد أكثر خلال فترات الركود الاقتصادي، مشددًا على العامل السياسي، الانحياز لصالح الأغنياء، في زيادة هذا التوجه: «لقد كان تاريخ توزيع الثروة دائمًا سياسيًا في العمق، ولا يمكن اختصاره في الآليات الاقتصادية المحضة»(1). وهذا السبب يعنينا في الأردن، كما يعني غيرنا بالطبع، إذ أن الكتاب وصل إلى مكتباتنا في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمة عميقة ومن طبقة سياسية جعلت من الفساد عملة البلد الثانية بعد الدينار، أي باختصار «إجى بوقته».

يبدأ بيكيتي الكتاب بتوضيح فكرته الرئيسية الناظمة لكل العمل: تتبع تطور توزيع الثروة منذ القرن الثامن عشر وحتى القرن الحادي والعشرين.

في الصفحة الأولى، يضع بيكيتي خمسة أسئلة سيقوم عليها الكتاب الذي استغرق من الباحث وفريقه خمسة عشر عامًا من البحث، وشمل تحليل عشرين دولة، مستندًا إلى معطيات ضخمة وأحيانًا روايات كأعمال بلزاك وجين أوستن وغيرها، وهي:

– ما الذي نعرفه حقًا عن تطور قضية توزيع الثروة على المدى الطويل؟
– هل تقود حركية تراكم رأس المال الخاص حتمًا إلى تركز الثروة في أيدٍ أقل فأقل دومًا؟
– هل تقود القوى الموازنة للنمو، والمنافسة، والتقدم التكنولوجي، في المراحل المتأخرة من التنمية إلى لامساواة أقل وانسجام أعظم بين الطبقات؟
– ما الذي نعرفه حقًا عن الطريقة التي تطور بها الدخل والثروة منذ القرن التاسع عشر؟
– وأخيرًا، ما الدروس التي يمكن استقاؤها من تلك المعرفة؟ (2)

تُذكر أطروحات بيكيتي هذه بالنقاشات وبـ«النظريات»، الاقتصادية لكبار الاقتصاديين أمثال كارل ماركس وجون مينارد كينز وآخرين خصصوا مساحات واسعة من مؤلفاتهم وأعمالهم لتحليل توزيع الثروة وتراكم رأس المال.

«ما زال على علم الاقتصاد بعد أن يتغلب على شغفه الطفولي بالرياضيات والتخمين النظري المحض، والذي عادة ما يكون أيديولوجيًا جدًا، على حساب التاريخي والتعاون مع العلوم الاجتماعية الأخرى».

لا بد من الإشارة إلى أن بيكيتي عمد إلى استخدام لغة سهلة نسبيًا، وإلى سرد لا يخلو من المتعة، وكأنه يريد للكتاب أن يصل للجميع، المتخصص وغير المتخصص. وهو يؤكد في الصفحات الأولى كذلك أن «الكتاب هو بحث في التاريخ كما هو في الاقتصاد»(3)، منتقدًا بشدة الدراسات الاقتصادية «البحتة» التي حاولت عزل الاقتصاد عن العلوم الاجتماعية: «أقولها بصراحة، ما زال على علم الاقتصاد بعد أن يتغلب على شغفه الطفولي بالرياضيات والتخمين النظري المحض، والذي عادة ما يكون أيديولوجيًا جدًا، على حساب التاريخي والتعاون مع العلوم الاجتماعية الأخرى. عادة ما ينشغل الاقتصاديون كثيرًا بالمسائل الحسابية التافهة التي لا تهم سواهم».(4)

تقوم «نظرية» بيكيتي على مسألة رياضية، تبدو بسيطة، وهي أن النظام الرأسمالي حاليًا يقوم دائمًا على أن: معدل العائد على رأس المال (r) أعلى من معدل النمو (g) أو (r > g)، وهذا هو التناقض الرئيسي في الرأسمالية.

عندما يتولد هذا الاتجاه، أي تجاوزُ معدل العائد على رأس المال معدل نمو الاقتصاد، تتخلق «منطقيًا» ظاهرة أخرى: «الثروة المتوارثة تنمو أسرع من الإنتاج والدخل: يحتاج أصحاب الثروة الموروثة لادخار جزء فقط من دخلهم من رأس المال لكي يروا أن رأس المال ينمو أسرع من الاقتصاد ككل».(5)

ولهذا فإن الثروة، أو رأس المال، تتركز في أيدٍ أقل فأقل دومًا، أي في أيدي الطبقات العليا، وعلى الإنسان الصعود إلى الأعلى، طبقيًا، لكي يصبح العائد من رأس المال أعلى من العائد من العمل.

قبل استكمال عرض مفاهيم بيكيتي، لا بد من الإشارة إلى أول الاختلافات بين «رأس مال» بيكيتي و«رأس مال» كارل ماركس من ناحية تركز الثروة أو تراكم رأس المال في أيدٍ أقل فأقل عند كليهما: يميل ماركس إلى اعتبار تراكم رأس المال وتركزه في أيدي قلة قليلة أهم سمات التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية على مدى تطورها، بتعبير ماركس «الميل التاريخي للتراكم»، وبكلمات بيكيتي «مبدأ التراكم اللانهائي»، أي «الميل اللانهائي لتراكم رأس المال وتركزه في عدد أقل من الأيدي، في غياب أي حدود طبيعية للعملية. وهذا هو أساس توقع ماركس النبوئيّ بنهاية الرأسمالية»(6). ولهذا السبب فإن الرأسمالية بالنسبة لماركس «تنتج أول ما تنتج، حفّاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميان».

أما بالنسبة لبيكيتي فإن تراكم رأس المال، أو تركز الثروة في أيد أقل فأقل، ليس عاملًا ملازمًا للرأسمالية، وإنما هو أمر تاريخي، يتفاوت من مرحلة إلى أخرى. فمثلًا، انخفض هذا الاتجاه بعد الحرب العالمية الثانية وعاد ليرتفع بشدة خلال فترة ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن :«التباعد، أي تركز الثروة، ليس أبديًا وهو مجرد واحد من بين اتجاهات مستقبلية عديدة ممكنة لتوزيع الثروة».(7)

ولا يسعى بيكيتي، على عكس ماركس، إلى معاداة الرأسمالية :«ليس لدي أي اهتمام بإدانة اللامساواة الرأسمالية بحد ذاتها».(8) وأخيرًا إذا كان ماركس تنبأ بنهاية الرأسمالية، وبأنها تنتج حفّاري قبرها، بل وعمل من خلال البيان الشيوعي والحزب على تنظيم «البروليتاريا» داعيًا إلى الثورة للتعجيل في سقوط الرأسمالية، فان بيكيتي يرى أن التفاوت قد لا يكون عيبًا إذا ارتبط بالمنفعة العامة، وعلاوة على ذلك فهو يرى إمكانية «إصلاح» النظام الرأسمالي، فيقول: «أنا مهتم بالمساهمة، مهما كانت متواضعة، في الجدل حول أفضل طريقة لتنظيم المجتمع».(9) أي أن بيكيتي يدعو إلى إصلاح الرأسمالية عبر المزيد من الديمقراطية، بخلاف دعوة ماركس للثورة.

على أي حال، من أجل فهم معادلة بيكيتي (r > g)، يتوجب إيضاح بعض المفاهيم، خاصة المحورية منها في كتابه، مثل: رأس المال الذي يأتي دائمًا وكأنه مرادف لمفهوم الثروة.

يستبعد بيكيتي العامل البشري من مفهوم رأس المال ويعرفه بالمجموع الكلي للأصول غير البشرية التي يمكن امتلاكها وتبادلها في سوق ما. يتضمن رأس المال كل أشكال الملكية الحقيقية (بما فيها العقارات السكنية) بالإضافة إلى رأس المال المالي والمهني، وحتى العوامل غير المادية مثل حقوق الملكية الفكرية، بمعنى أنها «أشكال للثروة»، يمكن بطريقة أو بأخرى تقييمها في السوق بواسطة النقد أو الأسهم، مثلًا. لكن بيكيتي يقر بأنه ليس من السهل دائمًا تقييم رأس المال بالنقد.

مرة أخرى، سأتوقف عند «ثاني» أهم الاختلافات بين بيكيتي وكارل ماركس. لا يبذل بيكيتي الكثير من الجهد في تحليل رأس المال، أو في تقييمه. وهنا ربما يكمن أهم خلاف بين مؤلَّفه وبين تحليل ماركس لرأس المال.

بالنسبة لبيكيتي فإن رأس المال هو «شيء»، يجتمع مع العمل لتحقيق الإنتاج، وهو بهذا، شأنه شأن كل الاقتصاديين النيوكلاسيكيين، لا يلقي بالًا للتحليل الاجتماعي السياسي لرأس المال لصالح تحليل ميكانيكي. بعبارة أخرى، فهو ينفي أو يستبعد الطابع الاجتماعي السياسي لرأس المال.

في المقابل، فـ«رأس المال» بالنسبة لماركس هو مفهوم اجتماعي وسياسي وقانوني: هو أداة السيطرة على وسائل الإنتاج. بالنسبة لماركس، فقد يكون «رأس المال» نقدًا وقد يكون آلات إنتاج، وينقسم بين رأس مال ثابت ورأس مال متحرك أو متغير. لكن رأس المال في الجوهر لا يمكن أن يكون مالًا أو «شيئًا» مجردًا، إنما هو القوة التي يمتلكها الرأسمالي، أو السلطة التي بإمكانه استخدامها لاستخراج القيمة الفائضة من عمل العمال. رأس المال بالنسبة لماركس هو في النهاية علاقة إنتاج «أبدية» ملازمة للنظام الرأسمالي، يميل بشكله النقدي للتراكم عبر إنتاج القيمة الفائضة باستغلال العمل المأجور. هو، إذن، علاقة استغلال «فالشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيدي خواص، تكوين الرأسمال وإنماؤه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور».(10)

وعلى أي حال، فإن أكثر النقد الذي وجه إلى كتاب بيكيتي وأقساه كان يتعلق بتعريفه لرأس المال، بالنظر لرأس المال كـ«شيء» لا كعملية أو علاقات إنتاج، أو خلطه بمفهوم الثروة.

ومع ذلك، فإن بيكيتي يرى أن: «رأس المال ليس مفهومًا ثابتًا: فهو يعكس حالة التنمية والعلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع».(11)

كما أنه قد طرأ تغير على رأس المال، فحتى القرن التاسع عشر كان يتركز في الأرض فقط، أما الآن فهناك رأس مال صناعي ومالي وأصول ثابتة، من جهة. ومن جهة أخرى فإننا نعيش في مرحلة، كما في كل الأزمنة، لا يمتلك فيها «النصف الأفقر من السكان أي شي فعليًا (عادة ما يزيد قليلًا 5% من إجمالي الثروة)، وتمتلك الشريحة العشرية الأعلى في سلم الثروة أغلب ما يُملك (عمومًا أكثر من 60% من إجمالي الثروة وأحيانًا ما يصل إلى 90%). أما باقي السكان (وهم بالتعريف 40% في المنتصف) فيملكون ما بين 5% إلى35 % من كل الثروة».(12) ليبقى تركز رأس المال مرتفعًا، وإن لم يكن بالقدر الذي كان عليه الحال قبل قرن. فعلى سبيل المثال، كانت «الشريحة العشرية الأعلى من السكان في فرنسا تمتلك 80 – 90% من إجمالي الثروة بين عامي 1810-1910، وتمتلك الآن ما بين 60 إلى 65% من إجمالي الثروة».(13) ويشرح بيكيتي مرة أخرى، الأهمية الكبيرة أو المتعاظمة للثروة الموروثة في القرن الحادي والعشرين وقدرتها على النمو بأسرع من نمو العوائد المتحققة من العمل، في ظل نمو اقتصادي ضعيف. ودائمًا وأبدًا، ظل معدل نمو العائد على رأس المال أعلى كثيرًا من معدل النمو الاقتصادي.

قوى التباعد وقوى التقارب

بالنسبة لبيكيتي فإن رأس المال ازدهر في عقد 1840، ونما الإنتاج الصناعي، فيما أصاب الركود المداخيل من العمل. وبين عامي 1870 و1914، وصلت اللامساواة مستويات عالية غير مسبوقة وكانت تتميز دائمًا بدرجة عالية ومستمرة من تركز رأس المال، لن تتوقف قبل أن تصدم بصدمة اقتصادية/سياسية بفعل الحرب العالمية الأولى.

رأس المال ليس مفهومًا ثابتًا: فهو يعكس حالة التنمية والعلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع.

لقد كانت سنوات الإنتاج الصناعي الموسع، وتردي حال الطبقة العاملة في المصانع إلى الحضيض، هي الحال التي ستدفع بفريدريك إنجلز، رفيق كارل ماركس، إلى كتابة «أحوال الطبقة العاملة في بريطانيا 1844»، والتي ستمثل المقدمات الأولى لعدة ثورات اجتاحت أوروبا، وأوج ازدهار الأفكار الشيوعية والاشتراكية، أو كما قال ماركس في البيان الشيوعي: «شبحٌ ينتاب أوروبا: شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدت في حلف مقدس قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني».

بالتالي، فإن بيكيتي يعطي العامل السياسي دورًا مهمًا في تنظيم الاقتصاد، وفي توزيع الثروة وتركزها، ويرى أن الإجراءات السياسية التي اتخذت ما بين 1910 – 1950، كنتيجة للحرب ومواجهة آثارها المدمرة، كانت هي التي أدت إلى تراجع تراكم رأس المال واللامساواة خلال الفترة هذه.

كما يأخذ بيكيتي بعين الاعتبار انتشار المعرفة وتحسن التعليم كأهم العوامل التي أسهمت في تراجع التفاوت واللامساواة. مع ذلك، فإن هذه العوامل في قوى التقارب في الدخل، ليست قادرة دومًا على مواجهة قوى التباعد فيه، إذ: «يمكن لقوى التباعد في أي نقطة أن تستعيد اليد العليا، كما يبدو أنه يحدث الآن، عند بداية القرن الحادي والعشرين»، وفي ظل ظروف عدم كفاءة السوق، أو أوقات الأزمات، تتفوق قوى التباعد.

وهذا ما حدث بالضبط اعتبارًا من عام 1979، أي منذ وصول مارغريت تاتشر إلى رئاسة وزراء بريطانيا، ثم وصول رونالد ريغان إلى رئاسة الولايات المتحدة عام 1981، أي مع بدء تبني أفكار مدرسة شيكاغو النيوليبرالية، وعندها عادت اللامساواة للارتفاع، وعاد تراكم رأس المال، تركز الثروة، ينمو بشكل متعاظم كما كان عليه الحال في عام 1913.

يوضح بيكيتي أطروحته هذه بدراسة حال الولايات المتحدة الأميركية، متتبعًا المعطيات المنشورة عنها منذ عام 1915 وحتى عام 2012. يلاحظ بيكيتي أنه اعتبارًا من ثمانينيات القرن الماضي بدأت اللامساواة تتضاعف، مقابل بقائها منخفضة خلال «الأعوام الذهبية للرأسمالية» بين 1945-1973. يعود الانخفاض هذا، بالنسبة إلى بيكيتي، إلى إجراءات التوزيع التي اتُخذت خلال هذه الفترة والتي أفادت سوق العمل، وجعلت الدخل على مستوى الفرد أكثر إنصافًا. لقد عملت تلك السياسات على تقليص التفاوت وتراكم رأس المال في مرحلة شهد فيها العالم حروبًا أدت إلى تدمير واسع لرأس المال الثابت (الأصول الثابتة)، كما فرضت ضرائب على العقارات وعلى الدخول العالية لخفض آثار الحروب. ولقد كان واضحًا أن الإجراءات التي اتُبعت بعد الحرب العالمية الثانية أفادت العمال بشكل واضح على حساب تراكم رأس المال، وبحسب تعبير بيكيتي، فإن معدل رأس المال/الدخل انخفض، لذا كان تراكم رأس المال أقل مقابل تحسن الدخول الفردية.

وعلى العكس، فقد شهدنا اتجاهًا مضادًا منذ تولي مارغريت تاتشر منصب رئاسة وزراء بريطانيا، إذ أخذ تراكم رأس المال ينمو اعتبارًا من نهاية سبعينيات القرن الماضي، وزيادة في اللامساواة، وسوف يعود رأس المال إلى الارتفاع محفزًا معادلة رأس المال/الدخل للارتفاع، وعودة اليد العليا لقوى التباعد، بحسب تعبير بيكيتي. لقد تغير الاتجاه، وعادت اليد العليا لقوى التباعد، وتم دعم رأس المال على حسب العمل.

الرواتب، التعليم، التكنولوجيا

بعد أن يفرغ بيكيتي من تحليل اللامساواة على المستوى الكلي، يعمد إلى تحليل هيكلية التفاوت بالتفصيل. بحثًا عن منظومة الآليات والقوى المحركة التي تؤدي إلى التفاوت على المستوى الوطني. لذلك فهو يبدأ الفصل التاسع في الكتاب بالبحث في اللامساواة في الأجور.

يرفض بيكيتي النظرية القائلة بأن: «هناك سباقًا بين التعليم والتكنولوجيا»، التي تحاول تفسير اللامساواة في الأجور في المجتمعات. كان رهان الاقتصادي سايمون كوزنتس أن يؤدي التقدم في التكنولوجيا وقوى الموازنة والمنافسة في مراحل متأخرة من التنمية إلى لامساواة أقل وانسجام أعظم بين الطبقات. وهذا ما لم يحصل، إذ استمر التفاوت في الاتساع في الأجور، وخاصة «طبقة المديرين»، إذ يرى بيكيتي أن «الدول المتقدمة تحولت من مجتمع لأصحاب الريع إلى مجتمع مديرين».(14)

المؤسسات والتشريعات التي تنظم سوق العمل هي التي تلعب دورًا مهمًا في خلق هذه اللامساواة.

تقوم نظرية السباق بين التعليم والتكنولوجيا على افتراضين: «الأول، أن أجر العامل مساوٍ لإنتاجيته الحدية، أي مساهمته الفردية في ناتج الشركة التي يعمل بها. والثاني أن إنتاجية العامل تعتمد قبل أي شيء على مهارته وعلى العرض والطلب على هذه المهارة في مجتمع ما».(15)

يرى بيكيتي أن هذه النظرية لا تفسر وحدها اللامساواة في الأجور، وفشلها الأكبر أنها لم تستطع تقديم أي تفسيرٍ لانفجار ظاهرة التفاوت في الأجور التي شهدتها الولايات المتحدة. ويرى بيكيتي، خلافًا لهذه النظرية، أن المؤسسات والتشريعات التي تنظم سوق العمل هي التي تلعب دورًا مهمًا في خلق هذه اللامساواة.

يرى بيكيتي، أيضًا، أن تحديد الحد الأدنى للأجور يرتبط «بشكل حميم بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لكل بلد».(16) ومع ذلك، فرغم كل الاستثمارات الضخمة التي استثمرتها الولايات المتحدة لإتاحة التعليم والتكنولوجيا للجميع، استمر التفاوت واللامساواة في الأجور في الارتفاع وتحديدًا منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

في أحد أبواب هذا الفصل المعنون: «صعود كبار المديرين: ظاهرة آنغلوساكسونية»(17)، يضرب بيكيتي مثالًا على عجز نظرية السباق بين التكنولوجيا والتعليم عن التفسير، إذ أن «انفجار الرواتب المرتفعة جدًا حدث في بعض الدول المتقدمة ولم يحدث في البعض الآخر». ويكمل قائلًا أن هذا الانفجار حدث اعتبارًا من عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، مؤكدًا، على أن السبب في ظاهرة انفجار اللامساواة هذه يعود إلى أن «الفوارق المؤسسية بين البلاد لعبت دورًا أكثر مركزية من الأسباب العامة المسلم بها مثل التغيير التكنولوجي».(18) بكلمات أخرى، يعود بيكيتي إلى «الأسباب السياسية» خلف زيادة التفاوت واللامساواة وليس السوق وحدها.

عالم شريحة الواحد بالألف الأعلى

يخلص بيكيتي إلى أن المرء «كلما صعد على سلم الدخل، كلما كانت الزيادات أعظم»،(19) وبشكل لا يمكن تبريره. وقد استطاعت هذه الشريحة (0.1 بالمئة) في الولايات المتحدة أن ترفع نصيبها «من 2% إلى 10% تقريبًا على مدار العقود الماضية، وهي زيادة غير مسبوقة»(20).

لا ينكر بيكيتي، في تفسيره لظاهرة انفجار هذه المساواة، عوامل الإنتاجية الحدية وتطور التعليم والتقدم التكنولوجي، وقوانين الاقتصاد القياسية خاصة على الأمد الطويل. لكنه يعزو هذه الظاهرة إلى ولادة ثقافة تتقبل وتتسامح مع هذا التفاوت والتراتبية في المؤسسات والشركات. ويقول في انفجار ظاهرة «المديرين السوبر» أن «الثورة المحافظة» التي وضعت الولايات المتحدة وبريطانيا في قبضتها أدت «إلى قدر أكبر من التسامح مع الرواتب شديدة الارتفاع».(21)

خاتمة

أخيرًا، لقد تعرض مؤلَّف بيكيتي، وخاصة اقتراحاته لحل ظاهرة اللامساواة والتفاوت في توزيع الثروة، وهي محور عمله، إلى هجوم ونقد شديدين، من قبل اقتصاديين كثر، وبعضهم اعتبر أن اقتراحاته بوضع نظام ضريبي تصاعدي، وفرض ضرائب على الثروة المتوارثة وعلى الدخول الخاصة، لتقليص ظاهرة اللامساواة، اقتراحات «طوباوية» و«ساذجة» غير قابلة للتطبيق.

ومن جانب الماركسيين فقد اعتبرت اقتراحات بيكيتي، بأنها طوباوية إصلاحية، وليست ثورية، ولا تضع حلًا جذريًا لأزمة النظام الرأسمالي.

بيكيتي نفسه، كما أسلفنا يؤكد بأنه «غير معاد للرأسمالية»، ويقول: «هناك طرق تستطيع بها الديمقراطية استعادة السيطرة على الرأسمالية، وضمان أسبقية المصلحة العامة على المصالح الخاصة»،(22) وبأنه يسعى إلى وضع حدود (تنظيم) لـ«اليد الخفية» التي تحكم السوق.

على الرغم من كل النقد الذي يمكن أن يوجه لعمل بيكيتي هذا، يبقى أنه أعاد للدراسات الاقتصادية النيوكلاسيكية (النيوليبرالية) البعد الاجتماعي والسياسي، وإن لم يتعمق فيه، محاولًا الابتعاد عن نمط الدراسات القياسية والمعادلات الرياضية، كما أسلفنا.

أعاد بيكيتي، رغم كل إصلاحيته، صدى كارل ماركس، في محاولاته تحليل التناقضات الداخلية للرأسمالية، وتحليل الاتجاهات والأنماط ضمن السياق والتطور التاريخي لها.

تبقى فكرة أو خلاصة بيكيتي الأهم، هي تحذيره من أنه إذا كان 60-70% من إجمالي ثروة العالم الآن، هي ثروات متوارثة، وهي في ارتفاع مستمر، فإننا قد نجد قريبًا أننا عدنا إلى «الزمن الجميل» للرأسمالية (1870-1914) عندما كان ما بين 80 إلى 90% من الثروة متركزة في أيدي قلة قليلة من الأشخاص.

إذا ما استمر هذا الاتجاه في التصاعد للامساواة، فوحدها كارثة كالحروب العالمية في القرن العشرين ستوقفه.

إن ثقافة ريادة الأعمال في عصرنا (سيلكون فالي، مارك زوكربيرغ، ستيف جوبس، بيل غيتس وورثة الشركات متعدية الجنسيات، الذين تتنامى ثرواتهم يومًا بعد يوم) مضافًا إليها اتجاه (r >g) ومعدلات نمو منخفضة، ومعدلات مرتفعة للعائد على رأس المال، سوف تأخذنا حتمًا في اتجاه تمركز أكبر للثروة، «وهذا النوع من اللامساواة العالمية يمكن أن يفضي إلى توتر سياسي كبير». وإذا ما استمر هذا الاتجاه في التصاعد للامساواة، فوحدها كارثة كالحروب العالمية في القرن العشرين ستوقفه، يقول بيكيتي.

على أي حال، فرغم كل «كلام» بيكيتي عن أهمية ربط علم الاقتصاد بالعلوم الاجتماعية والسياسية الأخرى، يبقى عمله في إطار الدراسات الاقتصادية النيوليبرالية القياسية، قائمًا أساسًا على معادلة رياضية وإن حاول من خلالها تحليل اللامساواة في القرن الحادي والعشرين، ولم يتعمق كثيرًا في الأسباب والعوامل الأخرى التي تحدث هو نفسه عنها.

ما تزال ظاهرة اللامساواة وتراكم رأس المال، الملازمة للنظام الرأسمالي، تحتاج إلى دراسات وأبحاث من قبل العلوم الاجتماعية الأخرى، وإلى حلول غير تلك التي يقترحها بيكيتي، واعتبرها كثير من الاقتصاديين، بمن فيهم اقتصاديون إصلاحيون، غير قابلة للتطبيق وأحيانًا ساذجة.

في النهاية، قد يوحي تشابه عنوان كتاب بيكيتي، مع عنوان مؤلف ماركس الأساسي، رأس المال، وتحليل بيكيتي لظاهرة اللامساواة (أو العدالة الاجتماعية، بمنطوق يساري) بأن كتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» لاقى ترحيبًا من قبل الماركسيين أو اليساريين عامة. لكن على العكس، فقد وصف الكتاب وأطروحته من قبل الكثير من الماركسيين، بأنه رجعي، هدفه تأبيد النظام الرأسمالي، والعودة بالرأسمالية إلى ما قبل الأزمة الأخيرة. ناهيك طبعًا عن الخلاف حول المنهج والمفاهيم والقوانين الناظمة لعمل الرأسمالية.


1. توماس بيكيتي، «رأس المال في القرن الحادي والعشرين». دار التنوير ومنتدى البحوث الاقتصادية، القاهرة، 2016، ص 28.
2. ص 7.
3. ص 39.
4. ص 38.
5. ص 33.
6. ص 15.
7. ص 34.
8. ص 38.
9. ص 38.
10. كارل ماركس، البيان الشيوعي.
11. بيكيتي، ص 35.
12. ص 357-358.
13. ص 362.
14. ص 323.
15. ص 323-324.
16. ص 329.
17. ص 335.
18. ص 335.
19. ص 338.
20. ص 339.
21. ص 354.
22. ص 8.