أبناء «الإخوان» السوريين: عن الذين لم يعرفوا بلادهم إلا بالثورة

أبناء «الإخوان» السوريين: عن الذين لم يعرفوا بلادهم إلا بالثورة

الثلاثاء 22 أيار 2018

(هذا المقال هو السادس ضمن ملف تنشره حبر بمناسبة مرور تسعين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.  يمكنكم قراءة المقالات السابقة من هنا، المقال الأول، المقال الثاني، المقال الثالث، المقال الرابع، المقال الخامس)

في السابع من تموز عام 1980، أقر مجلس الشعب السوري القانون رقم (49) لعام 1980 والقاضي بتجريم وإعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين السوريين، بعد عام تقريبًا مما يُعرف في التاريخ المحكي للسوريين بـ«الأحداث»، التي استمرت ما بين 1979- 1982. مثّل القانون (49) الغطاء التشريعي لشرعنة ما يمكن وصفه بـ«اجتثاث الإخوان السوريين» (De-Brotherification)، على شاكلة اجتثاث النازية بعد الحرب العالمية الثانية والبعثية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ولكن بأيديولوجيا بعثية وأدوات نازية تجلّت بمجزرة حماة التي راح ضحيتها ما لا يقلّ عن ٣٠ ألف مدنيّ خلال أقل من شهر، في مجازر جماعية وإعدامات ميدانية وتسوية لأحياء كاملة بالأرض، بإشراف من الرئيس السوري حينها حافظ الأسد، وبتنفيذٍ تحمّلت وزره الأكبر «سرايا الدفاع» التي يقودها رفعت الأسد، شقيق الرئيس، الذي يرى في «إنهاء» ستالين ولينين وماو تسي تونغ للملايين سبيل النهضة والتقدم والحضارة، بما سيؤسس لـ«قواعد حماة»؛ العقد الاجتماعي والسياسي الجديد لسوريا المحكومة بالحديد والنار لما يقارب ثلاثين سنة قادمة.

لم يكن «الإخوان المسلمون» بوصفهم حركة إسلام سياسي هم المستهدفين بالاجتثاث وحسب، ولا حتى الإسلام «الرجعي» بنظر البعث، بل كانت السياسة ككلّ هي محطّ نظر الأسد، فتحولت الدولة، الكيان السياسي القائم نظريًا على احتكار العنف، إلى كيان لا سياسي قائم عمليًا على استخدام العنف، وإلى «دولة متوحشة» كما يصفها عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل سيورا. بمعنى آخر، كان الإخوان المسلمون مجرد مركز لدائرة عنف شامل تركّزت على المنتسبين للحركة، ثم توسعت من حول شبكاتهم شيئا فشيئا، بدءًا من الأبناء والأقرباء، وصولًا إلى المعارف والسكان المجاورين، في قصص وثارات لم تمت، لكنها كبرت حتى انفجرت مع الثورة السورية عام 2011.

في فترة «الأحداث» وما تلاها بقليل، كان تنظيم العمل السياسي والعسكري للإخوان المسلمين يتم من خارج سوريا، وبالدرجة الرئيسة من العراق والأردن، اللذين أتاحت أنظمتهما في ذلك الوقت، لمصالح ذاتية وعداء مع نظام الأسد، لقيادات الإخوان الموجودين مع عائلاتهم هناك العمل والتحرك، قبل أن يتبعهم بعد المجزرة المزيد من المتأثرين بدوائر عنف الدولة، إخوانًا وغير إخوان، استُهدفوا بشكل مباشر أو غير مباشر، توزع الآلاف منهم في الأردن والعراق والسعودية واليمن وبدرجة أقل في الإمارات والكويت وقطر والسودان وباكستان بينما استقرت بضعة عشرات العائلات في تركيا وأوروبا والولايات المتحدة وكندا. لم تستطع الغالبية العظمى لكل هؤلاء الرجوع إلى سوريا منذ ذلك الوقت كاستمرار لعملية الاجتثاث.

منذ تلك الفترة وحتى مطلع الثورة السورية، أي تقريبًا منذ 1985- 2011؛ وُلدَ جيل كامل من السوريين خارج سوريا، بلا بلاد يعرفها إلا في قصص أهله ولهجتهم وذكرياتهم عن الثورة المجهضة، وبلا هويّات؛ سواء أكانت بطاقة التعريف التي تمنحها أجهزة الدولة لمواطنيها إذ كانوا محرومين من المواطنة والجوازات (منحوا حق استصدار الجوازات في المنافي للمرة الأولى عام 2009 بعد ما يقارب الثلاثين عاما من خروجهم)، أو كانت تعريفهم لأنفسهم ولمكانهم في العالم، فلا هم من البلاد التي ولدوا بها، ولا هم يعرفون البلاد التي ينحدرون منها، إلى أن قامت الثورة وأجابت على قسم لا بأس به من أسئلة هذا الجيل، الذي يحاول هذا المقال -لأحد أبنائه- تسليط الضوء عليها.

إخوانيون نسبًا

في الغربة الجديدة، وبما أنهم كانوا قد أُخرجوا من ديارهم متّهمين بالإخوانية، وجدت عائلات الإخوان في غربتها نسب الغريب للغريب، فتقاربت من بعضها البعض لتجد في ذاتها عزوتها لتؤسس نفسها في بلادها الجديدة بدايةً، ثم لتجد عزاءها إذ تجد الماضي والحنين واللهجة القادمة وذكريات الحرب وأخبار من اعتقل أو اختفى في تدمر ومن قتل وهاجر بعد أن استقر بها الحال في المنافي؛ فتحول الحزب السياسي والحركة الاجتماعية القائمان على فكر وأيديولوجيا تدريجيًا إلى ما يمكن وصفه بـ«العشيرة» السياسية القائمة على الروابط ما قبل السياسية.

في هذه الغربة وداخل هذه «العشيرة»، نشأ أبناء الإخوان إخوانيين نسبًا لا انتسابًا، ووجدوا أنفسهم مرتبطين أولًا بعائلاتهم الإخوانية أو ذات الطابع الإخواني، ثم بعشيرتهم الإخوانية الأوسع، المشكّلة من هذه العائلات المشابهة، ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية «السورية» المتاحة وشبه الوحيدة لهم في بلاد المنافي والتي يمكن لهم، وضمنها فقط، الحديث بلهجتهم الأم خارج منازلهم، مقابل الحديث بلهجة أقرب للهجات البلدان المستضيفة التي أتقنوها تعايشًا.

وبالتوازي مع العلاقات الاجتماعية؛ كان تنظيم العمل الإخواني بنظام «الأسر» مستمرّا بدرجات متفاوتة بحسب الزمان والمكان، ما بين اللقاءات الاجتماعية المنظّمة على الأقل، وما بين العمل الإخواني الكامل الذي يتحوّل به النسب الإجباري إلى انتساب اختياري مع نهاية المرحلة المدرسية، والتي يسبقها منذ المرحلة الإعدادية تقريبًا، سواء ضمن العائلة أم ضمن «الأسرة»؛ تأسيس فكري وسياسي أشبه بـ«الكشف» الذي يتضمن إجابات عن أسئلة كبرى تبدأ بالقفز بشكل تلقائي مع النضج والحياة والاحتكاك مع المجتمعين، «المتخيل» و«الراهن»، من قبيل: لماذا لا نستطيع العودة إلى سوريا؟ لماذا لا نستطيع السفر؟، ومحددًا بأعلام مثل: «حماة» و«مصطفى السباعي» و«حافظ الأسد» وغيرهم.

مثّلت حالة «النسب» الإخواني سمة فارقة حددت طبيعة علاقات الجيل الجديد من الإخوان، إذ تم اختزال الجيل الجديد ضمن العائلة والعشيرة الأوسع بشكل تلقائي، فكان يكفي قول الاسم والعائلة ليتم «التصنيف» السياسي والاجتماعي والفكري، سواء داخل هذه الشبكة الاجتماعية- السياسية، أو خارجها ضمن الأوساط المطلّعة والمؤثرة، بما فرض سؤالا «هويّاتيًا» جديدًا مضافًا لأسئلة الهوية الجماعية، متمثلًا بالبحث عن «التعريف» الشخصي الاختياري أو التماهي ضمن هذه الشبكة.

«كشك»

كلّ صيف تقريبًا، ما زلت أستحضر كيف كان أفراد العائلة الأبعد قليلًا يأتون للزيارة في سيارات تكسي صفراء من تلك -المحرّمة علينا بالطبع- التي كنا نراها في «العبدلي» لتنقل المسافرين بين دمشق وعمّان، محمّلين بالهدايا البسيطة والشخصية جدًا: البسكويت على شكل الحيوانات، و«الويفر» الذي كان جدّ أبي يحضره لنا من بقالته الصغيرة التي كبر أبي من خيراتها، الكشك الذي يميز مدينتنا والذي موّنته جدة أمي لشهور كي لا ننسى طعم «الوطن» وعادات الصباح، ملابس من المحلات الصغيرة، والكثير من الضحكات والذكريات.

كانت هذه اللقاءات العائلية الكبيرة بمثابة «لمّ شمل» دوري بين أهلي وأقربائهم وأقرانهم، إذ كان السمر اليومي تحت عريشة العنب -التي زرعها جدي كتذكرة يومية بالأرض التي لم يستطع زرعها بنا كأبناء بلدة فلاحية- يتضمن ذكريات الطفولة القديمة في شوارع وأراضٍ توقفت صورتها عند أهلي لحظة خروجهم ولم تعد كما كانت، أو يتضمن الأخبار الاجتماعية حول من توفي ومن ولد، ومن تزوج ومن تطلق، بأسماء يحفظونها كأنها رأي البصر، في الشوارع التي لعبوا بها أطفالًا واختبؤوا بها من الملاحقات شبابًا ويافعين، وأخذت من شبابهم وأقرانهم من أخذت، ممن عرفوا مصيره ومن لم يعرفوا أو يخبروا (توفيت جدة أمي زينب عام 2012 دون أن تعلم أن ابنها «استشهد» في الثمانينيات)، بينما كنا -نحن المولودون خارجًا- نجلس متفرجين على هذا كله غير قادرين على الدخول بـ«طقوس» العبور المعاكسة هذه، لعدم وجود أي تشاركات فعلية من الذكريات أو التخيلات أو التصورات، باستثناء اللهجة والاسم الأخير.

تفاقمت هذه العلاقة الملتبسة مع البلاد: الانتماء لشيء لا تعرفه ولم تره ولا تملك إلا الانتماء له في تصور متخيل بالكامل، عندما زار سوريا بعض من استطاع الحصول على ضمانات أو اختار المجازفة من أبناء هذا الجيل، فوجدوا أنفسهم أشبه بالسياح بين أقرانهم وأقربائهم. وزاد الأمر سوءًا المتابعة الأمنية الحثيثة من أجهزة الاستخبارات التي استخدمت الأبناء -الذين لم يتجاوز عمرهم الـ(18) كحد أقصى- كوسيلة للضغط على الآباء -الذين شردتهم وقتلت واعتقلت أقرانهم- أو إرسال رسائل لهم بأنه سيسمح لهم بالعودة إن هم «اعتذروا»، فظلت البلاد أشبه بحلم جميل بعيد حرصوا ألا يشوهه كابوس الأمن والجيش والبعث، كي لا تنهار كل الأماني والأحلام.

«المُنْبَتّ»

في المنافي الراهنة، نشأ هذا الجيل في مجتمعات لم يكن يشابهها -أو لم يرد ذلك- وإن بدأ يتطبّع بطباعها ولهجتها بدرجات مختلفة، فدرس في مدارس السعودية والأردن والعراق واليمن وباكستان وغيرها مشكّلة طفولته التي لم تكن تشابه طفولة أهله، وبين أصدقاء وأقران من خلفيات اجتماعية وسياسية لا تشابههم، فحمل كل منهم شخصيتين: داخل المنزل وامتداداتها الشبكية العشائرية، وخارج المنزل وامتداداتها الفردية الشخصية (الدراسية، الوظيفية، الاجتماعية)، بلهجات مختلفة وأفكار مختلفة، متداخلة متقاطعة في كثير من الأحيان، وتغلب الثانية بها على الأولى بحكم سيطرة الواقعي على المثالي، والراهن على المتخيل.

وسّع هذا الاختلاف مدارك هذا الجيل لسببين اثنين: تعدد التجارب التي مر واحتك بها، ولأن الفضاء العام في كل هذه البلدان كان أرحب من الفضاء العام السوري الذي يهيمن عليه حكم الخوف والأمن والاستخبارات، بالترافق مع التجربة الشخصية التي صقلت هذا الجيل رغمًا عنه، فكان عليه التعلم -لا كامتداد للخلفيات الثقافية أو تقاطع مع الراهن المختلف- ليستطيع العيش، ثم كان عليه العمل لأنه يعيش غريبًا وكأنه شبه وحده -باستثناء العشيرة الأوسع والعلاقات الشخصية- بلا الامتيازات والدعم والتأمين الذي تقدمه الدولة لمواطنيها الذين لم يكونوا منهم، ولم تكن لهم دولة تقدم لهم هذا الدعم والامتيازات، فكانت الحالة النفسية، وعلى النقيض من الوعي والتجارب التي كانت لصالحهم مقارنة بأقرانهم الذين بقوا في بلادهم، مضطربة مرتبكة أشبه بالمُنبَتّ: لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.

على مدى سنوات، لم يكن هؤلاء الغرباء يشعرون أنهم منبتون وقد اعتادوا المنافي الجديدة، لولا «الدولة الحديثة» والبيروقراطية، فكان الاحتكاك المباشر بأي مؤسسة من مؤسسات الدولة لأي غرض أساسي (الدراسة، رخصة القيادة، العمل.. الخ)، يعيد تذكيرهم بذلك كلما نسوا: «أنتم لستم من هنا، ولو ولدتم ونشأتم وتربيتم وأجدتم اللهجة وعرفتم الطرق أكثر مما تعرفون بلادكم، لأنكم ببساطة لا تحملون بطاقات الهوية أو جوازات السفر»، في حالة تزداد وتنقص بحسب الظروف السياسية والعلاقات الدولية بين الدول المستضيفة والنظام السوري، والتي كانوا -كما حصل في «الأحداث»- أول المستفيدين من تفاقمها أو أكبر الخاسرين من تحسنها.

«بمسافة الثورة»

على مدى 19 عامًا، منذ ولادتي في المنفى وحتى عامي الثاني في الجامعة عام 2011؛ كنت أتحدث اللهجة الدارجة في المدينة المستضيفة عمّان (ما بين الفلسطينية والأردنية) بطريقة لا تكاد تخطئها الأذن، ولولا السؤال المباشر عن الأصل، أو التعامل البيروقراطي المختلف؛ لما كان لأحد أن يعلم أنني سوريّ، متصالحًا مع الواقع الذي كان كل ما أملكه، وماشيًا في الخيارات الراهنة كأي شاب: مدرسة، جامعة، عمل.

عام 2011، قامت الثورة السورية ووقع الزلزال. رأيت شوارع بلدتي للمرة الأولى بوضوح تام في أول المظاهرات في 25 آذار/ مارس 2011، وسمعت لكنتنا بالهتافات والمطالب، ورأيت دموع أبي وأمي وجدّيّ تعبيرًا عن حنين قديم انفجر فجأة وثأرًا وثورة وأملًا وُلد من جديد وقد كادت الثلاثين عاما أن تطفئ جذوته، أما أنا -ومثل أبناء هذا الجيل- فقد دخلت «طقوس العبور» الفردية خاصتي حينها: أنا أنتمي لهؤلاء الهاتفين لا في تلك البلدة وحسب، بل على امتداد سوريا، من حوران إلى القامشلي، في كل قرية وبلدة ومدينة ومحافظة عرفت اسمها ومكانها باسم مظاهرتها، فأعيد تشكيل الخارطة بذهني بخارطة التظاهرات شيئًا فشيئًا، وبدأت لهجتي «الأصلية» تطغى اختيارًا ورغبة، حاثًا من أمامي ليسألني: من أين أنت؟ لأجيبه متأكدًا للمرة الأولى: أنا من البلاد، البلاد التي لم تكن قريبة ولم تكن بعيدة، بل كانت «بمسافة الثورة»، كما يقول ناجي العلي.

ولأن الثورة، بمجموعها الذي يشكل قيمها ومثلها ويحدد أهدافها ومطالبها، هي الكل الأكبر من مجموع أجزائها التي هي المعنى الشخصي لكل فرد من أفرادها؛ فقد كان المعنى المباشر الذي كشفته الثورة لهذا الجيل هو معنى الوطن الذي عرّفته الثورة فعرّفتهم أفرادًا وجيلًا وجماعات، وأعادت وضعهم ضمن سياقهم التاريخي والاجتماعي والسياسي الأقدم، بينما كانت جدواها المباشرة هي العودة والإجابة عن كل هذه الأسئلة.

بطبيعة الحال، عمل هذا الجيل أول ما عمل ضمن شبكاته «التقليدية»، أي ضمن الشبكات الإخوانية القائمة الاجتماعية منها والتنظيمية، لأنهم لم يكونوا يعرفون من السوريين خارج البلاد سوى هذه الشبكات، وكان العمل أول ما بدأ -قبل أن تتاح العودة- من خلال النشاطات والمهمات التي تتم عن بعد، خصوصا مع الآفاق المفتوحة خارج سوريا وانتشار الإنترنت مترافقًا مع الفضاء السياسي والاجتماعي المفتوح أكثر نسبيًا بالمقارنة مع سوريا، ومع اتساع استخدامات الإعلام الاجتماعي ضمن «الربيع العربي»، فكانت أكبر الشبكات الإعلامية التحشيدية (مثل صفحة «الثورة السورية ضد بشار الأسد» التي كانت تسمى الجمع) أو بعض الصفحات الإخبارية (مثل شبكة شام التي استعانت ببعض هؤلاء الشباب) تُدار بداية من الخارج، من أبناء هذا الجيل بالدرجة الرئيسية وضمن هذه الشبكات الإخوانية بنسختها الاجتماعية.

بالمقابل، كان تنظيم «الإخوان السوريين» يلملم شتاته ويحاول حل إشكالاته الداخلية «مصارعًا للتكيف» للعودة إلى المشهد، بما جعل عمله أبطأ من الشباب وفي مسارات داخلية تنظيمية، ممّا جعلهم يتجاوزونه ويبحثون عن مساراتهم الخاصة، بالتوازي مع العلاقات المتوسعة والشبكات الجديدة داخل المجتمع القديم، أي المجتمع السوري في الداخل، الذي كان متلهفًا لهم ومنتظرًا عودتهم بعد هذا العمر الطويل الذي لم ينسهم خلاله، لكن الأهمّ أنه كان محتاجًا لعلاقاتهم وخبراتهم المتراكمة التي استطاعوا تكوينها أثناء اغترابهم في الخارج.

وبينما كان الإخوان يحاولون تمكين شبابهم واستدخال مزيد من الشباب عن طريق تأسيس مكتبٍ خاصٍ للشباب (صدّر للجماعة نائب مراقبها العام الأخير حسام غضبان ومسؤول مكتبها الإعلامي عمر مشوّح)، وعقد مؤتمرٍ خاصٍ لهم واستحداث جمعية شبابية «موازية»، شق من استطاع من الشباب طريقهم الخاص في الفضاء المفتوح المتلهف، فعاد من عاد منهم (بالتوازي مع بعض الشخصيات الإخوانية التي عادت لمدنها وبلداتها خصوصًا في المناطق المحررة)، وانضم للحراك المدني أو المسلح ضمن التشكيلات القائمة، حتى استطاع بعضهم التصدّر في مكاتب سياسية وإعلامية لفصائل عسكرية كبرى، بينما انخرط بعضهم في الثورة لآخرها حتى استشهدوا.

إلا أن نهاية القصة لم تكن سعيدة جدًا، فحتى الشباب الذين استطاعوا العودة لا لسوريا فقط؛ بل لبلداتهم ومدنهم، لم يجدوا أنفسهم في هذه المدن التي لم يتعرفوا عليها بالسرعة المتوقعة، كما لم ينخرطوا ضمن العائلة الأوسع؛ فرغم أن اللكنة متشابهة إلا أنها تبقى هجينة؛ هجنة التجربة والخبرة والعمر الطويل نسبيًا خارج البلاد، مما أعاد مرة أخرى تعريفهم لدورهم ولذواتهم وللوطن والثورة، عملًا لا مجرد انتماء، وطوعا ورغبة لا اسم عائلة ونسبا قديمًا وحسب.

أما في منافيهم، فلم يعد لهذا الجيل أي خصوصية تذكر مع تدفق ملايين اللاجئين خارج البلاد، وانمحى الفارق بين «تبع حماة»، الوصف الذي كانوا يوصفون به نسبة للمجزرة، وبين اللاجئين الجدد، لا على المستوى الاجتماعي بينهم أو بينهم وبين المجتمعات المستضيفة وحسب، بل على المستوى البيروقراطي، فلم يعد هناك فرق يذكر بين كونك «لاجئًا» منذ عشرين عامًا، أو منذ عشرين يومًا، بينما تغير وجه البلاد كاملًا بالحرب بعد الثورة، وباتت الخيارات أكبر وأعقد وأصعب من هذا الجيل ومن الإخوان ومن السوريين جميعا.

خاتمة شخصية

خرج جدّاي الأَخَوَان من سوريا تحت المطاردة والمطالبة في الأحداث –التي توّجتها مجزرة حماة– آنذاك، ثم لحقهما أبناؤهما (أبي وأمي وأخوالي وأعمامي) تباعا، وعاشوا في خمسة بلدان على الأقل. تزوج أبي وأمي في أحدها، وولدتُ في آخر، وولد بقية أحفادهما وأبناء أحفادهما –الذين يقاربون الخمسين– جميعًا خارج سوريا، في امتداد جغرافي من كندا إلى مصر.

لم يستطع أحد من كل هؤلاء أن يرجع إلى سوريا، خوفًا من السجن والاختفاء بتهمة «اسم العائلة»، إلا أحد أخوالي بجوازه الأمريكي قبل الثورة، وثلاثة من الأحفاد تهريبًا عبر الأسلاك الشائكة بعد الثورة.

خلال خمسة وثلاثين عامًا، لم ينس جدّاي في كل عيد أن يقولا لنا: «العيد الجاية بسوريا»، ولم نفقد لكنتنا الريفية الخاصة، ولم يكفّا عن استحضار بلدتنا -التي لم نرها- تفاصيلًا وحكايا وأشخاصًا وجغرافيا، ولم تفقدهما السنين قرب دمعهما وملوحته، التي رأيتها أكثر ما رأيتها بعد الثورة.

فتحت الثورة السورية باب أمل لعودة جدّيّ. كان هذا كلّ ما يعنينا من الثورة، نحن الذين لا نعرف شيئًا من البلاد إلا بهما ولهما.

توفّي جدّاي عام 2014 في فترة متقاربة، ودفنّاهما منفيين في بلدَين مختلفين مع الأمل، وارثين ثورتهم وثأرهم مع ثورتنا وثأرنا في البلاد التي باتت تعنينا شخصيًا اليوم.

هذه القصة هي قصة عائلة مهجّرة من بين 100 ألف شخص تقريبًا، انضم إليهم ما يقارب ستة ملايين لاجئ «جديد».

  • Rania E

    أشكرك من القلب لمشاركتك هذه القصة بكل صدق وقلم جميل، بكل ما في ذلك من فتق للجرح وإعادة طرح للأسئلة. ما أهم أن تُروى.
    أبكاني مقالك.