كيف وصل السودانيون إلى العصيان المدني؟

الثلاثاء 29 تشرين الثاني 2016
أحد السودانيين يرفع لافتة احتجاجية في حافلة بالخرطوم صباح 23 تشرين الثاني الحالي. عن صفحة Digno1994 على تويتر.

بقلم ولاء صلاح*

على غير عادتها تبدو العاصمة السودانية الخرطوم، لليوم الثاني على التوالي، خالية إلا من عدد قليل من المارة وبعض المحال التجارية المفتوحة، حيث يقبع السودانيون في منازلهم في عصيانٍ مدني لثلاثة أيام من 27 وحتى 29 نوفمبر احتجاجًا على سياسات الدولة الاقتصادية والارتفاع الكبير في أسعار السلع الضرورية، وخصوصًا الدواء.

في الثالث من تشرين الثاني الحالي، أعلنت الحكومة السودانية حزمة من القرارات الاقتصادية شملت تحرير سعر العملة ورفع الدعم عن المحروقات والأدوية. بين ليلة وضحاها، تضاعفت أسعار السلع الضرورية، وصلت الزيادات في أسعار الأدوية إلى 300%، بما في ذلك بعض الأدوية المنقذة للحياة. كما زاد سعر الوقود وتضاعفت أسعار المواصلات.

جاءت هذه القرارات في وقت تصاعدت فيه الحركة الاحتجاجية في الخرطوم، فقد نفذ الأطباء في العاصمة وولايات أخرى إضرابًا عن تقديم الخدمات الطبية ما عدا للحالات الطارئة، حمل شعار “عشانك يا مواطن”، احتجاجًا على سوء بيئة العمل وعدم توفر المواد الأساسية بالمستشفيات.

لم تكن تلك الحزمة الأولى، فقد شهدت البلاد قرارات اقتصادية مشابهة في حزيران 2012 وسبتمبر 2013 ساهمت في تدهور حالة الخدمات والحالة الاقتصادية. في المرتين السابقتين، شهدت البلاد تظاهرات مناوئة للنظام وسياساته الاقتصادية، إلا أن قمع الأجهزة الأمنية حال دون استمرار التظاهرات، فبحسب تقارير حقوقية، قتل النظام السوداني أكثر من 170 متظاهر في أسبوع واحد خلال الاحتجاجات الشعبية في سبتمبر 2013.

القيمة الكبيرة من الحراك الحالي والنجاح الكبير للعصيان المدني هو في إثبات قدرة الجماهير على التنظيم والحشد.

بدأت الاحتجاجات هذه المرة من حيث لم يتوقع أغلب الناشطين السودانيين، فبعد إضراب الأطباء، نفذ أصحاب الصيدليات إضرابًا لمدة يوم في 19 تشرين الثاني احتجاجًا على رفع أسعار الأدوية.

كانت أولى دعوات الخروج في وقفات احتجاجية من خلال مجموعات فيسبوك نسائية مهتمة بشكل رئيسي بمتابعة الموضة، ونصائح التجميل، ومناقشة العلاقات العاطفية. وفي 20 تشرين الثاني، خرجت العشرات من الشابات في شوارع الخرطوم وتم اعتقال العديد من المحتجات.

ثم في 24 تشرين الثاني، خرج المئات من طالبات وطلاب المدارس الثانوية في العاصمة في مظاهرات أثارت جدلًا واسعًا وسط الناشطين السودانيين حول المشاركة السياسية للأطفال.

الدعوات للعصيان المدني الشامل أطلقت على مجموعات على فيسبوك في 22 تشرين الثاني، وسط تخوف حيال فرص نجاحه في ظل غياب شبه تام للنقابات المنظمة وسيطرة القطاع الخاص على أغلب مفاصل الاقتصاد السوداني. جرب السودانيون سلاح العصيان المدني من قبل في تشرين الأول 1964 وآذار ونيسان 1985، وساهم العصيان المدني حينها مع التظاهرات الواسعة في إسقاط حكومتي إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي.

على الرغم من كل التخوفات، تواصلت الدعوات للعصيان المدني من 27 وحتى 29 تشرين الثاني. استيقظت العاصمة وبعض المدن السودانية على شوارع خالية إلا من بعض المارة وبعض المحال التجارية. وأعلنت بعض المدارس الأساسية والثانوية إجازة للتلاميذ، كما فعلت بعض الشركات الخاصة مع موظفيها.

حتى الآن، لا توجد خطوات تالية معلنة ولا يمكن التنبؤ بكيفية سير الأحداث بعد اليوم. لكن من المهم الانتباه إلى أن الحراك الحالي هو نتاج تنظيم غير مركزي، كما أن المطالب بتخفيض الأسعار غير واضحة وغير مفصلة، فالفعل الحالي هو تعبير عن حالة غضب جماهيري يعوزه البرنامج السياسي البديل، في ظل ضعف عام للأحزاب السياسية المعارضة وانقسامات وسط تحالفاتها السابقة.

القيمة الكبيرة من الحراك الحالي والنجاح الكبير للعصيان المدني هو في إثبات قدرة الجماهير على التنظيم والحشد، الأمر الذي أعاد أملًا كاد أن يختفي بإمكانية تغيير الواقع السياسي والإقتصادي بالسودان.

*قانونيّة وناشطة حقوقية سودانية.