من الإخوان إلى الملك إلى الأحزاب الجديدة: عن أي دولة مدنية يتحدثون؟

الصورة من حساب الديوان الملكي على تويتر.

من الإخوان إلى الملك إلى الأحزاب الجديدة: عن أي دولة مدنية يتحدثون؟

الخميس 08 شباط 2018

«كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الدولة المدنية، وقد حدث لغط كبير حول مفهوم هذه الدولة، ومن الواضح أنه ناتج عن قصور في إدراك مكوناتها وبنائها». هكذا تكلم الملك في ورقته النقاشية السادسة المعنونة بـ«سيادة القانون أساس الدولة المدنية». عادت الدولة المدنية للواجهة في الأردن مع تأسيس حزبي «الشراكة والإنقاذ» و«التحالف المدني» في الأسابيع الماضية، إذ استخدم الحزبان مصطلح «الدولة المدنية» في خطابهما كل على طريقته.

وبما أن هذه الورقة النقاشية كانت تهدف لفتح النقاش حول المسائل السياسية في البلاد، فمن المفترض أن نكون قادرين على الاختلاف مع الملك بخصوص اعتقاده بأن اللغط حول مفهوم الدولة المدنية ناتج عن قصور في إدراك مكوّناتها وبنائها. فالمشكلة تكمن في «المفهوم» نفسه وفي السياق الذي نشأ وتطور فيه، وليس في فهمنا له فحسب. لذا سوف يتطرّق هذا المقال إلى نشأة وتطور مصطلح «الدولة المدنية»، وكيف تم استخدامه في الفعل السياسي العربي والأردني، وما هي الإشكاليات التي صاحبت استخدام المصطلح، وكيف يستخدمه اليوم الحزبان الوليدان.

من أين جاءت «الدولة المدنية»؟

إذا أردنا أن نتتبع أصل مصطلح «الدولة المدنية»، فعلينا بداية أن نلتفت إلى أن العلوم الإجتماعية -التي تخلو معاجمها من أي ذكر لـ«الدولة المدنية»- تميّز بين «المصطلح» (term) و«المفهوم» (concept). فالمفهوم يحتوي المعنى الذي ينقله مصطلح ما، وعادة يكون خلف المفهوم نظرية أو حقل معرفي يستند إليه ويفسره، كأن نقول «نمط الإنتاج» في الماركسية أو «المجتمع المدني» في الليبرالية. وأنا لا أقصد أن المفهوم يجب أن يفسّر بطريقة واحدة فقط، فهناك مفاهيم تفسر باتجاهات مختلفة كمفهوم «السياسة» أو «العلمانية» حسب النظرية التي توظّفها، لكنّها في النهاية مفاهيم نشأت وتطورت في سياقات تاريخية، وضمن حقول معرفية سياسية، اجتماعية، أو فلسفية نستطيع أن نجد تفسيراتها ومعانيها ضمن هذه الحقول.

في هذا الإطار، نستطيع أن نقول أن «الدولة المدنية» مصطلح لا مفهوم مستقرّ له. فهو مصطلح حديث صعد بشكل مكثّف في الحياة السياسية العربية بالتزامن مع الانتفاضات العربية، وهو لا ينتمي إلى حقل الفكر السياسي إذ أنه لم يرد في أي من النظريات السياسية المتعلقة في الدولة، ولا هو مصطلح قانوني ذو تعريف تقني واضح، والجدل الدائر حوله اليوم هو «جدال سياسي بالمعنى الضيق والسطحي للكلمة»، كما يقول الباحث السوري جاد الكريم الجباعي. لهذا وبحكم حداثة المصطلح وبحكم كوْنه غير مستقرٍ ولا ينتمي إلى حقول معرفية أو سياسية، فإنه تحوّل إلى وعاء فارغ يستطيع البعض أن يملأه بالأفكار التي تناسب قناعاته و توجهه السياسي.

الانتشار الاكبر للمصطلح جاء بعد الإطاحة بحسني مبارك بمصر. تقيس صفحة «مؤشرات جوجل» (Google trends) شعبية كلمات بحث معينة في منطقة ما في فترة ما، وإذا تصفحنا نتائج عدة بحوث تشمل كلمتي «الدولة المدنية»، نجد أن عام 2011 كان الأعلى بحثًا عن «الدولة المدنية» باللغة العربية منذ 2004 وحتى اليوم.

تقول الباحثة باربرا دي بولي إن نقاشات ما بعد الثورة في مصر جلبت صفة «المدنية» التي اكتسبت طيفًا واسعًا من المعاني، بعضها يناقض البعض الآخر، إذ «لطالما كانت كلمة مدني تعني «civil» بمعناها الشائع في اللغات الأوروبية الرئيسة (فمثلًا، المجتمع المدني يعني civil society). لكن بعد الانتفاضات بشكل خاص، حملت هذه الصفة قيمًا دلالية غير متماثلة حين تجسدت في مصطلح «الدولة المدنية» الذي يصعب تحديد أصله».

لم يأتِ مصطلح الدولة المدنية بجديد، ولم يساعد على تفسير الواقع الجديد بل ساهم إمّا في تسطيحه أو جعله أكثر التباسًا، تحديدًا لأنه فضفاض وغامض ويمكن استخدامه بمعاني مختلفة

مع سقوط حسني مبارك وتولي المجلس العسكري السلطة في مصر استخدم مصطلح «الدولة المدنية» في وجه «دولة العسكر» باعتبارها امتدادًا للنظام السابق. ومع وصول محمد مرسي إلى الحكم وصياغة دستور 2012 استخدم العلمانيون المصريون مصطلح «الدولة المدنية» المعبّأ بالدلالات الثقافية من أجل خلق كتلة اجتماعية ضد مشروع الإخوان الذي صورته القوى العلمانية بأنه يسعى لإقامة دولة دينية. كما استخدمته لتتجنب استخدام مفهوم «العلمانية» لما يحمله من دلالة سلبية عند الأغلبية.

لَحِقَ الإسلاميون بهذا النقاش، واستخدموا المصطلح لطمأنة جمهورهم بأن هذا المصطلح لا يعارض أطروحاتهم الدينية التي نشؤوا عليها من جانب ولطمأنة الغرب وخصومهم السياسيين من جانب آخر. عبّر محمد مرسي عن ذلك بوضوح حين قال في مقر بعثة مصر للأمم المتحدة في نيويورك أن مصر «ليست دولة علمانية، بل هي دولة مدنية»، مؤكدًا على أن «الإسلام لا توجد به دولة دينية، وتعريف الدولة الإسلامية هو الدولة المدنية».

وكما استخدم الطرفان (العلماني والإسلامي) المصطلح لغايات سياسيّة مختلفة، فقد عملا على تأصيل المصطلح تاريخيًا بشكل يناسب توجه كل منهما. ادّعى الإسلاميون توافقَ القرآن والسنة مع مبادئ الدولة المدنية، مؤكدين أن الرسول وضع أول دستور مدني بعد الهجرة. وربط العلمانيون بين فهمهم للدولة المدنية بكتابات تاريخية لمحمد عبده والأفغاني وغيرهم وأعادوا قراءة أفكارهم بأثر رجعي، مروّجين مصطلح «الدولة المدنية» بوصفه امتدادًا لتلك الأفكار في سياقها التاريخي. يتضح هذا في قول وزير الثقافة المصري، سابقًا، جابر عصفور أن محمد عبده كان يعرف بالتأكيد «أن السلطة الدينية هي نقيض السلطة المدنية، وكان رفضه للسلطة الدينية يعني دعمه للسلطة المدنية التي هي حكومة مدنية لا تتباعد في التحليل النهائي عما نسميه الدولة المدنية».

وبعد أشهر قليلة من انقلاب السيسي وارتكابه مجزرة رابعة وصفَت لجنة صياغة الدستور مصر بأنها «دولة ديمقراطية حديثة حكمها مدني».

من المهم الإشارة إلى أنه لا يوجد ما يمنع اختراع ونحت مصطلحات جديدة لتفكيك ووصف واقع جديد عجزت المصطلحات القديمة عن وصفه وتفسيره. لكن مصطلح «الدولة المدنية» لم يفعل ذلك، فهو لم يأتِ بجديد فعليًا بقدر ما عمل على إعادة توضيب أفكار قديمة، كما أنه لم يساعد على تفسير الواقع الجديد بل ساهم إمّا في تسطيحه أو جعله أكثر التباسًا، تحديدًا لأنه فضفاض وغامض ويمكن استخدامه بمعاني مختلفة، وهو ما ثبت في السياق المصري، ويتضح الآن في السياق الأردني أيضًا.

الدولة المدنية في سياق أردني

تشير إحدى نتائج صفحة «مؤشرات جوجل» (Google trends) أن الأردنيين أبدوا اهتمامًا بالبحث عن الدولة المدنية على جوجل في عام 2011 بالتزامن مع النقاش الدائر في مصر وتونس، وفي عام 2016 بالتزامن مع الانتخابات النيابية في الأردن. فقد صعد مصطلح «الدولة المدنية» وأصبح جزءًا من النقاش السياسي العام بشكل مكثّف في الأردن إثر مشاركة قائمة «معا» بالانتخابات النيابية 2016 في الدائرة الثالثة في عمان، بعد أن عرّفت القائمة نفسها بـ«قائمة الدولة المدنية» ورفعت آنذاك شعارات مثل «لا لاستغلال الدين» و«فصل الدين عن السياسة». خاضت القائمة معركتها الانتخابية باعتبارها معركة ضد الإخوان المسلمين، أي صراعًا بين «تيار مدني» و«تيار ديني» وجذبت من خلال هذه المعركة شرائح من الطبقات الوسطى في دائرة عمان الثالثة مستقطبة بذلك كتلة اجتماعية قد يشعر أبناؤها أن مشروع الإسلام السياسي يهدّد نمط حياتهم وواقعهم الاجتماعي.

صوّرت قائمة معا «الدولة المدنية» وكأنها الدولة التي ستحل كل مشاكل الأردنيين، فهي الدولة «الحامية» للدين، الداعمة للفن وحرية التفكير. دولة تدعو للعدالة والمساواة، ولا تميّز بين مسلم ومسيحي وتضمن الحريات.

في نفس هذه الانتخابات تخلّت الحركة الإسلامية عن شعار «الإسلام هو الحل»، وأكد زكي بني ارشيد، النائب السابق للمراقب العام لجماعة الإخوان المسلمون في الأردن، قبل خوض «التحالف الوطني للإصلاح» الانتخابات أن «مغادرة الشعار تأتي استجابة للمراجعات التي قامت بها الحركة الإسلامية، وليس مجرد ضرورة انتخابية فرضها شكل التحالف» الانتخابي. مشيرًا إلى عدم معارضة «التحالف الوطني للإصلاح» للدولة المدنية التي تقوم على أسس ديمقراطية.

لم يكن زكي بني ارشيد أول من تناول مصطلح الدولة المدنية من الإسلاميين في الأردن، فقد سبقه إلى ذلك ارحيّل غرايبة الذي تحدث في أكثر من مناسبة منذ عام 2013 بصفته المنسّق العام لما كان يسمى بـ«المبادرة الوطنية للبناء» عن ضرورة إيجاد «صيغة تستوعب مكونات الأمة لبناء الدولة المدنية الديمقراطية». لكن الورقة التي قدمها زكي بني ارشيد مباشرة بعد الانتخابات النيابية في تشرين الأول عام 2016 بعنوان «الدولة المدنية، هل تشكل نقيضا للدولة الإسلامية؟» تعتبر الأكثر وضوحًا للتحول الذي طرأ على خطاب الحركة الإسلامية في الأردن من تبنٍ لمصطلح الدولة المدنية وفق فهمها الخاص له ولمكوّناته. ربط بني ارشيد في هذه الورقة بين ما أسماه معايير الدولة المدنية كـ«تمثيلها إرادة المجتمع، وكونها دولة قانون، وانطلاقها من نظام مدني يضمن الحريات ويقبل التعددية وقبول الآخر، وقيامها على اعتبار المواطنة أساسًا في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها، وأخيرًا التزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة» وبين «التوجهات العامة المبثوثة في القرآن والسنة وكتابات علماء الإسلام». وأكد بني ارشيد في الورقة نفسها على أن «الدولة المدنية ليست نقيضًا للدولة الإسلامية وإنما هي نقيض للدولة البوليسية العسكرية».

تبنى الملك جزءًا من تعريف العلمانيين للدولة المدنية وجزءًا من تعريف الإسلاميين لها في الوقت ذاته، ليصيغ تعريفه الخاص به ويزيد من ضبابية المصطلح

باعتقادي، أدرك بني ارشيد أن بوابة العودة إلى الحياة السياسية في الأردن ستكون عبر المشاركة بالانتخابات النيابية 2016 مع تغيير في الخطاب من خلال التصالح مع مصطلح «الدولة المدنية» كمصطلح آمن ومقبول لدى السلطة السياسية. في الوقت نفسه قد يستطيع بني ارشيد تمريره داخل الجماعة باعتباره ليس نقيضًا للدولة الإسلامية، وطبيعة المصطلح تتيح له هذا. وإن كان تبني المصطلح يعبر بشكل ما عن مراجعات داخل الجماعة لكنها لا تعبر بالضرورة عن موقف تيار الصقور من استخدام مصطلح «الدولة المدنية». فقد عبر همام سعيد بعد أيام من نشر ورقة زكي بني ارشيد عن رفضه للدولة المدنية باعتبارها «غربية وليست من الإسلام في شيء» وأن الشريعة الإسلامية هي المنهج الوحيد للدولة.

في هذا السياق، دخل الملك على خط النقاش في ورقته النقاشية السادسة المعنونة بـ«سيادة القانون أساس الدولة المدنية». كُتبت المقالات وأقيمت المؤتمرات لمناقشة وفهم «فكر جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أوجد المفاهيم الدقيقة والصحيحة للدولة المدنية». فعليًا، لم يُضف الملك أي شيء جديد للنقاش في ورقته هذه، وكل ما فعله في مداخلته هذه هو لعب دور الأب الذي يريد أن ينهي خلافا بين ابنيه اللذين يتقاتلان على ملكية لعبة ما. فقد تبنى الملك جزءًا من تعريف العلمانيين للدولة المدنية وجزءًا من تعريف الإسلاميين لها في الوقت ذاته، ليصيغ تعريفه الخاص به ويزيد من ضبابية المصطلح. فالدولة المدنية من وجهة نظره دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين، وتفصل بين السلطات، وتحترم الرأي الآخر وتضمن التعددية والحريات، وتكرّس التسامح وخطاب المحبة، وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات، لكنها ليست مرادفًا للدولة العلمانية، فـ«الدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا»، مسترشدًا بميثاق صحيفة المدينة عند هجرة الرسول إلى المدينة المنورة باعتباره «أول دستور مدني في التاريخ».

السلطة في خطاب حزبي «الشراكة والإنقاذ» و«التحالف المدني»

أعلن كل من حزبي «الشراكة والإنقاذ» و«التحالف المدني» قبل أسابيع قليلة عن المبادئ العامّة التي يقوم عليها كلٌ منهما في حفل الإشهار الخاص بكل منهما. ويسعى كل حزب من خلال السير على مبادئه للوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي تبنّى كل منهما تعريفًا مختلفًا لها. لكن الاختلاف في التعريف هنا لا يأتي من ضبابية المصطلح نفسه فحسب، بل كذلك من الموقع الذي انطلق منه الحزبان. قد يكون من الممكن توضيح هذا المحور بتناول مركزية السلطة السياسية وفهم مكوناتها في تعريف «الدولة المدنية» الخاصة بكليهما.

وصّف الأمين العام لحزب الشراكة والإنقاذ محمد الحموري في حفل إشهار الحزب الدولة المدنية التي يسعى حزبه إليها بأنها الدولة «التي يسود فيها حكم الدستور والقانون لا حكم الأشخاص»، وفي هذه الدولة يسود قانون «تتوافر فيه المشروعية الدستورية الحقة التي لا يعبث فيها فقه دستوريّ سلطاني فاسد يفصّلها حسب الرغبات وتبعًا لمصالح المتعطشين لمتعة النفوذ وانتفاخ الجيوب». هذه الدولة المنشودة، بحسب الحموري، هي دولة لا تحكمها «الأنا الفردية التي تعوّدت على تسخير الأدوات القهرية داخل الدول لإشباع غريزة الاستئثار بالسلطة والانفراد بها».

بالمقابل يشير مروان المعشر أحد مؤسسي «التحالف المدني» أن كلّا من الإسلاميين والعلمانيين يتحدثون عن «الدولة المدنية» لكن المشكلة تكمن، بحسبه، «في التفاصيل، وفي ما لا يقال، وليس في ما يقال». وحين حاول المعشر أن يجيب في حفل الإشهار عن معنى «الدولة المدنية» التي يريد قال: «نحن نتحدث عن دولة مدنية ديمقراطية، الصفتان متلازمتان، لأن المدنية بدون ديمقراطية قد تؤدي إلى السلطوية، والديمقراطية دون المدنية، قد تؤدي لاستئثار حزب أو مجموعة أو تيار على السلطة من خلال الطرق الديمقراطية وعدم السماح لباقي التيارات بالعمل، لذلك الدولة المدنية الديمقراطية هي الدولة التي تعتمد سيادة القانون على الجميع وتمنع تغول أي تيار أو جهة على أخرى».

إذا دخلنا في «التفاصيل وفي ما يقال ولا يقال» لفهم الخطابين، نرى أن المعشر يستخدم في خطابه توصيفات نظرية عامة غير مكيّفة في السياق الأردني تحديدًا. فهو يقول ما فحواه أن «الديمقراطية عكس السلطوية» التي تعتمد «سيادة القانون» دون أن يقول عن أي سلطة يتحدث وما هو شكلها، وأي قانون يجب أن يسود وما الذي يعيقه. في المقابل، وصّف الحموري شكل السلطة القائمة بوضوح باعتبارها سلطة الفرد أو السلطان، والقانون الذي ينبغي أن يسود عند الحموري هو القانون القائم على المشروعية الدستورية البعيدة عن العبث حسب الرغبات.

هذا ينطبق على العديد من القضايا التي تناولها الحزبان التي توضح لنا من هو «النقيض» أو «الآخر» لمشروعهما، وأين تقع السلطة في خطاب كل منهما. خذ مثلًا كيف تطرّق الطرفان إلى «الدين». يقول جهاد الخالدي، عريف حفل إشهار حزب «الشراكة والإنقاذ» في بداية الحفل: «تُرتكب كل الموبقات باسم الولاء والانتماء الزائف، لا مكان للسرّاق بيننا، لا مكان للفسدة بيننا، لا مكان للمتسلط بيننا (..) لا مكان لتوظيف التفسير المجزوء لديننا الحنيف من أجل تعطيل العقل وترسيخ سلطة الاستبداد». هذا يتوافق مع رؤية الحموري في رفض توظيف الدين في خدمة السلطة واصفًا هذا التوظيف بـ«الفقه السلطاني المأجور» الذي «يجعل طاعة السلطان من طاعة الله ويخرج المخالف من الملة».

ظلّ «التحالف المدني» مأسورًا لرؤيته لنفسه باعتباره نقيضًا ثقافيًا للإخوان المسلمين ويستمد شرعيته من موقعه النقيض هذا

في المقابل أجاب محمد نعمان أحد مؤسسي «التحالف المدني» والمرشح السابق في قائمة «معًا» على سؤال أحد الحضور حول موضوع الدين في الدولة المدنية قائلا: «نحن لا يمكن أن نعادي الدين، لا يمكن أن نعارض الدين، أو نرفضه، نحن نرفض رجال الدين عندما يتدخلوا بالسياسة ويستغلوا الدين بالسياسة، هذا الذي نرفضه، وأزيد كمان، ليس هناك مكان لرجال الدين ولا للعسكر في الدولة المدنية». وهذا يتوافق مع نص المبدأ العاشر من مبادئ الحزب الذي يقول «الدين مصان في الدولة المدنية، ومستقل عن السلطة السياسية، ولا وصاية عليه لأحد، ولا يحق لأحد استغلاله لغايات سياسية وحزبية». عند سؤالها عن تفسير هذا المبدأ، قالت الناشطة في الحزب نادين حصوة إنه يعني «عدم توظيف الدين بخطاب سياسي (..) يعني لما يكون عندك شخص متدين ممكن يوجه السياسة بناء على المصالح تاعته من خلال استخدامه للدين، عشان هيك لا لاستغلال الدين في السياسة». يخص التحالف «الرجل المتدين» فقط بهذا التوجس، وكأنه الوحيد الذي يوجه السياسة بناء على مصالحه، دونًا عن رجال الأعمال مثلًا. كما أنه يبدو وحده من يوظف الدين، ولا يشمل ذلك السلطة في بلادنا التي تمتلك مؤسسات تنطق باسم الدين فيها. فعند سؤال حصوة عن دور هذه المؤسسات الدينية التابعة للدولة، كوزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء أجابت: «أنا بقدر أحكيلك بالنسبة للمبادئ، أي شي ثاني خارج المبادئ لم يتم إقراره ولا التصويت عليه، ما بقدر أحكيلك شو الموقف منه».

الدخول بـ«التفاصيل وفي ما يقال ولا يقال» يوضح الاختلاف في مدى محلية الخطاب الذي يطرحه كل من الحزبين، ورؤية كلٍ منهما للسلطة وموقعهما منها. وهذا الفرق في استخدام مصطلح «الدولة المدنية» ومركزية السلطة فيه عند الحزبين يأتي باعتقادي من اختلاف السياق الذي تشكل فيه المصطلح عند كليهما.

تبلور المصطلح عند «الشراكة والإنقاذ» من خلال تجربة الاشتباك السياسي المباشر مع السلطة من جانب، والخصوم السياسيين من جانب آخر، نظرًا إلى أن العديد من كوادر وقيادات الحزب خرجوا من جماعة الإخوان المسلمين. نتجت فكرة «الشراكة والإنقاذ» -كما يقول علاء القضاة، أحد الشباب القياديين في الحزب- بعد حوارات سعت للإجابة على أسئلة عديدة منها: لماذا فشل الحراك؟ لماذا فشلت تجاربنا التنظيمية السابقة؟ أين أصبنا وأين أخطأنا؟

لذلك نرى أن «الشراكة والإنقاذ» غير معنيٍ كثيرًا بالتأكيد المستمر على «مدنية» الحزب كما يفعل «التحالف المدني»، والمصطلح بحد ذاته ليس محوريًا في خطابه السياسي. فقد استخدم «الشراكة والإنقاذ» المصطلح باعتقادي، ليميّز نفسه عن جماعة الإخوان المسلمين، ولكي يستمد من خلاله شرعية الحزب الذي يقدم «الجديد» و«المختلف». لكن في المقابل، نقْدُ السلطة وتوصيفها بشكل دقيق لا يعتبر أمرًا ثانويًا لـ«الشراكة والإنقاذ»، لأن هذا الموقف من السلطة هو أساس شرعية الحزب لدى قواعده. فعند سؤالي للقضاة لماذا الشراكة والإنقاذ؟ أجاب بوضوح: «لإعادة ضبط البوصلة، صراع الديمقراطية ضد الاستبداد».

بالمقابل لم يتشكل مصطلح «الدولة المدنية» عند «التحالف المدني» من خلال الاشتباك السياسي مع السلطة بقدر ما كان امتدادًا لخطاب حملة انتخابية لقائمة «معا» القائم على خلق حالة من «العداء» لمشروع الإخوان المسلمين وتصويره كأنه يتقاطع مع خطاب الجماعات المتطرفة من أجل تشكيل كتلة اجتماعية مقابلة له. بل إن التحالف يرى نفسه امتدادًا للسلطة في بعض الأحيان، كما يتضح من التأكيد المستمر على ارتباطه بالرؤية الملكية المشروحة في الأوراق النقاشية. لقد ظلّ «التحالف المدني» مأسورًا لرؤيته لنفسه باعتباره نقيضًا ثقافيًا للإخوان المسلمين ويستمد شرعيته من موقعه النقيض هذا. لذلك نرى أنه يتمسك بالخطاب الذي يعزّز هذا الموقع حتى ولو كان ذلك على حساب واقعية الخطاب في السياق المحلي. ففي حفل إشهار التحالف عرّف جميل النمري، أحد قيادات الحزب، الدولة المدنية بوصفها «الدولة القائمة على سيادة القانون، على عقد اجتماعي، ولا يحكمها لا العسكر ولا رجال الدين ولا حزب شمولي». هذا التعريف يقع خارج السياق السياسي الأردني وهو بعيد عن طبيعة السلطة فيه. فهو لا يفسر ما علاقتنا نحن في الأردن بدولة العسكر أو رجال الدين أو سلطة الحزب الشمولي ومن الذي يمثل كل من هؤلاء أردنيًا. هذه التوصيفات المستوردة لا تنطبق تاريخيًا على شكل السلطة في الأردن، وهي غير مستمدّة من واقع سياسي محلي، لكنها توصيفات موجهة لجماعة الإخوان المسلمين لذا فهي أساسية بالنسبة لـ«التحالف المدني» لكونه بنى شرعيته بوصفه نقيضًا لها.

خاتمة

كان يعاب على خطابات أيديولوجية معينة استخدامها لمصطلحات مثل «الجماهير»، «الشعب»، «الطبقة العاملة» باعتبارها تعبر عن «لغة خشبية» ليست ذات معنى. وبعيدًا عن نقاش إن كان لهذه الكلمات معانٍ واضحة داخل أطر فكرية وبني نظرية محددة أم لا، فإن استخدام مصطلح «لغة خشبية» كان يهدف لتوصيف خطاب سياسي لا يحتوي أي قيمة أو مضمون، ويقدّم مفردات خالية من المعنى للتستر على الواقع كما تقول الكاتبة نادية حسن. يستخدم اليوم العديد من رافضي الأدلجة «لغة خشبية» عبر مصطلحات كـ«الدولة المدنية»، معتقدين بأن حداثة المصطلح والضجيج الخالي من المعنى الذي يحدثه ينفي عنه خشبيته ويضفي عليه قيمة ما.

يخفي مصطلح «الدولة المدنية» في طيّاته تضليلًا يعيد للسياسة أسوأ معانيها من الخداع والكذب. فهو مصطلح يقبل القسمة على الجميع، إسلاميين وعلمانيين، سلطة ومعارضة، جنرالًا عسكريًا وملكًا يحتكر السلطات. المصطلح نفسه والسياق السياسي الذي ظهر من خلاله يجعل المصطلح مربكًا وغامضًا، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا في الوقت نفسه. مصطلح تتستّر خلفه أيديولوجيات تدّعي أنها غير مؤدلجة، وسلطات مستبدة تخفي استبدادها خلف «مدنية» رجالاتها ذوي البدلات وربطات العنق.