رأي

الاحتجاج «الحضاري» واستثناء المحافظات

الأحد 10 حزيران 2018
من إربد. تصوير مؤمن ملكاوي

لن يتوقف الحديث عن الهبّة الشعبية التي شهدناها الأسبوع الماضي عمّا قريب، فهناك عدد من الافتراضات التي سادت المشهد السياسي في الأردن في السنوات الست الماضية تم تحطيمها في الشارع في أسبوع، مما يثير الكثير من الأسئلة عن التحولات المجتمعية التي مرت تحت أعيننا ولم نكن ندرك حجمها.

ستتكاثر الدراسات المعمقة محاولةً فهم هذه الانزياحات البطيئة وعوامل الحت والتعرية الاجتماعية التي صقلت كتلًا بشرية على مدى سنوات بحيث أعادت تشكيل واقعها، وبالتالي مطالبها. لكن حتى ذلك الحين، فإن ما نحن أمامه من قراءات يتشارك بشكل عام ملاحظة أساسية مفادها أن اعتصام الرابع كان «حضاريًا» وإصلاحيًا. وكما في أيام الهبة، يستمر الحديث عن الموجة الاحتجاجية بصفتها حدثًا خاصًا بعمّان، لا بل بجزءٍ واحدٍ منها. فيتم اختزال الأردن بتعقيداته الاجتماعية في محيط الدوار الرابع، وتجاهل الاحتجاجات في المحافظات بالكامل، إلا باعتبارها استثناءً على «حضارية» المشهد.

كان هذا واضحًا في تحليلات بعض أبرز كتاب الرأي في الأردن. فمثلًا، قال رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي، مصطفى الحمارنة، إن التعبير على الدوار الرابع كان يتم «بشكل حضاري وبشكل وطني جامع»، لكن «باستثناء ما حدث ليلة أمس»، مشيرًا إلى الأربعاء الماضي الذي شاركت فيه مجموعات من خارج عمّان في اعتصام الرابع. فالمطالب في المحافظات، برأي الحمارنة، «في أغلبها محلية يحركها الغضب وتفتقر إلى الرؤية الإصلاحية». تحدث الوزير السابق ممدوح العبادي كذلك عن أن المتظاهر على الدوار الرابع «تعامله حضاري، مش عصبي، جاي مبسوط وكذا، جنس لطيف مرتب»، مقابل أبناء المحافظات الغاضبين، الذين «يمكن خربوها لما رجعوا صاروا يرفعوا السقف»، وإن كان حديثه أقل ثقافوية، حين أشار إلى أن السبب في ذلك هو أن «المحافظات أكثر فقرًا ومعاناة» ويسودها «الحس بالغبن»، مقارنة مع الدوار الرابع الذي اعتبر «غبنه سياسي مش مالي».

الكاتب فهد الخيطان اعتبر أن بعض «العابثين والمغامرين (..) خاصة خارج العاصمة عمان» قد تصرفوا بشكل أثار «استياء وقرف المشاركين في الوقفات الاحتجاجية»، واختزل مشاركة المحافظات ونوعية المطالب التي رفعوها بحالة من «النزق السياسي». النائب السابق جميل النمري احتفى بمعتصمي الرابع باعتبارهم «واعين لما يفعلونه، ومثلهم المئات من البيئة الاجتماعية نفسها والطبقة الوسطى»، و«لديهم الذكاء والوعي والروح الوطنية والوعي لتقديم أنفسهم كما يريدون». وفي الاتجاه ذاته، تحدث الكاتب والباحث محمد أبو رمان، حين قال إن «من تحرّك اليوم وحرّك الشارع وأيقظه من نومه هم أبناء الطبقة الوسطى، بشرائحها المختلفة، بصورة مدنية حضارية تعكس ثقافة هذه الطبقة وقيمها». هذه الملاحظات ليست خاصة بهؤلاء الكتاب، بل هي جزء من خطاب ساد إلى حدٍّ كبير في النقاش العام.

إذن، لماذا تُستثنى المحافظات من الاحتفاء الذي تركز في طبقات عمان الوسطى؟

بدايةً، من المهم أن نلاحظ أن «الحضارية» و«السلمية» ليستا مترادفتين في هذا الخطاب. فمن الواضح أن احتجاجات المحافظات لم تشهد أعمال «تخريب» تذكر، فالاحتجاجات الأخيرة في المفرق ومدينة إربد ومعان والزرقاء والكرك والسلط لم تقل سلميةً عن احتجاجات الرابع، حيث طغى شكل الاحتجاج الجماعي (المظاهرات) على الطابع للعام للهبّة، وهذا يشمل المحافظات لا عمّان لوحدها، على عكس هبة تشرين التي كان فيها الاحتجاج في المحافظات أعنف وأشد حدة. ولعل المحتجين رأوا أن الهبة السابقة تم احتواؤها وعُزلت وقمعت بشكل قاس، وكان لديهم من تجربتهم الخاصة سبب للابتعاد عن هذا الشكل من الاحتجاج، حتى وإن لم يكن هو وحده سبب القمع.

الفرق الذي يتم تجنب ذكره بصراحة عند الحديث عن التحرك الحضاري والسلمي هو أن الكثير من هتافات المحافظات وحي الطفايلة (الذي يُستثنى من عمان ويُلحق بالمحافظات باستمرار) طالت الملك بوضوح وحمّلته مسؤولية الأزمة الاقتصادية عبر انفراده بحكم البلاد ووضع سياساته، وهو ما لم يحدث (بشكل مباشر على الأقل) في الدوار الرابع، إلا حين حضرت المحافظات إليه. هكذا يصبح الهتاف الموجه للملك عنفًا حتى ولو لم يحرك المتظاهرون سوى ألسنتهم، فما هو مقابل الحضارية والسلمية ليس الاحتجاجات العنيفة، بل الحديث عن الملك. وهذا اختراع فريد للنخب الأردنية تُحدد فيه السلمية والحضارية عبر محتوى الهتاف، لا عبر مدى التزام المظاهرة بالتعبير عن الرأي بعيدًا عن «العنف».

تستثنى من الحضارية أيضًا الأحزاب والتنظيمات وأي شكل من أشكال العمل السياسي المؤسسي. فالاحتفاء باعتصام الرابع الذي ركز على «عفوية» الشعب، استند أيضًا إلى غياب هذه الجهات، وكأن الأحزاب لا تحضر إلا بشكل مؤامراتي، أو أن حضورها بحد ذاته عنيف، أو أنها ليست جزءًا من هذا الشعب ومن حياته السياسية المدنية، أو أن وجود أطر قادرة على تنظيم الناس والعمل معهم وبلورة مطالبهم، خاصة لمنع مصادرة منجزاتهم، كما فعل نشطاء «أنيقين مرتبين» زعموا حماية الهبة «من أي مندسين»، أمر سلبي يجب الاحتراز منه. المفارقة أن هذا الخطاب الذي يحتفي بغياب الأحزاب ويشيطن احتجاجات سلمية يأتي بصورة أساسية من ليبراليين ملكيين تقوم خطاباتهم على ضرورة إنعاش الحياة السياسية بأساليب «مدنية».

من جهة أخرى، في هذا التصور افتراض بأن الهتاف الموجه للملك هو مجرد تعبير عن الغضب، لا جزء من خطاب سياسي يصدّره أشخاص واعون بواقعهم وبالبنية السياسية الاقتصادية التي تنتج فقرهم وغضبهم. لقد رأينا في المحافظات وحي الطفايلة خطابًا واضحًا ضد الفقر والتهميش والارتهان للمؤسسات المالية الدولية واحتكار السلطة وغير ذلك. تحدث أبناء معان بوضوح تام عمّا يقصدونه بالنهج؛ نهج التعيين الذي يجعل مسؤولية رئيس الوزراء أمام الملك لا أمام الشعب. تحدث أبناء الزرقاء ببلاغة عن الأثر الاجتماعي للإفقار وعن أن الضرائب تصبح «سرقة» حين لا يعرف الشعب أين تذهب. تحدث أبناء حي الطفايلة بوضوح عن رفضهم لحكم البنك وصندوق النقد الدوليين موجهين حديثهم لـ«ساكن دابوق». ورفض أهل الرمثا أن يتم تحويل مطالبهم إلى مكاسب سياسية لمن لم يقف معها. يتم تجاهل كل هذه المؤشرات على وعي أبناء المحافظات بواقعهم المعاش وتعبيرهم السياسي المدني عنه، فقط لأن هذا التعبير «غاضب» وليس بـ«هدوء» التعبيرات التي سادت على الدوار الرابع.

هذا ليس بأي حال تقليلًا من قيمة اعتصام الرابع، فقد شهد هو كذلك تنوعًا يتم طمسه لصالح شكل واحد يتمثل في التقاط الصور مع الدرك وتكنيس الشوارع بعد الاعتصام، وكأن هذا هو الشكل الوحيد «للحضارية»، أو أنه اختبار على المتظاهرين أن يتجاوزوه حتى يستحقوا الاستماع إليهم. كما أن اعتصام الرابع لم يكن حكرًا على أبناء الطبقات الوسطى فقد شارك فيه العديد من أبناء الأحياء الشعبية في عمان، إلى جانب بعض المشاركين من خارجها، وهو ما أكّده بعض المحللين حتى وإن اقتصر احتفاؤهم على الطبقات الوسطى.

كان المتظاهرون متنوعين بتنوع مواقعهم الاجتماعية والجغرافية. مقدار «الهدوء» والصبر على بطء الإصلاح يتناسب طرديًا مع قدرة المتظاهر على الالتزام بالاعتصام لمدة طويلة، تاركًا وراءه أعمالًا ودراسة وعائلة تحتاج من يعولها ويدبر أمورها. كما أن خوف الطبقات الوسطى من ضيق اقتصادي تراه يلوح في الأفق، ويقترب منهم، يختلف عن عدم احتمال الفقراء لواقعهم الحالي الذي يريدون تغييره اليوم قبل الغد. لذا، فالكتلة الأكبر التي لم تكن تسعى لـ«رفع السقف» في اعتصام الرابع هي من الطبقات الوسطى التي كان جزء منها متضررًا بشكل مباشر من مشروع قانون الضريبة، أو من متظاهرين وناشطين كانوا يسعون إلى الحفاظ على تماسك هذه الكتلة، سواء كانوا ينتمون إليها أم لا.

كل هذه الاختلافات تنعكس بالضرورة على نوعية المطالب وشكل التعبير عنها. المهم هو أن هذا التنوع طبيعي ولا يستدعي الشيطنة ولا يتنقص من شرعية أي من هذه المطالب، مهما كان حجم «غضبها». لذا، فهذه القراءة ليست محاولة لعكس الشيطنة بحيث تتوجه للطبقات الوسطى، بل للتمييز بين ما يعدّ مقبولًا لدى هذا الوسط السياسي الليبرالي وما هو غير مقبول؛ بين ما يُفتح له المجال العام ويعتبر جزءًا أصيلًا منه وما يُطرد إلى الهامش ويعد حالة شاذة، ولفهم أسباب إقامة هذا الفصل وطريقة توظيفه.

هذا الفصل يسهّل التموضع في موقع «وسطي» يدعم الاحتجاج بشكل عام، ويعارض الهجوم الحاد والواسع عليه، وهو ما بات غير متاح مع حديث الملك عن فخره بالـ«99%» من المتظاهرين الذين «بحكوا من قلوبهم لمصلحة مستقبلهم ومصلحة الأردن»، وحديث رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز عن أن «ما شهدناه في الأيام الأخيرة في غالبيته الكبرى يشكل تعبير عن الرأي بطريقة حضارية». لكن الـ1% والأقلية تبقيان هامشًا لانتقاد أولئك المشاكسين غير الواعين سياسيًا، أي كل من يتطرق للملك بأي شكل.

الاحتجاج المقبول هو الذي يمكن للنظام استثماره سياسيًا في الخارج، وقد بدأنا نرى ثمار هذا الاستثمار بالاجتماع مع موغيريني أمس، واجتماع مكة اليوم، وبيان صندوق النقد الدولي الأخير. وهو مقبول كذلك لأنه غير مكلف سياسيًا، فالانحياز لمطالب سحب مشروع قانون الضريبة سهل نسبيًا لأنه يمكن تلبية المطالب، اسميًا على الأقل، بأخذ قرارات أو إلغاءها. أما مطالب الفقراء فهي بحاجة لتغييرات جذرية لأن مشاكلهم تنبع من اختلالات معقدة وعميقة في البنية الاقتصادية، ولا يمكن الحديث بواقعية عن إصلاح هذا النوع من الاختلالات دون التطرق للطريقة التي تدار بها البلاد.

في المحصلة، ما يوصف بالمغامرة والغوغائية هي المطالب المتعلقة بجذر المشكلة الاقتصادية، وهو جذر سياسي بامتياز. أما الاستمرار في التعامي عن المشاكل التي تنتجها طريقة حكم البلد، ورفض التفكير في الأسباب الحقيقية لهذه المشاكل، ولوم أوضاع الإقليم وحدها عند كل أزمة، والتوقع أن شحنة جديدة من المساعدات ستحل المشكلة، فهو السلوك العقلاني الوحيد بحسب هذا الخطاب.

بغض النظر عن مدى التغيير الحقيقي الذي يمكن توقعه من حكومة الرزاز، فإن ما أكدته هذه الهبة هو أن الهتاف الموجه للملك هو مكتسب انتزع في الشارع في عامي 2011 و2012، وتم التأكيد عليه اليوم. وهو ليس مجرد «غضب» أو «استفزاز»، بل هو تعبير «حضاري» صادق يخاطب فيه المواطن رأس الدولة، ليقول له إن «الشعب يعرف أين الخلل». بدلًا من إنكار ذلك وشيطنة من ينادي به، الأحرى أن يُعترف به كمعطى حقيقي يجب التعامل معه، إن كنا حريصين على «الواقعية» و«العقلانية».