رأي

ماذا بعد التسييج؟

الأربعاء 02 كانون الأول 2015

تتجلّى حالة الردّة على فورة الحرّيات التي تمتّع بها الشارع الأردني خلال أوج الحراك الشعبي في الإجراءات الرسمية المقيّدة للحريات بشكل عام، ولا يعلم أحد إن كانت هذه الإجراءات ستتوقف عند حدٍّ ما أم أنها ستتطور لتصبح أحكامًا عرفيّة غير معلنة رسميًا.

الدولة تضغط على حرية الرأي والتعبير بهدف تقييدها، مستفيدة من قدرتها على اقتراح القوانين وتطبيقها والتأثير على الديوان العالي لتفسير القوانين كي تأتي التفسيرات على هواها، لكنها لا تتوقف عند هذا الحد، حيث تبتدع طرقًا وأفكارًا لفرض سطوتها على الفعاليات السياسية العامة.

اليوم أصبحت أي فعالية هدفًا محتملًا للإلغاء أو المنع طالما تتعالى فيها أصوات تزعج الحكومة أو تخالفها في الرأي، ليس الفعالية فقط، بل وكذلك المناطق التي اعتاد الناشطون على الاعتصام والتعبير عن رأيهم فيها.

فمؤخرًا قامت الحكومة بتسييج الساحة الواقعة بجانب فندق الريجنسي، والتي تستعملها الحركة الإسلامية في مهرجاناتها، وقبل ذلك بأيام أغلقت ساحة المسجد الكالوتي التي تستعمل للاعتصامات المناهضة للكيان الصهيوني، وسابقًا كانت قد سيّجت الدوار الرابع بعد اعتصام الأيتام فيه بالإضافة إلى القضاء على المساحات الفارغة على دوار الداخلية عبر أحواض نباتات ونافورة.

كما استخدمت الجهات الرسمية ذات الأسلوب مع ساحات مختلفة اعتادت على فعاليات الحركة الإسلامية، منها إغراق الساحة المستخدمة لصلاة العيد بالمياه أو تعبئتها بالأتربة، أو حتّى ظهور زريبة أغنام على ساحة دوّار المشاغل بعد إعلان الحركة عن فعالية كبيرة تنوي إقامتها هناك.

تسييج ساحة الكالوتي التي تعتبر مقرًا دائما للتظاهرات المناهضة للكيان الصهيوني، ومعقلًا لاعتصام جماعة الكالوتي «جك» المناهض لمعاهدة وادي عربة ووجود سفارة الكيان في عمّان، جاء بعد الاجتماع الذي وافقت فيه حكومة الاحتلال على تركيب كاميرات في المسجد الأقصى وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات حول إذا ما كان التسييج قرارًا داخليًا، أم جزءًا من صفقة الكاميرات.

تلك الساحات أصبحت محرّمة على الفعاليات السياسية المعارضة لنهج الدولة، سواء في التطبيع أو في إدارة البلاد، وارتفاع المديونية وعدم القيام بإصلاحات سياسية ملموسة إلى الآن، وكأن الدولة تعلن بشكل صريح عدم قبولها بأي تجمّع معارض قد ينتقد أداءها أو يوجّه اللوم لها ويتّهمها بالتقصير.

لا تكتفي الحكومة اليوم بإغلاق الساحات وتسييجها، إنما تلاحق حتى الفعاليات المقامة في مسارح وقاعات، حيث هددت قوّة أمنية القائمين على فعالية تتضامن مع مؤسسة إعلامية عربية بأن تقوم بإفراغ القاعة التي من المنوي إقامة الفعالية فيها بالقوة.

علاوة على التضييق على حرية الرأي والتعبير في الشوارع والساحات، فإن الحكومة لم تتوقف حتى الآن عن محاكمة مواطنين بسبب تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي

ما الفائدة من الحديث عن إصلاحات وعن تعديل حزمة التشريعات الناظمة للحياة السياسية إذا كانت هذه التعديلات والإصلاحات غير نابعة من الإيمان الحقيقيّ بالتشاركية واحترام الرأي الآخر والتعامل النبيل مع الخصوم السياسيين؟ وهل يكفي أن نقوم بمثل هذه التعديلات كي يقال عنّا عالميًا أننا نذهب تجاه الديمقراطية ليزيد الغرب من المعونات والمنح المقدمة لنا؟ ستنتهي المعونات يومًا ما ولن يتبقى لنا سوى تراكم الفشل والأزمات، والتي ستتضاعف إن بقيت تدار بهذه الطريقة.