رأي

التعديلات الدستورية في المجلس: البرلمان يسلّم سلطاته

الخميس 28 نيسان 2016
jordan parliament مجلس النواب

ينظر رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة إلى زاوية مقاعد الوزراء في المجلس، ويطلب من النواب الذين يتحدثون إلى بعض الوزراء الرجوع إلى مقاعدهم. يتكرر هذا الطلب مرتين وثلاثة أثناء التصويت على التعديلات الدستورية في المجلس بالأمس.

كنا نسمع عن دساتير دول يحتاج تعديلها إلى استفتاء شعبي أو لجان قانونية تعين من أكثر من جهة، حتى في أكثر الدول فاشية. في الأردن تحول الإحباط وفقدان الأمل في التغيير الديمقراطي إلى حالة لامبالاة شعبية بما يحصل تحت القبة، وزوال أي نوع من المشاركة في النقاش العام تقريبًا، إلا ما يُدفع بالرعاية الحكومية. لكن عند محاولة البحث عن أصوات تشبهنا، فإن الواقع القاتم لآلية صياغة القوانين يفرض نفسه ويأخذنا إلى جلسة مجلس النواب لمناقشة التعديلات الدستورية، حتى وإن كانت تحت قبة لم ننتخبها ولا نؤمن بدورها كامتداد لسلطتنا في الحكم.

فجأة يطلب أحد النواب أن تتم مناداتهم بأسمائهم الأخيرة لأخذ أصواتهم على مقترح الفقرة الأولى، ولكن صمتًا عميقًا مثقلًا بالسخرية ساد المجلس عندما كانت عائلة «عطية» أول اسم نودي عليه، ليرجع المنادي للاسم الأول ليوضح مَن مِن الأخوين في المجلس يقصد، خليل أم خميس.

ثمانية عشر نائبًا فقط من أصل ١٥٠ صوتوا مخالفين لتمرير الفقرة الأولى من التعديلات، المتعلقة بصلاحيات الملك، والتي ستضيف فقرة ثانية إلى المادة ٤٠ من الدستور. ينتابك شعور وأنت تسمع مناقشة النواب بأنك في ماراثون ولاء يتهافت فيه الموافقون أو المعارضون على حد سواء بتسجيل حبهم لجلالة الملك وثقتهم به. ولِمَ لا، وممثلو الديوان الملكي يجلسون على زاوية الشرفة وبيدهم قائمة بأسماء النواب لتسجيل من صوّت بنعم ومن صوّت لا. كان على كل من عارض توسيع صلاحيات الملك أن يثبت وباسترسال أن رغبته في إصلاح الدستور لا تتعارض مع إيمانه بأن الملك أسمى من كل شيء، وأن هذه التعديلات ليست في مصلحته.

فمثلًا، بدأ عبد الكريم الدغمي مداخلته خلال نقاش التعديلات بموشح جميل يصف فيه مكانة الملك في قلوب وعقول ووجدان الأردنيين، مادحًا قانون العقوبات الذي يحمي الملك من إطالة اللسان عليه. لكنه فاجئنا بعد ذلك بالقول «لا مسؤولية دون مساءلة». افترض الدغمي سيناريو يضرب فيه عنصر من الدرك أحد المواطنين في اعتصام ويعذبه، وسأل بعدها «من نسأل؟ رئيس الحكومة بقول لك أنا مش مسؤول عنه، مدير الدرك بقول أنا مش مسؤول عنه، بنقدر نسأل جلالة الملك؟ جلالة الملك مصان من كل مسؤولية، لا دستوريًا ولا أدبيًا. [هذا] انقلاب على النظام السياسي الدستوري الأردني ويجب أن لا نقبل به».

تلحق مداخلة الدغمي مداخلات تشتت الأسئلة الجدية التي طرحها بخطابات لا يُفهم منها شيء.

تحدث أمجد المجالي بلغة خطابية أسكتت محادثات المجلس الجانبية، معارضًا التعديلات المطروحة لأنه أقسم على الإخلاص لله والوطن والملك. لكن بالنسبة له، فإن التعديلات ستلغي النظام البرلماني كما ألغت جهات الولاية العامة للحكومة، وقد تؤدي إلى أن تغيب صورة الملك الرمزية المشرقة التي لا يريد الأردنيون لها أن تُمس أو تتغير.

من الواضح أن النواب الحاليين غير معنيين بالتمسك بصلاحياتهم بالنيابة عن الشعب طالما أن مطامعهم لا تتجاوز وجاهة مكانتهم وممارستهم لدورهم الخدماتي بين أهاليهم.

أما من دافعوا عن زيادة صلاحيات الملك، وهم أكثر النواب، فتراوحت أسبابهم بين الإيمان بأن الملك ببساطة هو الوحيد القادر على صون الدستور وإرساء الفصل بين السلطات، أو الذهاب إلى تحليل أكثر عمقًا بأن التعديلات ضرورية لضمان استقلال مؤسسات الدولة الأساسية من الجيش والدرك والقضاء حتى لا تكون تابعة لسياسة حكومات معينة. أما البعض، فكان أساس موقفه من التعديلات هو مقارنة صلاحيات الملك التنفيذية الجديدة بالحالية، فيسأل: ألا يدرك الذين يتحدثون عن المحاسبة أن الملك يقود السلطة التنفيذية حاليًا من خلال حكومة لا يحاسب الملك على أفعالها إن أخطأت لأنه مصون؟ لم الضجة إذن وهذه التعديلات لم تأتِ بجديد؟

أقر المجلس، الجهة الوحيدة التي تجسد مادة «الشعب هو مصدر السلطات» في الدستور، الفقرة الأولى من التعديلات الدستورية بموافقة ١٣٨ نائبًا ومعارضة ١٨، فأصبحت صلاحيات الملك تشمل تعيين رئيس مجلس الأعيان وأعضائه وقبول استقالته، وتعيين رئيس المجلس القضائي وقبول استقالته، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها وقبول استقالاتهم، وتعيين قائد الجيش، ومدير المخابرات العامة، ومدير الدرك وإنهاء خدماتهم.

وعلى غير عادة الجلسات النيابية التي تعيش دائمًا قلق ضياع ماء وجهها من قرب فقدان نصابها، غاب فقط عشرة نواب عن جلسة الأمس.

عندما ظهر مشروع قانون الانتخاب الأخير في آب الماضي، انشغلنا برغبتنا في تحقيق مكاسب في التمثيل النسبي والبرامجية الحزبية، ناسين أن الدستور عُدل مرتين في آخر ثلاث سنوات لتقليص دور البرلمان كممارس للسلطات نيابة عن الشعب وليتفرد الملك بالحكم ويدخل السلطة التنفيذية والتشريعية معًا (الآن مع تعيينه لمجلس الأعيان). خرجت من المجلس وكلي إعجاب بمن يحيك خطوات ما يسمى بمسيرة الإصلاح. تُوهم الشعب بقانون انتخاب عصري جديد، رغم كل علله وحدوده، وتلتف من جهة ثانية لتسلب منه صلاحيات تعيين رؤوس أهم مؤسسات الحكم بتغيير هادئ متكرر للدستور. يتحدث البعض عن أن الأردن لا تتحمل القفز إلى دولة مؤسسات نيابية حزبية، وأن سبب استقرار الأردن للآن هو استقرار مؤسساته العسكرية والقضائية التي لا تتبع أي تسييس. حتى وإن كان في كلامهم منطقٌ ما زلنا نحاول فهمه، هل كثير على الأردن أيضًا في هذه المرحلة أن ترسي أهم مبادئ الحكم، «لا مسؤولية دون مساءلة»؟ وحتى وإن كان الملك الأقدر على تعيين رؤساء الدرك والجيش والسلطة القضائية، كيف نضمن الاستقرار دون المحاسبة؟

من الواضح أن النواب الحاليين غير معنيين بالتمسك بصلاحياتهم بالنيابة عن الشعب طالما أن مطامعهم لا تتجاوز وجاهة مكانتهم وممارستهم لدورهم الخدماتي بين أهاليهم. فتسليمهم جزءًا من سلطتهم يعفيهم أيضًا من المساءلة تجاه قرارات لم يتخذوها. وعندما يكون الملك معفيًا من المحاسبة، فإن من يعينهم في السلطة التنفيذية والتشريعية يعفون منها كذلك.