«الأمة القبطية»: تاريخ غير رسمي لمسيحيي مصر

الخميس 15 تشرين الثاني 2018
أحد السعف في كنيسة مار جرجيس في طنطا. تصوير محمد عبد الغني، رويترز.

يحمل تاريخ الكنيسة المصرية الحديث بعض الأحداث التي تم التغاضي عنها قسرًا لأنها كانت المقدمة التي شكلت العلاقة الحالية بين الكنيسة وشعبها. ولن يكون صادمًا أن ترى جيلًا أو جيلين نشأوا دون أن يعرفوا أن بعض الشباب المسيحي المصري قاد واحدة من أبرع التمردات المنظمة ضد رأس الكنيسة الممثلة في سلطة البابا وطريقة إدارته للكنيسة في عصر كان يتم فيه تشكيل الهوية القادمة للمصريين دينيًا وإقليميًا.

في 11 سبتمبر 1952، الموافق بداية السنة القبطية، شهد حوش مدرسة ثمرة التوفيق القبطية بالقاهرة احتفالًا بتأسيس جماعة «الأمة القبطية» على يد المحامي المصري الشاب إبراهيم هلال، ووصل عدد المدعوين إلى ما يقرب من ألف شخص، بين قيادات كنسية وشخصيات عامة، وشهد الاحتفال قبولًا وتشجيعًا من الكنيسة، إذ لم يعلم أحد آنذاك أن نهاية هذا التشجيع ستكون أسوأ من تصورات أكثر المتشائمين.

بعد عامين فقط من هذا التاريخ سيتصاعد الصدام بين الجماعة ودولة يوليو حديثة النشأة، للدرجة التي ستستدعي حل «الأمة القبطية» ومطاردة قياداتها، في إطار حملة الدولة آنذاك على التنظيمات والأحزاب. استطاع شباب الأقباط تأسيس تنظيم عقدي ذي ميل عسكري، يشبه بدرجة كبيرة نظيره الإسلامي الأشهر، «الإخوان المسلمين»، وإن استمر لفترة أقصر كثيرًا، ولم يُكتب له الانبعاث مجددًا، كما حدث للتنظيمات الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين.

من أجل «إصلاح» الكنيسة

كان توقيت إعلان الجماعة متزامنًا مع «تردي» حال الكنيسة المصرية تحت قيادة الأنبا يوساب، مطران جرجا الذي تولى منصب البابا عام 1946 بأمر ملكي. وتحكي المؤرخة المصرية إيريس حبيب المصري، في كتابها عن تاريخ الكنيسة القبطية، أن الأنبا يوساب لم يتمتع بشعبية كبيرة وسط الأقباط، إذ كان زاهدًا في أمور الدنيا ومتفرغًا للعبادة والصلاة، فترك شؤون الكنيسة لخادمه كامل جرجس، الذي بلغ من النفوذ والسطوة حدًا كبيرًا، فتدخل في تعيين المطارنة والأساقفة وكوّن ثروة شخصية ضخمة، ووصل به الأمر إلى تزويره رسالة عزل باسم البطريرك لأحد الأساقفة الذين وقفوا في وجهه.

يروي إبراهيم هلال في حوار أجراه عام 2010 كيف أن بعض فئات الشباب القبطي شعرت بالغضب جراء ما اعتبروه فسادًا طال الكنيسة، فتحمسوا لإنشاء كيان يهتم بشؤون الأقباط ويحيي هويتهم على غرار جماعة الإخوان المسلمين التي تأثرت بها الجماعة القبطية بدرجة كبيرة، إلى حد اقتباس شعارهم «الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» وتحويره إلى «الله ملكنا ومصر بلدنا والإنجيل شريعتنا والصليب رايتنا والقبطية لغتنا والشهادة لأجل المسيح غايتنا»، بالإضافة إلى اقتباس الشعار المصور للإخوان وتحويله إلى صليب وكتاب مقدس، وتحتهما عبارة «سيأتي اليوم».

بحسب هلال، شكلت الجماعة بديلًا اجتماعيًا لأقباط مصر الذين أهملتهم الكنيسة، وبدأت في التوسع بدرجة ملحوظة، فزاد عدد أعضائها ومكاتبها، وانضم لها بعض أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي، وهو ما ساهم في تقوية شوكتها، خصوصًا أن الجماعة لم تكن مجرد كيان غير رسمي، بل كانت جمعية مرخصة من وزارة الشؤون الاجتماعية واتخذت مقرًا رئيسيًا في حي الفجالة.

في كتابه «فتنة طائفية أم شرارة صراع على الهوية»، يروي عبد الله الطحاوي أن الجماعة حددت أهدافًا رئيسية، منها إصلاح شؤون الكنيسة ونشر تعاليم المسيح وتقديم المساعدة للشعب القبطي ونشر اللغة القبطية وتوجيه شباب الأقباط والاهتمام بجوانب حياته الروحية والرياضية والاجتماعية، وإصدار جريدة للتحدث باسم الأقباط والعمل على تكريم الكرسي البابوي واحترامه، بالإضافة إلى أن الجماعة كانت ترى أن مهمتها ليست فقط مساعدة الأقباط اجتماعيًا، وإنما كذلك «بناء الإنسان القبطي» وإعادة إحياء القومية القبطية، في وقت كان فيه المصريون يتجهون نحو إعادة اكتشاف هويتهم الدينية والقومية.

طرحت الجماعة مفهومها عن الإصلاح بقوة في بيانها الأول «إلى المسيحيين عامة والأقباط خاصة»، ورأت أن البذخ والفساد المستشريين في الكنيسة لا ينتميان للمسيح، وأن بناء الكنائس والأديرة لا يهم بقدر بناء الإنسان القبطي العالم بهويته، وغير المنفصل عن محيطه ومجتمعه. يمكننا أن نخمن بسهولة أن هدف الجماعة الرئيسي كان إعادة طرح مسألة الهوية على الأقباط في نفس الوقت الذي كانت جماعة الإخوان تطرح القضية نفسها على المسلمين.

نشاط الجماعة وتنظيمها الداخلي

وفقًا للطحاوي الذي ينقل في كتابه كذلك عن إبراهيم هلال، عكفت الجماعة على طبع المنشورات الدينية وتوزيعها في ربوع مصر، وطالبت الدولة بحصة في الإذاعة الرسمية.

وصلت عضوية الأمة القبطية عام 1954 إلى قرابة 90 ألف عضو، وكان العضو الجديد يؤدي طقوسًا أشبه بطقوس الولاء، فيضع يده على الكتاب المقدس ثم يقرأ بعض آياته ويدفع عضوية الاشتراك، وجرى كل هذا وفق نظام إداري شبيه كذلك بتنظيم الإخوان المسلمين، فكان للجماعة تقسيم إداري منظم يحتوي على لجان إعلامية وثقافية واجتماعية ومالية ورياضية.

كانت الجماعة ترى أن مهمتها ليست فقط مساعدة الأقباط اجتماعيًا، وإنما كذلك «بناء الإنسان القبطي» وإعادة إحياء القومية القبطية.

من بين الحملات السياسية التي قامت عليها الجماعة مثلًا أنها أرسلت مذكرة للجنة الدستور التي انعقدت عام 1953 لصياغة دستور جديد يحل محل دستور 1923 المُلغى بعد حركة الضباط الأحرار. اعترضت الأمة القبطية على اعتبار الإسلام دينًا رسميًا للدولة، وعلى المادة التي توجب أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا، ودعت إلى فصل الدين عن الدولة والتمسك بالهوية المصرية عوضًا عن العربية. طبع التنظيم هذه المذكرة ووزع منها نصف مليون نسخة.

بحسب رواية هلال، كانت الجماعة ترى نشاطها بالضرورة خارج الإطار الرسمي للكنيسة القبطية، فعندما طالب بعض الأقباط بدمج التنظيم مع «مدارس الأحد»، التي تأسست عام 1918 بهدف إصلاح الكنيسة كذلك، رفضت «الأمة القبطية» هذا المقترح رفضًا قاطعًا، لأن مدارس الأحد تسلك مسارًا إصلاحيًا من داخل الكنيسة، يعتمد على تعليم النشء وتثقيفه بدءًا من مرحلة الحضانة وحتى ما بعد الجامعة، ما يجعلها أقرب لمعاون تربوي يعمل دون صدام مع الكنيسة، ومن داخل أروقتها، ويعتمد على سياسة النفس الطويل. أما الأمة القبطية فكانت تستهدف هوية وحقوق الأقباط «دون أي تنازلات» ودون تضييع وقت في المهاترات مع قيادات الكنيسة في مسألة الإصلاح، بالإضافة إلى تبنيها رؤية قد تكون علمانية قليلًا بالقياس إلى الاتجاه الإصلاحي التقليدي لمدارس الأحد، وهو الأمر الذي تؤكده توجهات هلال نفسه، الذي حاول التحالف مع التيار العلماني المصري المزدهر آنذاك، وسعى لتقديم رؤية جديدة عن المسيح تشدد على الجانب الإنساني والاجتماعي من حياته وعدم حصره في الجانب الكهنوتي فقط.

يتسق هذا الموقف الثوري للتنظيم مع شخصية إبراهيم هلال نفسه، وقصة حياته كما يرويها، إذ عمل بعد تخرجه في النيابة لمدة لم تصل إلى أربعة  شهور، ثم استقال مبررًا ذلك بأنه لم يقوَ على حياة الأوامر والالتزام داخل السلك الروتيني للترقي الوظيفي. تركت الدولة هلال وتنظيمه يعملان بحرية نسبية طالما لم يتجاوزا خطوطًا حمراء بعينها، لكن هذا الاتفاق المضمر لم يكن ممكنًا له أن يستمر.

الصدام مع الدولة

فاض الكيل ببعض فئات الأقباط والقيادات الكنسية بسبب ما رأوه فسادًا استشرى في الكنيسة. عندها قررت جماعة الأمة القبطية أن الوقت قد حان للإطاحة بالبابا، في عملية مستقلة عن أي تدخل للدولة.

بحسب الرواية الرسمية التي ذكرتها الصحف القومية حينها، فإنه وفي فجر أحد أيام تموز/ يوليو 1954، وقبل الذكرى الثانية لحركة الضباط الأحرار بأيام، تحرك خمسة أعضاء مسلحين من الجماعة للبطريركية حيث يقيم البابا، وقيدوا عامل البوابة الرئيسية واقتحموا غرفة البابا، ثم قدموا إليه أوراق تنص على تنازله عن كرسي البابوية، وتعيين الأنبا ساويرس مطران المنيا آنذاك بدلًا عنه، ودعوة المجمع المقدس والمجلس الملي لانتخاب بطريرك جديد، وتوصية بتعديل لائحة انتخاب البطريرك كي يشترك في انتخابه جموع رعاياه بشكل ديموقراطي.

وقع البابا على الأوراق دون مقاومة، ثم اصطحبه أعضاء الجماعة إلى دير الراهبات في مارجرجس بمصر القديمة بناءً على رغبته، وأرسلت الجماعة بيانًا للصحف تعلن فيه أن البابا قد تنازل عن منصبه، وتطلب من الشعب القبطي المشاركة في انتخاب بطريرك آخر، وتحذر الدولة من التدخل. في اليوم التالي أرسلت الحكومة وزير التموين القبطي جندي عبد الملك لاحتواء الأزمة، لكنه فشل، فتدخلت الشرطة وحاصرت الكنيسة بقوات ضخمة، ثم اقتحمتها وقبضت على أعضاء التنظيم، وسط تجمهر من الأقباط المتعاطفين في الخارج، يذكر هلال أن نصف مليون قبطي تجمعوا في ميدان باب الحديد هاتفين «إبراهيم إبراهيم» دعمًا لمؤسس الحركة.

كان تعاطف الأقباط مع الجماعة مفهومًا، إذ أن البابا لم يكن يلقى أي قبول شعبي، وكان كذلك دائم الصدام مع قيادات أخرى في الكنيسة. فبحسب إيريس المصري، كان النزاع بين المجمع المقدس والبابا محتدمًا إلى حد إغلاق باب البطريركية في وجه أعضاء المجمع لمنعهم من تقديم مطالبهم الإصلاحية. لم يكن المجمع المقدس قادرًا مع ذلك على عزل البابا دون تأييد من الدولة أو من قاعدة شعبية لأن عزل البابا لا يتم بشكل رسمي إلّا في حالة «كفر» البابا ، وكان الحل في رأي هلال أن يمرر المجمع قرار العزل وتتحمل الجماعة المسؤولية السياسية أمام الدولة، باعتبارها وسيطًا بين الكنيسة والدولة من جهة، وبين عموم الأقباط من جهة أخرى.

وفقًا لرواية هلال للواقعة نفسها، فإنه يختلف مع الرواية الشائعة في نقطة أن عزل البابا حدث بالاتفاق مع المطارنة المستائين من الأوضاع داخل الكنيسة وهم الذين دخلوا غرفة البابا وتولوا مهمة إقناعه بالتوقيع دون عنف، ولم يتوجه أي عضو مسلح ناحية الكنيسة.

كانت جماعة الأمة القبطية تعبيرًا عن جيل مسيحي متحمس يبحث عن هويته في العصر الذهبي للقومية المصرية.

عمومًا، لم تكن الدولة بالطبع راضية عن التحالف بين الأمة القبطية والمجمع المقدس، فأعادت البطريرك إلى كرسيه في اليوم الرابع للحادث، لكن المجمع أصر على تنحيته وأصدر بيانًا بذلك، وانتهى الصراع برضوخ الدولة، فأُرسل البابا إلى دير المحرق في أسيوط وتم تكليف ثلاثة أساقفة بتولي شؤون البطريركية  فيما رُحِّل المقبوض عليهم من أبناء الأمة القبطية إلى سجن القلعة الذي كان مخصصًا للضباط الإنجليز. دعم المجمع المقدس أبناء التنظيم، وطالب البطريرك بالتنازل عن القضية والصفح عن المتهمين، فأفرجت الدولة عنهم تحت ضغط مطالب المجمع والمطالب الدولية، التي بلغت أن طلب السفير الأمريكي بالقاهرة مقابلة قيادات الجماعة بمحبسهم.

وأخيرًا، عندما بدأت الدولة التخطيط لإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية، يترتب عليه إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية، وقف المجمع المقدس بقوة معارضًا لهذا القانون، وخرج أبناء الجماعة إلى الشوارع في مظاهرة أمام مجلس الوزراء، عندها قررت الدولة أن تضرب الجماعة بعنف، فاعتقلت إبراهيم هلال وباقي القيادات وقدمتهم لمحاكمات عسكرية عام 1954، لينتهي الحال بهم جميعًا إلى السجن مرة أخرى.

كان حادث خطف البابا تتويجًا لنشاط الجماعة الذي سبب قلقًا مفهومًا للدولة، فالمذكرة التي قدمتها الأمة القبطية إلى لجنة الدستور، والموقف الرافض لقانون الأحوال الشخصية والمظاهرة الضخمة التي حشدوا لها رسخ كل ذلك خوفًا عند الدولة من قيادة التنظيم للمسيحيين خارج الأطر الرسمية المتمثلة في الكنيسة، وأصبحت قدرتهم على بسط سيطرتهم على الكنيسة وشيكة، خصوصًا بعد تحالفهم مع المجمع المقدس.

هل يكرر الزمن ذاته؟

كانت جماعة الأمة القبطية تعبيرًا عن جيل مسيحي متحمس يبحث عن هويته في العصر الذهبي للقومية المصرية. جيل محاصَر بين الهوية الرسمية التي تشكلت حول دولة يوليو، والهوية الإسلامية التي وجدت تعبيرها السياسي في جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتفرعة عنها. لكن نهاية هذا المشروع كانت أسرع كثيرًا من نظيريه، إذ كان حل الجماعة وسجن قياداتها نهاية لأي صوت مخالف لوجهة النظر الرسمية التي مثلتها الكنيسة، فاتجه أعضاؤها إلى الهجرة خارج البلاد أو الرهبنة، ليُسدل الستار على آخر حركة قبطية  سلكت مسارًا مختلفًا.

لكن، هل يمكن للتجربة أن تتكرر؟

برأيي، لا يمكن استنساخ التجربة مرة أخرى لسببين: الأول هو السياق التاريخي الذي شهدته التجربة. دعونا نتخيل الأمر كأنه اليوم أمامنا: الدولة تشهد تحركات كبيرة حوّلت شكلها من مملكة إلى جمهورية، الإخوان المسلمون يطرحون سؤال الهوية على المسلمين المتحمسين، والدولة الناشئة تبدأ في زرع بذور القومية التي ستشكل هوية المصريين فيما بعد. في هذه الأجواء، كان إبراهيم هلال قد فكر في طرح السؤال نفسه على المسيحيين، لأن المناخ كان ملائمًا لطرح هذه الاسئلة ولهذا لاقت الفكرة صدىً كبيرًا، هذا الصدى وهذه الأجواء غير موجودة الآن، والسياق التاريخي تجاوزه.

أما السبب الثاني، فهو علاقة المجموع المسيحي بكنيسته الآن. في الخمسينيات، لم تكن علاقة المسيحيين المصريين بالكنيسة بالقوة التي نراها الآن. وقتها، لم تكن الكنيسة تهتم كثيرًا بشؤون رعاياها، ولم تكن تهتم بالجوانب الاجتماعية. منذ مجيء البابا شنودة إلى رأس الكنيسة، عمل على تغيير هذه المعطيات، والفراغ الذي كان موجودًا في العلاقة بين المسيحيين وكنيستهم ملأته دعوة هلال لأنها كانت البديل الوحيد لدى المواطن المسيحي البسيط، هذا الفراغ تم ملؤه الآن، وتم إضفاء الكثير من القدسية على قيادة الكنيسة، مما يفشل كل دعوات للتمرّد على الكنيسة.

رغم ذلك، ما تزال قراءة هذه التجربة التاريخية مهمة لتلافي تصوير العلاقة بين المسيحيين المصريين وكنيستهم على أنها علاقة ثابتة لا تتأثر بالمحيط، أو تنبع من ولاء جوهري متجاوز للظروف الاجتماعية.