رأي

فاجعة البحر الميت: ما معنى أن تكون في موقع المسؤولية؟

الأحد 28 تشرين الأول 2018
لجنة تقصي الحقائق في فاجعة البحر الميت. المصدر: بترا.

كان وصف حادثة البحر الميت بـ«الفاجعة الوطنية» صائبًا في تدليله على حجمها المتمثل بموت وإصابة العشرات، وعلى طبيعتها الخاصة نظرًا لأن غالبية الضحايا كانوا من الأطفال. كما حمل وصف «الوطنية» إشارة إلى أن المُصاب يخصنا «جميعًا»، سواء وقع علينا أم لم يقع، مع أهمية التمييز بين هذا وذاك. إن كان هناك قضايا في الحياة لا تخضع لحظة وقوعها للمناكفات السياسية أو لتصفية الحسابات بين طرفي معادلة معارضة-حكم، فهي مثل هذه الفاجعات الوطنية. لكن إخضاع قضايا من هذا النوع للمغالبة السياسية من أجل درء اللوم عن الذات ليس حكرًا على خصوم السلطة، كما يحلو للبعض أن يصور. وإدارة حكومة عمر الرزاز لهذه الحادثة خير دليل على ذلك.

بدل أن يخرج رئيس الوزراء للناس في الساعات الأولى للحادثة طالبًا من الجميع التعامل مع الحادثة بحساسية وطنية والتروي وعدم الاستعجال بإلقاء المسؤولية على جهة محددة وأن يطلب بعض الوقت للسيطرة على الحادثة والتعامل مع ضحاياها وعائلاتهم قبل التعليق عليها، خرج مستعجًلا ليدافع عن نفسه وحكومته محملًا المدرسة مسؤولية حادثة بهذا الحجم. إذ نشر الرزاز تغريدة أرفق معها كتابًا من وزارة التربية والتعليم موجهًا للمدرسة يبين أن المدرسة غيرت وجهة الرحلة التي وافقت عليها الوزارة إلى وجهة أخرى. «الدّرس الأساس هو وجوب التزام الجميع بالأنظمة والتعليمات»، قال الرزاز، متنصلًا بشكل مباشر من المسؤولية.

وعلى خطى رئيس الوزراء، خرج العديد من الوزراء يدافعون عن أنفسهم. جمانة غنيمات، الناطق الرسمي باسم الحكومة، صرحت لقناة المملكة بأن «النتائج، الاتهام، تحميل المسؤوليات تترك للقضاء»، في الوقت الذي مارست فيه هي ورئيس حكومتها وبعض وزاراتها عكس ما قالته تمامًا. إذ أكد وزير الشؤون البلدية المهندس وليد المصري أن «لا وزارة الأشغال مسؤولة، ولا وزارة البلديات مسؤولة، ولا وزارة الصحة، المسؤول اللي سيّر رحلة مدرسية لوادي في ظروف جوية سيئة». فيما قال وزير التربية والتعليم عزمي محافظة إن «منظم الرحلة يتحمل بالكامل مسؤولية ما جرى»، مضيفًا أن المدرسة خالفت إجراءات السلامة التي تشترطها الوزارة، فضلًا عن مخالفتها للمسار الموافق عليه.

مثل هذه التصريحات أججت مشاعر الغضب لدى الكثيرين -حتى ممن يعتقدون بأولوية التعامل مع الحادثة وضحاياها وعائلاتهم وعدم الاستعجال بالاتهام- تجاه تعاطي الحكومة مع قضية تحمل هذا القدر من الحساسية المجتمعية. انعدام المسؤولية لم يقتصر على الحادثة نفسها، فقد كان من الممكن أن يكون لتصريحات الرزاز ووزرائه تبعات كبيرة، فقد حرّضوا، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، على المدرسة وأصحابها في وقت كان فيه أهالي الضحايا في حالة من الهلع والعصبية المفرطة نتيجة ما أصاب أبناءهم. لوم المدرسة بهذا الشكل مثّل تخليًا عن أحد أبسط واجبات الدولة في أن تحمي المخطئ من تداعيات ثأرية، لا أن ترفع الغطاء عنه.

تنصل الحكومة من مسؤوليتها امتد إلى الاضطراب الواضح في إدارة التعامل مع أهالي الضحايا والمصابين والمفقودين. فقد تُرك الأهالي وهم في هذه الحالة النفسية الصعبة وحدهم يتنقلون بين ست مستشفيات بعضها في محافظات مختلفة ومتباعدة جغرافيًا، ولم يكن لديهم أي وجهة رسمية أخرى يلجأون لها لمعرفة مصير أبنائهم أو للحصول على أي مستجدات تخصهم.

بدلًا من ترك الناس «يقبعون شوكهم بأيديهم»، كان يمكن أن تشكل الحكومة غرفة عمليات مشتركة بين عدد من الجهات المختصة من الأمن العام ووزارة الصحة والدفاع المدني في مكان محدد يستطيع الأهالي التواصل معه والذهاب إليه، بحيث يكون مخزن ومصدر للمعلومات الخاصة بتفاصيل أماكن تواجد الضحايا والمصابين وأوضاعهم، ليحصل الأهالي على هذه المعلومات من جهة واحدة معتمدة. مثل هذا القرار كان من الممكن أن يسهل على الأهالي عبء التوتر والعذاب النفسي المصاحب للبحث عن أبنائهم بين المدرسة والمستشفيات، فضلًا عمن نزلوا للشاطئ ليبحثوا عن أبنائهم بأنفسهم. لكن تعنت بعض الوزراء وشعورهم بالتفوق الزائف يمنعهم أن يعترفوا بأي تقصير، لهذا من غير المفاجئ أن يصف المصري أداء جميع الأجهزة والوزارات بـ«الأداء المتميز» وهو أحد أعضاء لجنة تقصي حقائق شكلتها الحكومة للوقوف على ما حدث.

تعنت بعض الوزراء وشعورهم بالتفوق الزائف يمنعهم أن يعترفوا بأي تقصير، لهذا من غير المفاجئ أن يصف الوزير وليد المصري أداء جميع الأجهزة والوزارات بـ«الأداء المتميز»

بمثل هذه الإدارة للأزمة، من الطبيعي أن يشعر خال الطفلة سارة أبو سيدو التي كانت آخر المفقودين أن الحكومة تستخف بمواطنيها ولا تلقي لهم بالًا. «بدلًا من إيلاء الضحايا وذويهم الأولوية، انشغلوا بإلقاء التهم على المدرسة. خرج المسؤولون لطمأنة الدول الاجنبية على رعاياها السياح، أما الضحايا الاردنيين فلا حاجة للمسؤول في الاهتمام بهم»، يقول خال الفتاة أبو سيدو وفقًا لموقع عمون. هذا فضلًا عن تعامل غنيمات مع العائلة بطريقة لا تتناسب مع حجم المصاب حين أبدت «استغرابها» من فقدان آثار الفتاة أثناء محادثة هاتفية مع والدها بالقول «غريب، وين بدها تروح؟»، قبل أن يتضح أن جثة سارة كانت قد سُلمت بالخطأ لعائلة أخرى.

إصرار الحكومة على رمي كارثة بهذا الحجم في حضن المدرسة وحدها ليس فقط هروبًا من المسؤولية السياسية، بل هو تسخيف للمسألة واختزال لأبعادها المتعددة. فالمكان الذي وقعت فيه الحادثة يتوافد عليه الكثيرون باستمرار، وهو واحد من الأماكن القليلة المتاحة التي يستطيع الناس الوصول إليها والاستمتاع بمياهها بالمجان. وعلى طول امتداد البحر الميت من بعد منطقة الفنادق لنهاية البحر، لا يوجد مكان مجهز وآمن ومجاني تستطيع الناس الجلوس فيه. ولو كانت الحادثة قد وقعت يوم جمعة لكان من المحتمل أن يكون عدد المتنزهين أكبر مما كان، ولكانت احتمالية الفاجعة ستظل قائمة، بعيدًا عن وجود باص مدرسة مخالفة للتعليمات من عدمه. ماذا فعلت الحكومات المتتالية لتوفير وسائل السلامة العامة في تلك المناطق غير وضع لافتات تحذر من السباحة والجلوس تعلم الحكومة جيدًا أن الكثيرين لا يتعاملون معها بجدية؟ أم أن المنطقة لا ينقصها شيء وأن الإجراء الوقائي الوحيد كان عدم وجود الأطفال هناك؟ كما قال المصري.

فوق ذلك، ترافق هذا التنصل العملي من المسؤولية مع غياب لرواية رسمية واضحة، ما فتح الباب بطبيعة الحال لروايات أخرى لتحل محلها. فقد أشار العديدون على مواقع التواصل الاجتماعي يوم الجمعة إلى أن سبب تدفق السيل بهذا الحجم في الوادي يعود إلى فتح بوابات سد زرقاء – ماعين، الأمر الذي استدعى رد وزارة المياه والري لنفي هذه الرواية واستغرابها، كما عبّر الناطق باسم الوزارة عمر سلامة.

لكن ما تم تداوله بخصوص السد لا يستدعي أي استغراب، في ظل عدم استشعار الحكومة لضرورة تقديم رواية كاملة لمواطنيها والاكتفاء بتصريحات متقطعة لوسائل الإعلام. ما الذي كان يمنع الحكومة من الخروج في مؤتمر صحفي لإبلاغ الناس بتفاصيل الحادثة وكيف وقعت وكيف تم التعامل معها، إضافة إلى تقديم شرح علمي مفصل عن طبيعة المكان وعلاقته بقوة تدفق السيل وغيرها من التفاصيل، بدلًا من تكرار لوم المدرسة وتكذيب الروايات التي لم يُقدم لها بديل ذو مصداقية؟

بعد كل ذلك، شكلت الحكومة بتوجيهات من الملك لجنة لتقصي الحقائق تهدف للوقوف على حيثيات الحادثة واتخاذ التدابير اللازمة بشأنها وضمت اللجنة في عضويتها مجموعة من الوزراء ويترأسها نائب رئيس الوزراء رجائي المعشر الذي صرح بأن اللجنة لن «تقبل بأقل من الحقيقة الكاملة». تشكيل اللجنة بعد تنصل الحكومة ووزرائها من أي مسؤولة، إضافة إلى حصر عضوية اللجنة بالوزراء فقط، يضفي طابعًا مسرحيًا على هذا الشكل من اللجان التي تدعي البحث عن الحقيقة، ويوحي بأن الحكومة طرف محايد في القضية وليست جهة عليها أن تخضع للمساءلة عما حدث. فالجهة التي تعاملت مع كارثة بهذا الحجم باستخفاف وتنصل من المسؤولية، من المنطقي تمامًا أن ينظر لها الأردنيون بوصفها جهة غير مؤتمنة على كشف «الحقيقة الكاملة» لما جرى، كما هي غير مؤتمنة على إدارة البلد.