التعامل مع الإسلام السياسي: بين الدمج والاستبعاد

الجزء الثاني

التعامل مع الإسلام السياسي: بين الدمج والاستبعاد

الإثنين 16 تموز 2018

(هذا المقال، بجزأيه، هو الأخير ضمن ملف تنشره حبر بمناسبة مرور تسعين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.  يمكنكم قراءة المقالات السابقة من هنا، المقال الأول، المقال الثاني، المقال الثالث، المقال الرابع، المقال الخامس، المقال السادس)

(لقراءة الجزء الأول من المقال)

لم تغادر مصطلحات الإسلاموية وما بعد الإسلاموية استراتيجية التسمية، وحدود التوظيفـة، ففي حالة الدراسات الإسلامية وبحث الحركات الإسلامية على وجه الخصوص، تغدو الإشكالية مضاعفة، حيث ترتبط المعرفة بنزعة استراتيجية إمبريالية، فقد دخلت الجماعات الجهادية وهي سليلة الإسلاموية طور العالمية كردّ فعل على ديناميكية العولمة1، عقب التحولات البنيوية في الحقل الاستراتيجي الدولي بين عامي 1989 و1992 بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان عام 1989، ونشوب حرب الخليج الثانية، والحملة الأمريكية الفاشلة في الصومال2. أدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية إلى بروز الولايات المتحدة بوصفها قوة إمبراطورية إمبريالية مهيمنة تسعى للسيطرة والتوسع وفرض نظام عالمي جديد، حيث شهدت التحولات الاستراتيجية تغيرًا في التصور الأمريكي المتعلق بالواقع السياسي الدولي، الذي ساد أثناء حقبة الحرب الباردة، والذي تبنى استراتيجية أمريكية سياسية عسكرية، تقوم على مبدأ «الاحتواء» للمجال الجيوسياسي للشيوعية، ومبدأ «الردع» للقوة السوفييتية التقليدية والنووية، حيث وقعت الولايات المتحدة في أزمة فراغ أيديولوجي وسياسي أدى إلى ظهور رؤى متعددة في تحديد المستقبل3، فقد تبنى الرئيس جورج بوش (الأب) فكرة «نظام عالمي جديد»، قوامه ضمان الهيمنة والسيطرة الأمريكية على العالم.

في هذا السياق ظهرت أطروحة فرانسيس فوكوياما، التي تبشر بالانتصار النهائي للديمقراطية، ورأسمالية السوق والإعلان عن نهاية التاريخ، وبروز الفاشية الإسلامية4، إلا أن المؤسسة السياسية الإيديولوجية الأمريكية تبنت تصورًا مغايرًا جديدًا لطبيعة الأخطار المستقبلية تمثلت بمفهوم«الدول المارقة»، التي تمتلك القدرة على تطوير أسلحة الدمار الشامل، أو تسعى لامتلاكها مثل العراق، وإيران، وليبيا، وكوريا الشمالية5، وفي هذا السياق برزت أطروحة صموئيل هنتنجتون، حول «صدام الحضارات»، والتي تتبنى مقاربة ثقافوية استشرافية تنص على أن الصراع العالمي عقب نهاية الحرب الباردة لن يكون اقتصاديًا، ولا جيواستراتيجيًا، بل حضاريًا بامتياز، ذلك أن الجماعات الثقافية سوف تحل محل كتل الحرب الباردة، وخطوط التماس بين الحضارات سوف تصبح هي الخطوط المركزية للصراع في السياسات العالمية، واعتبر هنتنجتون، أن الإسلام هو قوام القوة الظلامية في العالم، بسبب نزوع المسلمين نحو الصراع والعنف، ولذلك فقد قرر أن الصدام سيكون حتمياُ، بين الإسلام والغرب6، وهي أطروحة ثقافوية تتماهى مع الرؤية الاستشراقية النمطية حول الإسلام7.

كانت رسالة المستشرق الشهير برنارد لويس السياسية لأمريكا عقب هجمات سبتمبر، ــ وهو يتمتع بتأثير بالغ على صناعة السياسة الخارجية الأمريكية وعلى صناع القرار في واشنطن ـــ، بشأن الشرق الأوسط عام 2001 بسيطة وصارمة وملخصها: «إذا ظل الشرق الأوسط يسير في هذا المنحى فإن المهاجم الانتحاري سيصبح رمزًا لكل منطقة الشرق الأوسط ولن يكون هناك مخرج من مستنقع الكراهية والبغضاء والغضب وجلد الذات والفقر والطغيان». وكانت رسالته إلى الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع المنطقة واضحة وصارمة مفادها: «كونوا حازمين أو اتركوا المنطقة»، وقد أطلق البعض على رسالة لويس اسم «مذهب لويس»، وعرفت صحيفة وول ستريت جورنال نظرية لويس بـ«زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة للقضاء على الإرهاب»8، وهي رسالة سوف يتبناها المحافظون الجدد الذين سيطروا على مقاليد الإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ تولي بوش (الابن) مقاليد الرئاسة9.

في هذا السياق برز مصطلح الإسلاموية، وما بعد الإسلاموية في ظروف استراتيجية وجيوبوليتيكية دولية حيوية بالغة الأثر، فقد عملت أحداث 11 سبتمبر 2001، على استدعاء الإسلاموية وما بعدها في سبيل البحث عن استراتيجية مواجهة واحتواء الجهادية الإسلاموية القاعدية الصاعدة. إذ تبنت الإدارة الأمريكية والإدارات الأوروبية نهجًا يقوم على أساس الفصل بين «المعتدلين» و«المتطرفين»، مع صعود المقاربة الاستشراقية الثقافوية للمحافظين الجدد، التي شددت على أن الأنظمة الدكتاتورية والثقافة الدينية للمنطقة العربية تمثل محركًا أساسيًا للتطرف والعنف والإرهاب، وأن الحل يكمن بتغيير ثقافة المنطقة وإحداث إصلاحات على طبيعة الأنظمة المحلية السلطوية دون تغييرها10، في سبيل إعادة هيكلة المجال السياسي والحقل الديني، وضمان عبور آمن من السلطوية إلى الديمقراطية، ذلك أن مجموعات كثيرة تم استبعادها وقمعها أو تهميشها من قبل أنظمة وحكومات سابقة ترغب في المشاركة والإدماج.

يشير انتشار أطروحة ما بعد الإسلام السياسي بوضوح إلى سعي الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، لاستدخال حركات إسلام سياسي في إطار تحولات ما بعد الإسلاموية، بالانخراط في بنية الدولة الوطنية السلطوية، والقبول بالديمقراطية والتعددية، باعتبارها تشكل جدارًا واقيًا من التطرف والعنف والإرهاب. حيث برزت نظريات الإدماج السياسي التي تستند إلى فرضية الاشتمال ـــ الاعتدال، إذ «نوقشت (الفرضية) مطولا من زاوية اشتمال الأحزاب الإسلامية في إطار عمليات التحرر السياسي المحدودة في الشرق الاوسط والمهيمن عليها من قبل الدولة»11.

تحت وطأة حدث 11 سبتمبر 2001 جرت عمليات استدخال الإسلاموية بصيغتها الما بعدية المعتدلة في إطار الدولة الوطنية، بهدف محاربة واحتواء الجهادية باعتبارها إرهابوية. وتعاملت الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات المحلية العربية والإسلامية مع ممثل الإسلام السياسي الأبرز جماعة الإخوان المسلمين بوصفها جدار حماية ضد التحديات والمخاطر الشيوعية اليسارية والقومية إبان الحرب الباردة، ثم الإسلامية الراديكالية والجهادية مع حلول العولمة وصعود الجهادية. وبحسب إريك تراجر: «خلال العقد الذي أعقب هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، غالبًا ما أدى بحث المحللين الغربيين عن بديل «إسلامي معتدل» لـتنظيم «القاعدة»، إلى إرشادهم نحو جماعة «الإخوان المسلمين»، التي كانت تصريحاتها الرافضة للإرهاب واعتناقها السياسات الانتخابية مغرية»12.

اعتبر هنتنجتون، أن الإسلام هو قوام القوة الظلامية في العالم، بسبب نزوع المسلمين نحو الصراع والعنف، ولذلك فقد قرر أن الصدام سيكون حتمياُ، بين الإسلام والغرب

سوف يفضي منظورا الاعتدال/ التطرف ومقولات اشتمال الاعتدال إلى بروز ما بعد الإسلاموية في إطار الأنظمة التي باتت شبه سلطوية، والتي حرصت على إجراء تعديلات ديمقراطية انتخابية، إذ حضر الإسلام السياسي بقوة في كافة الانتخابات التي جرت بعد حدث سبتمبر، فقد فاز حزب العدالة والتنمية في تركيا 2002، وتقدّم تحالف الأحزاب الإسلامية في باكستان، حيث فاز في انتخابات المجلس الوطني لأول مرة في تاريخ الباكستان سنة 2002، وفي المغرب حصل حزب العدالة والتنمية على 42 مقعدًا بمجلس النواب محتلا المرتبة الثالثة ومشكلا أكبر كتلة برلمانية في المعارضة في انتخابات 2002، وإذا تتبعنا قائمة الدول العربية والإسلامية التي جرت فيها انتخابات بعد أحداث سبتمبر سوف نجد تقدمًا واضحًا للحركات الإسلامية.

سرعان ما ستعود الأنظمة السلطوية العربية والإسلامية إلى التحكم في مسارات الإدماج، فلطالما عرّف الاعتدال بالسلب بوصفه نقيضًا للراديكالية والتطرف، وهي مفاهيم تتحول في الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية إلى قضايا ذاتية غير موضوعية، حيث يصبح المعتدل رهنًا للسلطة السياسية التي ترغب باستدخاله وتطويعه لأهوائها دون أي قيد أو شرط، ودون أن تتغير هي. ومن الناحية النظرية فإن الاعتدال يستلزم عملية تغيير يمكن وصفها بأنها حركة على خط متصل من الراديكالية إلى الاعتدال، حيث كل ابتعاد عن الممارسات الإقصائية (من النوع الذي يعتبر جميع وجهات النظر البديلة غير شرعية، وبالتالي خطرة) يساوي زيادة في الاعتدال، لكن المشاركة السياسية للإخوان المسلمين في الأردن وفي العالم العربي، تؤكد على أن المكاسب التي يوفرها الانفتاح البنيوي تقع في سياق لعبة التحكم شبه السلطوي التي تعمل على استدخال الجماعة لتصبح جزءًا من منظومة ما وللعب وفقا لقواعد اللعبة (شبه السلطوية)، وهي قواعد تحددها وتسيطر عليها الأنظمة القائمة13. هذه العملية هي ما أطلق عليها صموئيل هنتنغتون «التبادل بين المشاركة والاعتدال»، وهي نوع من «الصفقة الديمقراطية»، بحيث تصبح جماعات المعارضة مؤهلة للاستفادة من الانفتاح السياسي فقط في حال الالتزام بـ«الاعتدال في التكتيكات والسياسة»، من خلال الموافقة على نبذ العنف وأي التزام آخر بالثورة، وتقبل الشكل القائم للمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية14.

إشكالية الاعتدال ــ الادماج غدت أكثر تعقيدًا عقب زوال «أعراض سبتمبر»، وقرب الإعلان عن نهاية «حرب الإرهاب»، الذي أفضى إلى صعود الإسلام السياسي، حيث عادت السياسات السلطوية المحلية التي تستند في رؤيتها إلى حركات الإسلام السياسي من منظور استشراقي يماهي بين الإسلام والعنف والإرهاب، ويتعامل مع تنوعات الحركات الإسلامية الدعوية والسياسية والجهادية باعتبارها اختلافات كمية لا نوعية، الأمر الذي جعل من مفهوم الاعتدال الإسلامي غير ذي قيمة، باعتبار الإسلام يتناقض مع الحداثة السياسية وفي مقدمتها الديمقراطية. والاعتدال الإسلامي بحسب المنظور الإستشراقي والثقافوي يعني التخلي عن الإسلام والدخول في أفق العلمنة والديمقراطية الليبرالية15، كما هو ظاهر في خطاب صدام الحضارات الثقافي مع أطروحات صموئيل هنتنغتون بصفة علنية16، وأطروحات التخويف من الإسلام، ومزاعم اضطهاده للأقليات، وقيامه على الإكراه والعنف، كما يتجلى بصورة فجة في الادعاءات الاستشراقية مع كتابات برنارد لويس17.

إذا تتبعنا مسارات الديمقراطية الانتخابية في سياق شبه سلطوي، سوف ندرك استحالة الادماج الكامل للإسلاميين، فبحسب ناثان براون بدا أن الإسلام السياسي يشارك في الانتخابات ليخسر في إطار لعبة المشاركة لا المغالبة، ذلك أن: «الأنظمة شبه السلطوية هي تلك التي تسمح للمعارضة ببعض الحيز لتنظيم نفسها والتنافس، لكنها تنكر عليها أي إمكانية لتشكيل حكومة. (..) وفي ظل شبه السلطوية قد تبرز المنظمات الاجتماعية المستقلة، بل وحتى تزدهر، لكن من غير المسموح لها أن تخطو بعيدًا نحو مملكة السياسة من دون المخاطرة بالتعرض إلى القمع»18.

الانتفاضات العربية وديناميات الداخل والخارج

لا يمكن مقاربة الإسلام السياسي دون فهم الديناميات الخارجية والداخلية المحددة لماضيه وحاضره ومستقبله. فمنذ انطلاق شرارة الانتفاضات العربية بداية 2011، برزت تحليلات تحاول تفسير عوامل وأسباب وسيرورات الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المنطقة، وقد شكل اندلاع هذه الانتفاضات مفاجأة للمحللين والباحثين الغربيين ولجزءٍ من المثقفين في العالم العربي، بسبب هيمنة براديغم عاجز عن فهم ديناميات المجتمع العربي، كان يرتكز على نظرية استمرارية الاستبداد. كانت هذه الدراسات تصور المجتمعات العربية «راكدة» و«عصية على التغيير» بسبب من ضعف، بل من غياب، إحساس شعوبها بالحاجة إلى الديموقراطية، وما تنطوي عليه من مبادئ ومعايير وآليات خاصة بالتمثيل السياسي والرقابة والمحاسبة؛ أي أنها عُدت مجتمعات «استثنائية»، تعهدها عسف سلطة استبدادية على مدى قرون.

«لقد ظل تحليل الوضع العربي أسير أنموذجين تفسيريين: المقاربة الاستشراقية الثقافية، والمقاربة البنيوية، ورغم عملية التحيين المحدودة في مجال الدراسات الشرق أوسطية، إلا أنها لم تتمكن من تجاوز تحيّزاتها المعرفية المتمركزة حول الذات الغربية بالنسبة للمقاربات الثقافية، والحتمية بالنسبة للمقاربات البنيوية، التي جعلتها غير قادرة على إدراك التحولات العميقة التي حصلت، فنتجت عنها إما مقاربات غائية تسعى إلى مقارنة ما وقع في العالم العربي بالثورات التي عاشتها أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، ومحاولة إسقاط نماذج حتمية «الانتقال الديموقراطي» على العالم العربي. وإما مقاربات تشكيكية في إمكانية الأحداث الجارية في العالم العربي من تحرير الدول العربية من ربقة الاستبداد وإبداع أنموذج حضاري جديد، والتخويف من «شتاء إسلامي» وأنموذج طالبان وأفغانستان والقاعدة». رغم تعاظم التبشير بأفول تنظيم الجهادية العالمية وتنظيم القاعدة بداية الانتفاضات العربية السلمية 2011، والتي تزامنت مع مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في 2 أيار/ مايو 2011.

توجِّه الولايات المتحدة سياستها الإمبريالية، منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب جوزيف مسعد، «بتمحيضها المشورة لوكلائها الأوروبيين والعالمثالثيين بشأن كيفية ضمانهم لسيطرة مستدامة. إلا أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ونتيجة الانتفاضات التي عمّت أرجاء العالم العربي، فقد عمدت الولايات المتحدة والنخب المسيطرة في العالم العربي إلى إعادة تقويم معادلة الهيمنة/القهر. حيث أضحت الأهداف الاستراتيجية الجديدة لكليهما تتمثل بتحديد توازن جديد للهيمنة والقهر، يضمن استمرار السيطرة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، للولايات المتحدة، في المنطقة، ويحافظ على استمرار حكم النُخَب العربية المتربحة من هذه التدابير والملتزمة بها. إذًا، لم تعد المداولات الجارية اليوم بين صُنّاع السياسات في الولايات المتحدة وعملائهم العرب، تتمحور حول حدود «الديمقراطية»، أو «الأتوقراطية»، التي يجب أن تحظى بها الشعوب العربية، بل حول المزيج الأنسب من الهيمنة والقهر (والفساد المكمِّل لهما) الضرورييّن لإنتاج التوازن السليم بين الحب والخوف الذي يضمن استقرار ترتيبات الهيمنة ذاتها التي تحكم المنطقة منذ بداية الحكم الإمبريالي للولايات المتحدة. فهدف الولايات المتحدة من هذه الاستراتيجية القديمة/الجديدة هو ضمان عدم تحوّل الربيع العربي إلى شتاء أمريكي، بل وديمومة ازدهار النيوليبرالية الأحدث المفروضة من قِبل الولايات المتحدة أينما حلّت»19.

قبل الربيع العربي كانت بعض الدراسات تصور المجتمعات العربية «راكدة» و«عصية على التغيير» بسبب من ضعف، بل من غياب، إحساس شعوبها بالحاجة إلى الديموقراطية

برهنت جماعة الإخوان المسلمين عقب الثورات العربية على أنها قوة إصلاحية لا مجال للتغلب عليها عبر صناديق الاقتراع، ولا يمكن تجاهل نفوذها وشعبيتها في المجال العام، وقد تم الإطاحة بالإسلام السياسي عبر الانقلابات بصيغ وتكتيكات عسكرية صريحة، الأمر الذي أفسح المجال لتقدم الحركات الجهادية كفاعل أساسي في بلدان عربية عديدة لأسباب موضوعية مفهومة تمثلت بالانقلاب العسكري على مخرجات العملية الديمقراطية في مصر، وعسكرة الثورات العربية في سوريا وليبيا، وتخريبها في اليمن وتطييفها في العراق. ومع دخول العالم العربي بداية 2011 حقبة جديدة من خلال الانتفاضات والثورات المناهضة للأنظمة السلطوية شكلت جماعة الإخوان المسلمين تحديًا أساسيًا للحركات الجهادية والأنظمة السلطوية، فقد تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم وفق آليات ديمقراطية تمثل «إرادة الشعب» بانتخابات حرة نزيهة، وأطيح بها عسكريًا بحجة إنقاذ الثورة والديمقراطية التي استولت عليها «الفاشية» الإسلامية، من خلال تبنى استراتيجية «الحرب على الإرهاب».

أدت حملة القمع الممنهج لحركات الإسلام السياسي إلى تنامي جاذبية الحركات الجهادية عمومًا، وتنظيم «الدولة الإسلامية» خصوصًا، فقد بات التنظيم خيارًا مفضلًا لدى الجهاديين الجدد، وتسربت قطاعات من الإسلام السياسي إلى صفوفه، وأصبح بؤرة الجذب المفضّلة للجهاديين من مختلف أنحاء العالم ومن كلا الجنسين. وبهذا «وُضِع الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة في إطار غير مألوف، بفضل ما يسميه حميد وماكانتس «الصدمتان التوأمان»: الانقلاب العسكري في مصر في العام 2013، الذي أطاح بالحكومة المنتخبة إسلامية القيادة بعد أن قضت بالكاد سنة في السلطة؛ وظهور دويلة «داعش» في العام 2014 في أعقاب هجمة المجموعة الوحشية عبر العراق وسورية. وكانت هناك بطبيعة الحال صدمة أبكر أيضًا: ما يُدعى «الربيع العربي» في العامين 2010-2011، الذي جلب لإسلاميي التيار السائد قدرًا من النفوذ والسلطة أكثر مما تمتعوا به في أي وقت سابق»20.

عقب ثورات الربيع العربي تبدلت كثير من القناعات المتعلقة بالإسلام السياسي، التي باتت تشكل تحديًا للإمبريالية الخارجية والدكتاتورية المحلية، وقد أفضى ذلك إلى تداعيات مهمة على الفرضيات القائمة منذ فترة طويلة حول جماعة الإخوان المسلمين خصوصا وحول الإسلاميين على نطاق أوسع. فبحسب مارك لينش: فإن الأطروحات التي كانت صامدة جيدًا قبل خمس سنوات مضت لم تعد تنطبق بالضرورة على الراهن .. «اعتقدت وجهة النظر المقابلة بأن جماعة الإخوان كانت مُيسِّرًا للتطرف العنيف، ولم تكن تعمل كحاجز ضده وإنما كخطوة على طريق يفضي إلى التطرف. وتقترح نظرية «الحزام الناقل» هذه أنه حتى لو أن جماعة الإخوان نفسها لم تقرَّ العنف، فإنها وضعت الأفراد على الطريق إلى التطرف، بحيث زادت بذلك الحجم الصافي للإرهابيين المحتملين. وأشار أصحاب هذه الرؤية إلى التناقضات وعدم الثبات في رفض الجماعة للعنف، مثل المكانة المستمرة التي يُمنحها المفكرون الجهاديون مثل سيد قطب، في أدبيات [الإخوان] أو بتأييدهم للعنف في أماكن مثل فلسطين أو العراق»21.

أحد الإشكالات الرئيسية التي عانت منها جماعة الإخوان المسلمين، والتي برزت عقب ثورات الربيع العربي، مسألة التباس وغموض وازدواجية السلطة الفكرية المرجعية، وجمود الهيكلية التنظيمية، فلا زالت أسيرة لأطروحاتها التوفيقية، فهي مترددة بين الانحياز إلى بنى تقليدية وأخرى تحديثية، فهي تقدم أفكارًا وتصورات عامة تندرج في إطار «ما بعد الإسلام السياسي»، بينما يصر قادتها على البقاء في أفق «الإسلام السياسي». في الوقت الذي حسمت فيه حركات إسلامية انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين خياراتها باتجاه ما بعد الإسلام السياسي، كما فعل حزب العدالة والتنمية التركي، ونظيره حزب العدالة والتنمية المغربي، وأخيرا حزب النهضة التونسي.

في هذا السياق لم يكن تراجع جماعة الإخوان المسلمين بسبب أيديولوجيتها وبرامجها بصورة أساسية، وإنما نتيجة تبدل الرؤية الدولية والمحلية والذهاب إلى خيار الاستبعاد والاستئصال العسكري أساسًا، فقد تراجعت الاستراتيجيات الدولية والمحلية عن تعريفها للإسلام السياسي باعتباره حالة اعتدالية سلمية تناهض الراديكالية العنيفة، والتي سادت عقب 11 سبتمبر 2001، واهتزت رهانات الإدماج، وبهذا تبدلت الأطروحات المتعلقة بالإسلام السياسي، مثل مقاربة «اشتمال الاعتدال»، ونظريات «جدار الحماية» ضد التطرف، وتعاظمت مقولات «الحزام الناقل» للعنف.

بعد الانتفاضات العربية والتدجين الذي حصل لها، لم تعد الكثير من الأطروحات القائمة حول الإخوان المسلمين ذات صلة بالواقع. فقد نشأ إطار مؤسسي وسياسي جديد كُليّة، والذي لم يعد يتميز بالسلطوية المقيمة، وبالتسامح مع وجود الحركات الإسلامية -وإنما حصرها في دور المعارضة السياسية الدائمة- وبالتمييز الواضح بين إسلاميي التيار السائد وبين الجماعات المتطرفة العنيفة، مثل تنظيم القاعدة. وكان الجدل حول ما إذا كانت المشاركة تعزز الاعتدال، على سبيل المثال، مرتكزًا على نوع من المؤسسات والفرص السياسية التي تغيرت جذريًا22.

عقب الإطاحة بحكم الإخوان في مصر عسكريًا، سارعت السعودية والإمارات بالترحيب بإقصاء الجماعة وعزل الرئيس الإخواني المنتخب محمد مرسي، ولم يقتصر الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين في مصر على عزلها سياسيًا عن الحكم والسلطة، بل تطور إلى حملة منسقة لنزع الشرعية القانونية عن الجماعة أسفرت عن تصنيفها بوصفها حركة إرهابية، ولم تقف عمليات نزع الشرعية عن الجماعة على وجودها في مصر، بل امتدت إلى بلدان عربية عديدة عمومًا وخليجية خصوصًا، حيث ضمّت السعودية الجماعة إلى قائمة المنظمات الإرهابية في 7 آذار/ مارس 2014، ثم تبعتها الإمارات العربية المتحدة في 15 تشرين ثاني/ نوفمبر2014، بوضعها على قائمة التنظيمات الإرهابية.

وفي سياق عمليات الاستبعاد والاستئصال التي واجهتها الجماعة، عمدت بلدان عديدة إلى اتخاذ جملة من الإجراءات تتضمن إعادة تقويم لطبيعة الجماعة وتهجها وأنشطتها، وتقديم مشاريع قوانين للتعامل مع الجماعة بوصفها حركة إرهابية. ففي بريطانيا خلص تقرير أعدته الحكومة البريطانية حول نشاطات حركة الإخوان المسلمين في 17 كانون أول/ ديسمبر2015، إلى أن عضوية الحركة أو الارتباط بها يجب أن يعد مؤشرًا ممكنًا للتطرف والإرهاب، لكنها تحفظت على اعتبار الجماعة إرهابية. وفي الولايات المتحدة تم تقديم مشروع قرار إلى الكونغرس الأميركي بتصنيف الجماعة على لائحة الإرهاب في 24 شباط/ فبراير 2016، وقد خلص المشروع إلى ذات الاستنتاجات التي تضمنها التقرير البريطاني.

إذا تأملنا المسارات التاريخية لجماعة الإخوان في العالم المشخص وتحولاتها على صعيد الخطاب والأيدولوجيا والفعل والممارسة، نظفر بحركة اجتماعية تستوعب في بنيتها التكوينية راديكالية سيد قطب وإصلاحية حسن الهضيبي

تموضعت بعض المقاربات العربية بالتعامل مع الإسلام السياسي داخل ثنايا المقاربة الأمريكية البريطانية. فالأردن اعتمد استراتيجية متدرّجة تموضعت بين مقاربتي الاستبعاد والإدماج، إذ لم تتبن النهج المصري السعودي الإماراتي باستئصال الجماعة وتصنيفها كحركة إرهابية، واعتمدت سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية والضغط على تيارات الجماعة لخلق حالة من الفرز والاستقطاب تفضي إلى دفع تيار «الحمائم» إلى مزيد من الاعتدال والتماهي مع سياسات الحكومة، وقد أفضت هذه السياسات إلى ولادة جماعة «زمزم»، ثم دفعت باتجاه ترخيص جمعية «الإخوان» تمهيدًا لنزع الشرعية القانونية عن الجماعة التاريخية كما عملت على دفع تيار«الحكماء» إلى تشكيل حزب جديد.

بينما تبنت المغرب نهجًا يقوم على الإدماج السياسي، إذ تشكل «نموذج مغربي» في إدماج الإسلاميين في العمل السياسي، وعمل المغرب على نحت نموذجه الخاص الذي يرتكز على قائمتين: تحييد المؤسسة الملكية عن دائرة التدافع السياسي، وجعلها مؤسسة فوق التيارات والأحزاب، والسماح للإسلاميين بالعمل السياسي وفق ضوابط معينة وبشكل متدرج. وقد أثّرت هذه الخصوصية على شكل التعاطي مع أحداث الربيع العربي، فالإسلاميون لم يرفعوا شعارات مناوئة للنظام، كما لم يدعوا إلى إسقاطه كما حصل في بلدان عربية أخرى، بل اقتصروا على رفع شعارات ذات طابع اجتماعي واقتصادي، أهمها محاربة الفساد وإصلاح القضاء والتوزيع العادل للثروة، وقد حقق الحزب فوزًا في انتخابات 2016، مارس/ آذار 2017، وقد عيّن الملك محمد السادس، سعد الدين العثماني رئيسًا للحكومة، خلفا لعبد الإله بنكيران وكلاهما من حزب العدالة والتنمية.

تعتبر الحالة التونسية استثنائية في العالم العربي بتخطي المراحل الانتقالية ما بعد الربيع العربي، من خلال صيغ توافقية بين الإسلام السياسي وبقية المكونات السياسية، ويوصف حزب النهضة بوصفه حركة ما بعد إسلاموية، وقد دخلت الحركة منعرجًا حاسمًا على صعيد الممارسة والخطاب بعد الثورة التونسية 2011، التي أعادت النهضة إلى تونس، وأوصلتها للحكم، وطورت خطابها وعدلت تصوراتها، وهو ما ظهر جليًا في مؤتمرها التاسع 2015 والعاشر 2016 الذي تم فيها إقرار الفصل بين الدعوي والسياسي في الحركة، وعرّفت فيه الحركة نفسها حزبًا ديمقراطيًا وطنيًا، وتبنّت مفهوما تاريخيًا وتأويليًا جديدًا لأصول التشريع الإسلامي والتاريخ الإسلامي ككل. وعلى صعيد الممارسة انفتحت النهضة على المجتمع المدني التونسي وعلى الأحزاب التونسية العلمانية، وهي تتواجد الآن جنبًا إلى جنب في الحكومة مع حزب النداء المحسوب على النظامين القديمين، وقبل ذلك شكلت حكومة «الترويكا» مع حزبين علمانيين يساريين هما حزب المؤتمر برئاسة منصف المرزوقي، وحزب التكتل برئاسة مصطفى بن جعفر. وقد فازت مؤخرًا في أول انتخابات بلدية تشهدها البلاد خلال فترة الانتقال الديمقراطي منذ 2011، والتي جرت في مايو 2018، بنسبة 27.5 %.

نظريات متضاربة

جدل المقاربات في التعامل مع الإسلام السياسي سوف ينقسم بين أنصار نظرية «كلهم متشابهون» التي تنظر إلى «الإسلام المتشدّد» كتيار واسع ومتماسك ومتجذّر في الدين وليس في السياسة التقليدية، وبين أنصار نظرية «كلهم متباينون» الذين يعتبرون أن ميدان السياسة الإسلامية ينقسم بين مجموعة واسعة من الأطياف الأيدولوجية والسياسية المتنافسة، وينظر أنصار نظرية «كلهم متشابهون» عامةً إلى «الإسلام المتشدّد» باعتباره كلًّا متماسكًا، مع تأدية مجموعات على غرار تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين أدوارًا مختلفة، لكنها في نهاية المطاف أقرب إلى التشابه منها إلى الاختلاف. ويعتبر أنصار هذه النظرية أنه قد يكون هناك تباين في التكتيكات بين هذه المجموعات، غير أنها تتشارك في نهاية الأمر الأهداف نفسها في شؤون الدين والحضارة، وتسعى خلف الغاية الاستراتيجية العليا نفسها، ألا وهي إنشاء خلافة إسلامية23.

في هذا السياق تعرّضت حركات الإسلام السياسي إلى سوء فهم مزدوج أدى إلى شن حملة شعواء على أيدولوجيتها وكيانيتها التنظيمية، فتنظيم الدولة الإسلامية يصفها بالنفاق والتخلي عن هويتها الإسلامية والارتهان للغرب من جهة، والمجتمع الدولي والدولة العربية الوطنية تصفها بالخبث والنفاق بمغازلة مفهوم الجماعات الإسلامية الراديكالية من جهة أخرى. وبهذا أصبح الإسلام السياسي تحت الحصار بسبب الالتباس وشيوع مقاربات اختزالية، وبدا غير قادر على التعامل مع التحدي المزدوج، وتلك نتيجة منطقية في سياق التحولات التي طالت الإسلام السياسي، فجماعة الإخوان المسلمين كحركة إحيائية دينية ترتكز في سلطتها المرجعية إلى المعجم الهوياتي الإسلامي الذي يقوم على تداخل المجالين الديني والسياسي، حيث تتوافر الجماعة على طاقة تأويلية تمزج بين النهجين الإصلاحي والنضالي، وإذا تأملنا المسارات التاريخية لجماعة الإخوان في العالم المشخص وتحولاتها على صعيد الخطاب والأيدولوجيا والفعل والممارسة، نظفر بحركة اجتماعية تستوعب في بنيتها التكوينية راديكالية سيد قطب وإصلاحية حسن الهضيبي، ذلك أن منظورات الشيخ المؤسس حسن البنا تتوافر على إمكانية الالتباس وتفسح المجال للتموضع بين عوالم دار الإسلام وعالم الدولة القومية، وهكذا لم يكن غريبًا أن نرى تحقّقات مختلفة للجماعة في بلدان وأمكنة عدة وفي ظروف وأزمنة متعددة، الأمر الذي دفع إلى الحيرة والاختلاف في تعريف الجماعة ودورها بين نقيضين من الاعتدال إلى التطرف بالتعامل معها تارة باعتبارها تمثل «جدار وقاية» ضد التطرف وتارة أخرى باعتبارها تعمل كـ«حزام ناقل» للتطرف العنيف.

إن مسارات الإسلام السياسي خصوصا ومسار الحركات الاجتماعية عموما تخضع لإكراهات سسيولوجيا التحولات في إطار من الاستمرارية والتحول. وقد كان واضحا خلال العقود الثلاث الماضية دخول جماعة الإخوان المسلمين في ديناميكية «التسييس» التي تستند إلى مفهوم «المصلحة» وتنشأ بفعل إكراهات الواقع وموازين القوى، والتي قادت إلى سلسلة من المواقف والخيارات والممارسات أفضت ببطء إلى تراجع النزعة الأيديولوجية الدينية وتنامي النزعة البراغماتية السياسية، وإذا نظرنا إلى بدايات تشكل جماعة الإخوان المسلمين فقد غلب عليها نزعة أيديولوجية تستند إلى معجم هوياتي ديني يقوم على مفاهيم أيديولوجية دينية تتأسس على مصطلحات الخلافة/ الأمة/ الجهاد، لتتحول بفعل ديناميكية التسييس والدخول في اللعبة الديمقراطية إلى حركة وطنية ترتكز إلى معجم سياسي يتأسس على مصطلحات الديمقراطية/ الشعب/ المقاومة.

بات مسار «الإسلام السياسي» هجينًا ملتبسًا عبر انتقاله من جماعة دينية هوياتية إلى حركة شبه سياسية إلى حزب سياسي مع بروز «ما بعد الإسلام السياسي»، وهو نتاج تحولات «الدولة الوطنية» من الأنظمة السلطوية إلى منعرجات الديمقراطية، وهي ديناميات تفرض نزعة تسييسية تهدف إلى التكيّف مع تغيرات البيئة السياسية للاستفادة والانتفاع بفضائلها، ذلك أن «التسييس» يفرض على الحركة الدخول في تكيّفات ضرورية للانخراط في العملية السياسية، وكلما تغلغلت في العمل السياسي وجدت نفسها تبتعد عن النظر الأيدولوجي وتنساق إلى تعديل مواقفها وخطاباتها بما يتناسب مع التزاماتها الجديدة في القبول بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، والانخراط في تحالفات مع أحزاب وقوى أخرى، وابتعدت عن التفكير في خيارات العنف والعمل المسلّح كخيار أزلي، ودفعت باتجاه تطوير المسار الديمقراطي والتفاوضي لما يحققه من مكاسب ومكافآت تعود علىها بالفائدة. لكن نزعة التسييس تتطلب التضحية بمنافع عديدة، وبهذا فإن ديناميكية التحول تخلق مزيدًا من الأزمات حيث تختلف الأنظار في حسابات الكلفة/ المنفعة.

كان واضحا خلال العقود الثلاث الماضية دخول جماعة الإخوان المسلمين في ديناميكية «التسييس» التي تستند إلى مفهوم «المصلحة» وتنشأ بفعل إكراهات الواقع وموازين القوى

يبدو أن أنصار النظريات المتضاربة في التعامل مع حركات الإسلام السياسي سيجدون ضالتهم في مسألة التشابه الإيديولوجي، كما سيجد أنصار نظرية التباين حججًا مناقضة، ذلك أن تشكّلات الهوية الأيدولوجية السياسية الإسلامية المعاصرة تنتمي في جذورها الأيدولوجية في النسخة الوهابيّة من السلفية وفي الإخوانية القطبية. وإذا كان المصدر المرجعي للجهادية بنسختها الوهابية قد ظهرت في غياب قوميّة مناهضة للاستعمار، فإنّ السلطة المرجعية الأخرى للجهادية قد ولدت من الرحم الكولونيالي الاستعماري، وأخذت بالتشكل عقب تفكيك الإمبراطورية العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية من خلال الترسيمة الإخوانية التي تبلورت لاحقًا مع سيّد قطب وأبو الأعلى المودودي.

لا تزال جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر تحافظ على نهجها الإحيائي الإصلاحي، وتقاوم الضغوطات الهائلة بتحويلها إلى حركة مسلحة عنيفة، وعلى الرغم من تصنيفها كحركة «إرهابية» في دول عربية عديد كمصر والسعودية والإمارات، وتعرضها لعمليات العنف الممنهج، إلا أنها تصر على سردية السلمية والإصلاح، ولكن الجماعة الممتدة في العالمين العربي والإسلامي، زاوجت بين النهجين تاريخيًا، ودخلت في جالة مزدوجة في مناطق عديدة كسوريا واليمن وليبيا.

خاتمة وآفاق

لا يزال الحكم على مستقبل الإسلام السياسي مبكرًا، ولا يتمتع حديث النهايات والفشل والإخفاق بالحد الأدنى من الدرس الموضوعي، والتحليل الدقيق، والتفسير والتنبؤ الصائب، ذلك أن مصطلح الإسلام السياسي لا يزال ملتبسًا وغامضًا ومشوشًا. فالمصطلح يضم طيفًا واسعًا من القوى والجماعات والتوجهات الإسلامية، وقد برهن التاريخ البعيد والقريب على بؤس رهانات النهايات، ذلك أن الشروط الموضوعية الداخلية والخارجية شديدة التعقيد والتحول، ولا يزال الإسلام السياسي يتمتع بنفوذ واسع في دول عربية وإسلامية عديدة، حيث يحكم حزب العدالة والتنمية في تركيا قبضته على السلطة ويوسع من نفوذه عبر مقاربته الديمقراطية العلمانية الخاصة، وفي إيران يحقق الإسلام السياسي الشيعي تجذرًا من خلال مقاربته الديمقراطية المخصوصة، وفي المغرب جرى إدماج حزب العدالة والتنمية بالمخزن في إطار تدبير «إمارة المؤمنين» وإعاة هيكلة الحقل السياسي والديني، وفي تونس بات حزب حركة النهضة أحد مكونات الجمهورية الثانية.

إذا كانت حركات الإسلام السياسي مدمجة في الدول السابقة، فإن دولًا عربيةً معدودة تبنت تهج الاستبعاد والإقصاء وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات، لكن على المدى المتوسط والبعيد ثمة مؤشرات على إمكانية العودة إلى نوع من مشمولية الإعتدال بشروط قاسية، ذلك أنها لا تزال تستدخل حركات إسلام سياسي بتلوينات سلفية مختلفة كما هو حال حزب «النور» وغيره في مصر، وفي ظل ضغوطات الحركات اللامؤسسية وتنامي حركات راديكالية جهادية، قد تلجأ هذه الدول إلى عقد صفقات مستقبلية.

ولا تزال دول عربية وإسلامية عديدة مترددة بين عمليات الدمج الكلي والجزئي، وتعتمد المقاربة التقليدية، حيث تتموضع بين مقاربتي الدمج والنبذ. فحركات الإسلام السياسي لا تزال تعمل في معظم بلدان العالمين العربي والإسلامي في إطار سياسات المشاركة لا المغالبة، وهي تتمتع بشرعية دستورية وقانونية في عشرات الأحزاب، سواء في أندونيسا أو الأردن والجزائر والعراق والكويت وغيرها.

في هذا السياق لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي تفتقر إلى استراتيجية محددة في التعامل مع حركات الإسلام السياسي، وتتبع نهجا براغماتيا فجا، إذ لم تعمد إلى تصنيف الإسلام السياسي على لوائح المنظمات «الإرهابية»، لكنها لم تمنحها صفة «الاعتدالية»، وفسحت المجال واسعا لحلفائها بالتموضع في أحدى المنزلتين، الأمر الذي يجعلها تمسك بأطراف لعبة التصنيفات وتعمل كوسيط في حالات الخطر والنزاع.

إذًا، مستقبل الإسلام السياسي لم تكتب فصوله النهائية بعد، وهو منفتح على سائر الاحتمالات والسيناريوهات، لكن المؤكد أن حديث النهايات والفشل والإخفاق لا يعدو عن كونه نسيجًا من الخرافة تمت حياكته في معامل الاستشراق كنظام للحقيقة، ومجموعة من ممارسات الحكم الدكتاتوري والإمبريالي، استُمِدا من لدن جهاز من المعرفة-السلطة لليبراليّة المظفرة، و«الذي يشيرُ بوضوح إلى ما ليس موجودًا في الواقع ويودِعُه بشكلٍ شرعي في خانة التقسيم ما بين الحقيقة والصواب من جهة والخطأ من جهة أخرى»، أي حقيقة «أوروبا الديمقراطيّة» و«اللاديمقراطيّة الإسلاميّة»، حسب استعارة جوزيف مسعد من ميشيل فوكو.

  • الهوامش والمراجع

    1- انظر: جان بودريار، ذهنية الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم، إعداد وترجمة، بسام حجار، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2003.

    2- انظر: أوليفيه روا، عولمة الإسلام، ترجمة لارا معلوف دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2003، ص 195.

    3- بدا واضحا أن العدو الجديد للإمبراطورية الأمريكية سيكون «الإسلام»، فقد كتبت الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون يقول: «يحذر بعض المراقبين من أن الإسلام سوف يكون قوة جغرافية متعصبة ومتراصة، وأن نمو عدد أتباعه، ونمو قوته المالية سوف يفرضان تحديًا رئيسًا. وأن الغرب سوف يضطر لتشكيل حلف جديد مع موسكو من أجل مواجهة عالم إسلامي معاد وعنيف»، ريتشارد نيكسون، أمريكا والفرصة التاريخية، ترجمة د. محمد زكريا اسماعيل دار بيسان للنشر, دمشق، 1992، ص 187.

    4- انظر: فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، مرجع سابق.

    5- انظر: ويليام بلوم، الدولة المارقة ـ دليل إلى الدولة العظمى الوحيدة في العالم، ترجمة كمال السيد، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى 2002.

    6- نشر صموئيل هنتنغتون مقالته «صدام الحضارات» في عدد ربيع 1993 لمجلة «فورين أفيرز»، ثم قام لاحقًا بتحويل مقاله إلى كتاب صدر في عام 1996 انظر: صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب، كتاب سطور، القاهرة، 1999. وبحسب هنتنغتون في دراسته «المصالح الأمريكية ومتغيرات الأمن«: «إنّ الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بحاجة ماسّة إلى عدو جديد يوحد دوله وشعوبه، وأن الحرب لن تتوقف، حتى لو سكت السلاح وأُبرمت المعاهدات، ذلك أن حربًا حضاريةً قادمةً ستستمر بين المعسكر الغربي الذي تتزعمه أمريكا وطرف آخر، قد يكون عالم الإسلام أو الصين» , مجلة الشؤون الخارجية , حزيران/يونيو، 1993.

    7- كان المستشرق برنارد لويس قد تحدث عن مفهوم «صراع الحضارات» في مقالة بعنوان «جذور الغضب الإسلامي» نشرت في مجلة أتلانتك الشهرية عام 1990، قبل أن يستخدمه هنتنغتون ويعمل على تعميمه، انظر: برنارد لويس، جذور الغضب الإسلامي، ترجمة أكرم أنطاكي.

    8- انظر: برنارد لويس: صاحب نظرية نشر الديمقراطية لمواجهة «الارهاب»، بي بي سي عربي،20 مايو/ أيار 2018.

    9- انظر: إرون سلز، تحرير، المحافظون الجدد، نقله إلى العربية فاضل جكتر، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة العربية الأولى، 2005.

    10- لمزيد من التفصيل حول مقاربات التغيير والإصلاح عقب هجمات سبتمبر، أمريكبا، انظر: د. السيد ولد أباه، عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والاستراتيحية، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 2004.

    11- انظر: جيليان شويدلر، ما وراء فرضية الاعتدال؟، ترجمة سابين طاوقجيان و منال خضر، مجلة كلمن، عدد 8، خريف 2013.

    12- انظر: إريك تراجر، «الإخوان المسلمون» من المعارضة إلى السلطة، معهد واشنطن.

    13- انظر: جيليان شويدلر، ما وراء فرضية الاعتدال؟، مرجع سابق.

    14- صاموئيل هانتنجتون، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة د. عبد الوهاب علوب، دار سعاد الصباح، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993، ص 250.

    15- ظهرت كتب ودراسات عديدة عقب أحداث 11 سبتمير 2001، تستند إلى المنظور الاستشراقي الذي بربط الإسلام بالعنف والتطرف ربطا بنيويا، بحيث أصبح مفهوم الاعتدال الإسلامي غير ممكن إلا بالتحول إلى الليبرالية أو قصر النشاطات الدينية على الطقوس الصوفية وعدم الاشتغال بالسياسة، وتعتبر مؤسسة راند الأمريكية أحد أهم المراكز التي عملت على مفهوم الاعتدال وبناء شبكات اعتدال إسلامي مدني، بهذا المعنى، انظر نموذجا من هذه الكتب والدراسات، على موقع المركز، وسلسة تقارير مؤسسة راند، ومنها: شيريل بينارد وآخرين، بناء شبكات الاعتدال الإسلامي، ترجمة إبراهيم عوض، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 2014. وشيريل بينارد، الإسلام الديمقراطي المدني، ، ترجمة إبراهيم عوض، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012.

    16- انظر: صموئيل هنتغتون،.صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة: سطور، الطبعة الثانية، 1999.

    17- انظر: برنارد لويس، أين الخطأ: التأثير الغربي واستجابة المسلمين، ترجمة: محمد عناني، القاهرة: سطور، الطبعة الأولى، 2003.

    18- انظر: ناثان براون، المشاركة لا المغالبة، الحركات الإسلامية والسياسة في العالم العربي، ترجمة سعد محيو، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2012،ص34.

    19- انظر: جوزيف مسعد، الحب والخوف والربيع العربي، ترجمة: محمد الدخاخني، موقع حكمة، 15 يناير 2016. ونشر المقال الأصلي عام ٢٠١٤.

    20- انظر: أوليفييه روي، الإسلام السياسي بعد الربيع العربي بين الجهاد والديمقراطية، مرجع سابق.

    21- انظر: مارك لينش، الإخوان المسلمون: منظمة إرهابية أم جدار حماية ضد التطرف العنيف؟، ترجمة: علاء الدين أبو زينة، جريدة الغد.

    22- انظر: مارك لينش، الإخوان المسلمون: منظمة إرهابية أم جدار حماية ضد التطرف العنيف؟، مرجع سابق.

    23- انظر: مارك لينش، في السلة نفسها أم لا؟ مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 28 نيسان/ إبريل 2017.