رأي

لماذا تُصدر السلطات المصرية أحكام إعدام لا تنوي تنفيذها؟

الأحد 23 أيلول 2018

في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 شهد ميدان التحرير أحد المشاهد المصرية السريالية. المشير طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة سابقًا، يظهر بشكل مفاجىء متجولًا في الميدان، فيلتف حول سيارته مواطنون، يناشده أحدهم أن يبلغ الفريق صدقي صبحي، قائد الجيش بذلك الوقت، أننا «عايزين نعدم الإخوان».

رد طنطاوي مستنكرًا «ولا نِعدِم ولا نعمل»، هنا تدخل أحد الواقفين بالقول «كلنا شعب واحد»، فأشار طنطاوي مؤيدًا، ثم همّ بشرح لماذا يرفض تنفيذ الإعدامات «لو كنا أعدمنا..»، لكن سائله يُصاب بحالة هستيرية من الصراخ «العساكر بتموت في سينا!»، فيتوقف عن الحديث وينتهي المشهد هنا.

وبقدر ما يُطرح التساؤل حول أسباب صدور أحكام الإعدام الجماعية، وآخرها الحكم الصادر بإعدام 75 شخصًا في قضية فض رابعة مطلع الشهر الجاري، فإن التساؤل أيضًا مطروح عن سر تأجيل تنفيذ هذه الأحكام.

الفعل المؤسس: عقدة يناير

تاريخيًا، لم تكن مصر أبدًا في طليعة الدول المُصدرة لأحكام الإعدام بالعالم سواء جنائية كانت أو سياسية، وترافق ذلك مع احتفاظ القضاء بمسافة ما من أي نظام سياسي، كان القضاءالمدني يحكم بالبراءة للمعارضين، وكان معدّل الحبس الاحتياطي معروفًا لا يتجاوز بضعة أشهر، إلى حد أن الإخوان كانوا يجهزون «شنطة المعتقل» قبل موسم الانتخابات كأنهم ذاهبون إلى رحلة دورية، حتى أن بعضهم كان يُمضي بضعة أيام لا أكثر.

لهذا كان مبارك يلجأ إلى المحاكم العسكرية، وهي التي سجنت مئات الإخوان لسنوات عبر سبع محاكمات عسكرية لهم في عهده، فضلًا عن استخدام وزارة الداخلية المباشرة لما يسمى «قرار اعتقال» حيث كان يجوز لوزير الداخلية بموجب قانون الطوارىء احتجاز المتهمين إلى ما لا نهاية، ليتجاوز حدود الحبس الاحتياطي في النيابات، وحتى هذا السلاح كان حصريًا لمتهمي الجرائم الإرهابية من الجماعات المسلحة.

إذا ماذا حدث؟ هؤلاء نفس القضاة، لكنها ليست نفس البلد.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، حكم المستشار محمود الرشيدي بالبراءة لمبارك ورجاله في «قضية القرن» ليغلق ملف قتل المتظاهرين إلى الأبد، اعتنى القاضي بتوزيع الحيثيات على الصحافيين جميعًا، في ملف حمل عنوان «التبيان» من 280 صفحة.

وفي ظاهرة غير معتادة احتوت الحيثيات فصلًا بعنوان «السياق التاريخي للحكم»، حيث قررت المحكمة أن تسرد أحداث ثورة 2011 «كما وقرت في يقينها» لتقدم هذا التاريخ «للأجيال القادمة». ومصدر هذه المعلومات هو من وصفتهم بأنهم «حكماء الوطن وولاة الأمور»، في استعمال واضح لمصطلح قومي ومصطلح ديني، ارتباك الدولة الحديثة المصرية الأزلي. حكماء الوطن هؤلاء، والدين أدلوا بشهاداتهم كانوا قادة الجيش والمخابرات والداخلية مثل المشير طنطاوي، واللواء عمر سليمان وغيرهما.

ثم عبر سرد طويل جدًا تؤكد المحكمة أن الثورة كانت بسبب «المخطط الدولي الأمريكي والعبري ومن شايعهم» من أجل تقسيم الدول العربية، وذلك بمساعدة تركيا وإيران وإسرائيل وقطر، وذلك عبر وسيلتين الأولى هي الغزو العسكري كما حدث مع العراق، أمّا الثانية فهي «حروب الجيل الرابع» عبر تأليب الشباب للقيام بالتظاهر والاعتصام عبر تدريبهم بمنظمات دولية.

إذن، هكذا ترى الدولة المصرية ما حدث في 2011. هذه ليست دعاية إعلامية ولا خداعًا للآخر، بل هي قناعة راسخة، وبالطبع من الأفضل لهم تصديق حديث المؤامرة عن تصديق أن ملايين المصريين فجأة خرجوا علينا، وسحقوا آلة الداخلية، وأجبرونا على وضع مبارك بطل حرب أكتوبر في القفص، ودخلوا مواجهة عالية السقف مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم أجبرتنا الأيام على قبول الإخوان شريكًا بالحكم، بل ومنحَ المشير طنطاوي التحية العسكرية للرئيس محمد مرسي.

في لقاء تلفزيوني أجراه الإعلامي المعتزبالله عبدالفتاح، أستاذ العلوم السياسية ذو العلاقات النافذة، قال إنه التقى أحد النافذين بالدولة وقال له «ماترخو إيدكم شوية، ما يمكن دة اللي يخفف الاحتقان»، فرد عليه «إحنا خايفين لو سبناها تفك ومنعرفش نلمها تاني»، ثم سرد أنه سأل أصدقاء له في النيابة والقضاء فقالوا له إن الوضع اختلف عن السابق حين كان يمكن أن يخرج أيمن الظواهري لخطأ في الإجراءات، وأن الأولوية الآن لـ«تثبيت أركان الدولة».

إذن، هو مزيج من الانتقام، والخوف، والارتباك، كلها تنعكس في التحول إلى القصف الثقيل بالأحكام، خاصة أن القضاء أصبح طرفًا أصيلًا. ربما في البداية حاول استيعاب الحدث، فالنائب العام، الذي عينه مبارك، عبدالمجيد محمود هو من أحال مبارك للمحاكمة، وأحال عشرات القضايا، وفي البداية تتالت الأحكام القضائية على رجال مبارك ونظامه، بل إن حل الحزب الوطني وحل المجالس المحلية جاء بأحكام قضائية بحتة.

لكن تسارع الأحداث، وصدمة وصول الإخوان تحديدًا، وما تلاها من محاولة الإخوان تمرير قانون يخفض سن تقاعد القضاة، وما تردد عن دسهم شبابًا من الجماعة في دفعة النيابة الجديدة، ومتظاهري الإخوان الذين هتفوا «الشعب يريد تطهير القضاء»، كلها عناصر ساهمت في تورط القضاء بشكل مباشر، وهكذا ظهر ممثلهم بحضرة بيان «3 يوليو»، و شاهدنا الإعلام يمنح المستشار أحمد الزند لقب «أسد القضاة»، وشاهدنا قضاة يدلون بآرائهم السياسية في حوارات بالصحف، بل آرائهم في بعض من يحاكمونهم.

لاحقًا تصاعد الموقف بالهجمات الإرهابية في سيناء وغيرها، خاصة أن إحدى العمليات نجحت في اغتيال النائب العام شخصيًا. الدولة المصرية الآن ترى نفسها موحدة ضد عدو واحد له صور متعددة، صراع وجود، يجب أن يكون للقضاء دور فاعل، وأي أداة أشد حزمًا من السقف الأعلى للأحكام ضد الأعداء، كل الأعداء!

ما فعلته الدولة بالقضاء

بالتوازي، كانت باقي أجنحة الدولة تتدخل أكثر للمزيد من تشديد القبضة القضائية الحازمة.

في كانون الأول/ديسمبر 2013 أصدر الرئيس عدلي منصور قرارًا بتشكيل ست دوائر مخصصة للإرهاب، لاحقًا أضيفت لها واحدة، لتتولى هذه الدوائر السبعة كل القضايا السياسية الكبرى، وتصبح أسماء قضاتها محفوظة شعبيًا ومعها ألقاب مثل «قاضي الإعدامات»، بل يعرف المتابعون السمات المزاجية والطباع الشخصية لكل قاضٍ من هؤلاء السبعة في جلساته.

تتداول أوساط صحفية مصرية أن ما حدث هو أن الرئيس منصور ترك هذه الدوائر لمن يقبل من القضاة، كان مزيجًا من الترشح والتطوع، وهكذا في هذا الوقت المبكر جدا، حين لم يكن محسومًا تمامًا مصير الإخوان أو البلد. من تولوا هذه هذه الدوائر هم القضاة الأكثر حماسًا وقناعة بما يفعلون، يفسر هذا سر التكرار شبه الموحد لنمط الأحكام والحيثيات.

على جانب آخر واصلت السلطة التنفيذية تدخلها، فالرئيس عبد الفتاح السيسي أبدى استياءه من تأخر المحاكمات قائلا «يد العدالة الناجزة مكبلة بالقوانين (..) وإحنا مش هنستنى على دة»، وهكذا تباعًا تم إقرار حشد من القوانين يمكنها تجريم أي أحد وأي شيء، وتضع الإعدام سقفًا متكررًا، فشهدنا قانون مكافحة الإرهاب الجديد، وقانون «الكيانات الإرهابية»، وتعديلات قانون الإجراءات الجنائية بما يجعل الاستماع للشهود اختياريًا لا إجباريًا.

الحصن الأخير كان محكمة النقض التي أبطلت مرارًا أحكام دوائر الإرهاب، وبنمط موحد أيضًا يؤكد أن في الأحكام «قصورًا في التسبيب، وفسادًا في الاستدلال»، وكذلك المحكمة الإدارية العليا التي أصدرت مرارًا أحكامًا برفع أسماء من قوائم الإرهاب، وهكذا صدرت تعديلات قانون السلطة القضائية لتمنح الرئيس للمرة الأولى في التاريخ حق اختيار القيادات القضائية دون التقيد بالأقدمية، وهكذا بعد التعديلات رأينا انعكاسًا فوريًا على أداء المحكمتين.

وبالتوازي توفر الدولة المصرية غطاءً سياسيًا كاملًا للأحكام. لم يستنكر أي مسؤول أبدًا حكم إعدام جماعي، بل بالعكس، شهدنا الردود الحادة للغاية من الخارجية المصرية على أي جهة دولية أو أممية أدانت أحكام الإعدام، ودائمًا ما يفاخر الرد بمؤسساتنا القضائية المستقلة، ويسترسل حول ظروفنا الخاصة.

إذن لماذا لا يُعدمهم؟

حسب تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان، منذ 3 تموز/ يوليو 2013 حتى شباط/ فبراير 2018 تمت إحالة أوراق 2060 متهمًا إلى المفتي بالقضاء المدني والعسكري، وهو ما يعني بالقانون المصري استطلاع رأيه حول إعدامهم، إلا أن العقوبة تم تثبيتها على 965 متهمًا في 70 قضية، كل هذه الأحكام مازالت تستكمل درجات التقاضي باستثناء 57 فقط استنفدت المراحل كلها لتصير الأحكام نهائية وباتة، وتم تنفيذ 27 حكمًا من بينها.

لم ينفذ حكمٌ واحد على أي شخصية سياسية، بينما نُفذ هذا العدد المحدود قياسًا لإجمال الأحكام في قضايا مرتبطة بالعنف، وبشكل واضح استهدفت قضايا التيار السلفي الجهادي مثل «خلية عرب شركس» و«كمين الصفا»، بينما انفردت قضية «استاد كفر الشيخ» بربطها باللجان النوعية المحسوبة على الإخوان، والذي تم فيها إعدام أربعة شبان بتهم تورطهم في تفجير حافلة تقل طلاب الكلية الحربية، ما أسفر عن قتل ثلاثة طلاب.

لماذا لا يعدمهم؟ بل ولماذا تطول المحاكمات لسنوات طويلة أصلا؟ لماذا لا ينفذون إعدامات ميدانية؟ قتل بشار الأسد 13 ألف سجين في صيدنايا بإعدامات ميدانية بعد محاكمات عسكرية صورية سريعة جدًا، ما يضير الدولة المصرية لو فعلتها؟

ولعلنا هنا نسأل أيضًا: ولماذا لم تشهد مصر مطلقًا قتل معارض بالخارج كما فعلت دول عربية أخرى؟

ولماذا كانت مصر طيلة تاريخها هكذا؟ لم يعدم الرئيس المصري جمال عبد الناصر من الإخوان إلا ستة أفراد عام 1954 بتهمة محاولة اغتياله، وسبعة عام 1965 في تنظيم سيد قطب، هذا مختلف تمامًا عن معدل القذافي أو حافظ الأسد أو صدام حسين مثلا.

تحوي مصر فعلا تقاليد «دولتية» راسخة، ليس لهذا علاقة بأي مفهوم غربي عن الديمقراطية ونحوها، بل هي أقرب لرؤية خاصة للذات، لها أسباب تاريخية يضيق مجال ذكرها، وإن كان يجب بالطبع التأكيد أنه مؤخرًا يتم سحق هذه التقاليد بأسرع وقت ممكن، ومنها ظاهرة أحكام الإعدام الجماعية غير المسبوقة. لم يعد من الممكن التأكد من أي قاعدة.

جانب آخر من الصورة هو بعض الاهتمام بالصورة الدولية، ورغم تراجع ذلك العامل كثيرًا مؤخرًا، في ظل المد اليميني العالمي، ونجاح النظام المصري باللعب بأوراق اللاجئين والاقتصاد وغيرها، إلا أن هناك تفاهمًا ضمنيًا أن الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لمصر لن يمرر بسهولة تنفيذ موجة واسعة من الإعدامات، وإن كان ذلك ليس مطلقًا، ففي النهاية استطاعت السعودية تجاوز عاصفة إعدامها للشيخ النمر ورفاقه، وبشار الأسد دخل، تقريبًا، مسار إعادة التأهيل دوليًا.

جانب ثالث من الصورة، اعتادت المؤسسات الأمنية المصرية تطبيق سياسة الاحتفاظ بالأوراق طويلًا، وطويلًا جدًا. فبينما لا تهاون مع من قام فعلًا بسفك دماء رجال السلطة، هذا هو من تنفذ به الأحكام فعلا، فإننا شهدنا بالمقابل قصصًا عديدة مثل حالة محمد الظواهري، شقيق قائد تنظيم القاعدة، الذي حُكم عليه بالإعدام عام 1999 مع سبعة آخرين بقضية «العائدون من ألبانيا»، لكنه ظل مسجونًا 12 عامًا كاملة دون أن يُنفذ الحكم، حتى أفرج عنه المجلس العسكري يوم 17 مارس 2011، دون أن يطالب أي أحد بذلك.

وهكذا تستمر آلة الإعدامات في الدوران كأداة للردع واستعادة الهيبة، وتستمر معاناة الأهالي المفزوعين من احتمالية أن تكون كل زيارة لذويهم ذوي البذلات الحمراء هي الزيارة الأخيرة، ويستمر على الأرجح تأجيل الأحكام بلا نهاية كأداة للاستخدام المستقبلي، إلّا لو قررت السلطة فجأة أن تحطم قاعدة جديدة، وهو ما لا يمكن بالطبع الجزم باستبعاده في زمن أصبح يحتمل كل شيء.