حكومة من؟

الملك عبدالله في افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة السابع عشر، 3 تشرين ثاني 2013. الصورة من حساب الديوان الملكي على فليكر

حكومة من؟

الخميس 07 حزيران 2018

يعاني الدستور الأردني من خلل عضوي بديهي بات الجميع يعرفه يتعلق بصلاحيات الملك. فهو يمنحه صلاحيات واسعة، زادت مع التعديلات الدستورية الأخيرة في 2016 والتي سبقتها في 2014، مع إعفائه بالكامل من أي تبعة ومسؤولية لهذه القرارات باعتباره رأس الدولة. أكثر هذه النصوص التباسًا هو تعريف الدستور لرأس السلطة التنفيذية، حيث تنص المادة 24 من الدستور الأردني على أن: «تناط السلطة التنفيذية بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه وفق أحكام هذا الدستور».

ارتأت مؤسسة العرش في مرحلة 2011-2013، على وقع احتجاجات تلك المرحلة، أن الشكل المثالي للملكية الذي يضمن بقاءها يحتاج لفك الارتباط بين الملك وحكوماته، إن لم يكن نصًا فعرفًا. جاء ذلك من خلال نصوص الأوراق النقاشية الملكية، خاصةً الثلاثة الأولى منها التي نشرت تباعًا خلال شهرين (29-12-2012 إلى 2-3-2013)، والتي حاولت إعادة رسم العلاقات بين السلطات الدستورية والملكية.

الأوراق النقاشية كبرنامج عمل ساري المفعول

قبل النظر إلى دور الملكية في تشكيل الوزارات وفق الأوراق النقاشية لا بد من ملاحظتين. أولًا، إن الأوراق النقاشية وإن كانت تحمل اسم «نقاشية» إلا أنها لم تكن نصوص مطروحة للنقاش والحوار، بقدر ما كانت برامج عمل فعلية (أو خرائط طرق كما اصطلح الإعلام «الاحتفالي» على تسميتها) يطلقها الملك ويباشر بتنفيذها بخطوات عملية سريعة. خذ على سبيل المثال الورقة النقاشية الرابعة بعنوان «نحو تمكين ديمقراطي ومواطنة فاعلة»، ففي مساء اليوم ذاته الذي نشر فيه الملك هذه الورقة، جاء حفل إطلاق برنامج التمكين «الديمقراطي»، جاهزًا مع موقع إلكتروني وفقرات فنية ومنظومة كاملة هدفها تحقيق ما جاء في الورقة. حصل الشيء ذاته مع الورقة النقاشية السادسة «سيادة القانون أساس الدولة المدنية» حيث لم ينقضِ على نشرها أسبوع واحد حتى كان الملك يشكل لجنة ملكية لتطوير القضاء، مهمتها تطبيق ما ورد في الورقة، والتي بدورها رفعت توصياتها إلى الحكومة خلال ثلاثة أشهر، فقامت الحكومة باعتمادها.

ثانيًا، هذه الأوراق النقاشية لم تفقد صلاحيتها بعد، على الأقل بحسب ناشرها، الذي يراها ما زالت صالحة كبرامج عمل تحمل الأردن إلى طريق التحول الديمقراطي الأمثل. صرح الملك بداية هذا العام قائلًا: «قدمت لشعبي أوراق نقاشية ولكني لا أرى تطبيقًا كافيًا» خلال لقائه مع النواب في كانون الثاني 2018، بمعنى أنه ما زال يرى في الأوراق الخطوات الإصلاحية المثالية للانتقال «للديمقراطية المتجددة» التي تضمن الرخاء للأردنيين.

فهل التزم الملك بمضامين الأوراق النقاشية في تشكيل الحكومات؟

كلام الملوك: الحكومة أم حكومتي

اقتباسًا من الورقة النقاشية الثانية، يقول الملك:

علينا أن نباشر في بناء نظام الحكومات البرلمانية. وكخطوة أولى، فإننا سنبادر إلى تغيير آلية اختيار رئيس الوزراء بعد الانتخابات التشريعية القادمة، وفقا للمعايير التالية:
إن رئيس الوزراء القادم، والذي ليس من الضروري أن يكون عضواً في مجلس النواب، سيتم تكليفه بالتشاور مع ائتلاف الأغلبية من الكتل النيابية.
وإذا لم يبرز ائتلاف أغلبية واضح من الكتل النيابية، فإن عملية التكليف ستتم بالتشاور مع جميع الكتل النيابية.
وبدوره، سيقوم رئيس الوزراء المكلّف بالتشاور مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة البرلمانية الجديدة والاتفاق على برنامجها.
إنني على قناعة تامة بضرورة الاستمرار في تطوير هذه الآلية، استنادا إلى ما نتعلمه من تجربتنا، ونضوج نظام الحكومات البرلمانية، منطلقين من هذه الخطوة نحو تطبيق نهج الحكومات البرلمانية الشامل.

ثم يعود ويؤكد في الورقة النقاشية الثالثة: «ويوفر الحوار الوطني الدائر الآن، مخاضًا ديمقراطيًا بنّاءً لتعميق تجربة الحكومات البرلمانية، ولتطوير آلية التشاور لاختيار شخص رئيس الوزراء القادم».

شرع الملك في حينه بتنفيذ هذه المضامين مباشرة، وهو ما ظهر بوضوح من خلال مشهدين:

أولًا، استدعاء النواب لإجراء مشاورات برلمانية. ففي شباط 2013، كلف الملك رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة ببدء مشاورات مع مجلس النواب «كآلية جديدة لاختيار رئيس الوزراء، وانطلاق تجربة الحكومات البرلمانية»، نتج عنها بعد حوالي شهر تسمية عبد الله النسور رئيسًا للوزراء، استمر عمله لمدة أربع سنوات، عمر المجلس النيابي، تمامًا وفق رؤية الملك في الورقة النقاشية الثالثة.

ثانيًا، تغيير صيغة خطاب العرش أمام مجلس النواب، باستعمال لفظ «الحكومة» بدلًا من حكومتي. ففي الفترة بين كانون الأول 2007 وشباط 2013 ألقى الملك أربعة خطابات للعرش أمام مجلسي النواب الخامس عشر والسادس عشر وردت كلمة «حكومتي» في كل منها على الأقل مرة واحدة (بمجموع ثماني مرات للخطابات الأربعة). في أربعة خطابات للعرش أمام مجلس النواب السابع عشر، لم ترد كلمات «حكومتي» بتاتًا في خطاب العرش واستعاض عنها الملك بكلمة «الحكومة» أينما لزمت.

مع انتهاء الانتخابات النيابية للمجلس الثامن عشر عام 2016، تراجع الملك عن هاتين الخطوتين (على رمزيتهما)، فأعاد تكليف هاني الملقي المستقيل دستوريًا بعد إجراء الإنتخابات، بدون إجراء أي مشاورات

مع انتهاء الانتخابات النيابية للمجلس الثامن عشر عام 2016، تراجع الملك عن هاتين الخطوتين (على رمزيتهما)، فأعاد تكليف هاني الملقي المستقيل دستوريًا بعد إجراء الإنتخابات، بدون إجراء أي مشاورات، ولا حتى تقديم أي مبررات لعدم إجراء أي مشاورات مع مجلس النواب الجديد، الذي جاء وفق قانون انتخاب جديد وقوائم حزبية، من المفترض، على الأقل فنيًا ونظريًا، أن يكون قد أتى بكتل نيابية أوضح خطوطًا، تمامًا كما أراد الملك في الأوراق الثانية والثالثة. اتبع الملك هذه الخطوة بالعودة إلى خطاب ما قبل 2013 قائلًا في خطاب العرش: «فقد وجهت حكومتي، التي آمل أن تستمر طيلة فترة مجلس الأمة الثامن عشر وطالما تحظى بثقة مجلس النواب الموقر، أن تحرص على توخي الموضوعية والواقعية في بيانها الوزاري» (تشرين الثاني 2016)، ليس فقط متبنيًا بشخصه الحكومة التي اختار رئيسها منفردًا، بل مستعملًا ضغطًا أدبيًا نابعًا من احترام المجلس لموقعه لتأمين الثقة لها، ومتجاوزًا دور الوسيط المحايد بين السلطات الذي ركز عليه في الورقة النقاشية الثالثة في فصل دور الملكية.

ثم تحصل المفارقة، ويستشعر الملك تراجع شعبية «حكومته» بعد عام من تشكيلها، (وقبل ستة أشهر من إسقاطها) فيتجنب لفظ حكومتي في خطاب العرش للدورة الثانية لمجلس النواب، ويعود لكلمة الحكومة، مع تعمد لفت النظر لهذه النقطة. فبعفوية شديدة وبتوارد خواطر نادر، يقدم كاتبا العمودين الأكثر قراءة في الأردن تحليلًا مغلوطًا عن خطاب العرش للتأكيد على تنصل الملك من مسؤوليته تجاه «حكومته». يبدأ فهد الفانك (رحمه الله) مقاله في صحيفة الرأي فيقول: «خطاب العرش الذي ألقاه الملك في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة جاء مختلفًا عن الخطابات السابقة (…) العبارة السابقة: (قامت حكومتي بكذا) في خطابات العرش السابقة، أصبحت (على الحكومة) أن تفعل كذا، أي أن الخطاب لم يعد خطابًا للحكومة بل خطابا للعرش». ويؤكد فهد الخيطان في الغد ذات النقطة تمامًا في اليوم ذاته فيفتتح مقاله بالقول: «ثمة تغيير جوهري في خطابات الملك بافتتاح دورات مجلس الأمة تبدى بوضوح في خطاب أمس، إذ صيغ الخطاب على نحو يضع الملك على مسافة واحدة من السلطتين التشريعية والتنفيذية. لم يستخدم الملك ولا مرة الوصف التقليدي؛ «حكومتي»».

من هو رئيس السلطة التنفيذية؟

إن تراجع الملك عن المبادئ التي خطها في أوراقه النقاشية في آلية اختيار رئيس الوزراء تحديدًا والتي تكررت هذا الأسبوع، معتقدًا أن عاصفة «الربيع العربي» قد عدّته بسلام، تركه في مأزق حقيقي في علاقته مع حكوماته/الحكومات، فلم يعد يستطيع تحديد طبيعة علاقته معها، إذا كانت تمثله أم لا، أو إذا كان يقودها بنفسه أم لا. ففي حديثه عن «الوزراء النايمين» الأسبوع الماضي يعترف اعترافًا ضمنيًا بأنه لم يكن يتابع سير أعمال الحكومة التي أسقطها الشارع وكان غافلًا عن عدم فعاليتها، حتى جاء الاعتصام الشعبي ليلفت نظره! ولولا الاعتصام لبقي الوزراء نايمين، وبقي الملك يقوم بواجباتهم بنفسه!

لكنه في الوقت ذاته اختار أن يعين رئيس وزراء جديد أيضًا بنفسه بدون مشاورات نيابية، وبانطباع يشير إلى أن الملك هو رأس السلطة التنفيذية، وهو من يحدد سياساتها، وسياسات البلاد ككل (خاصةً في الأمن والدفاع والخارجية، حيث أصبح ذلك متفق عليه عرفًا ولا يحتمل النقاش)، وبحيث يقتصر دور الوزراء على المتابعات الميدانية المختصة (دور الأمناء العامين للوزارات)، وتحمل اللوم، لا وضع السياسات التي يضطلع بها الملك وفريقه من الديوان، بدون محاسبة.

لم يعد الملك اليوم قادرًا على التغاضي عن أساسية مبدأ تلازم السلطة والمسؤولية في إدارة الدول. فإما أن يصبح الملك في موقع دستوري واضح يجعله يتحمل مسؤولية رئاسته للسلطة التنفيذية، ورئاسته للفريق الذي يضع سياسات البلد داخليًا وخارجيًا، وإما يزهد في ممارسة السلطة، ويعود إلى مبادئ الأوراق النقاشية بحيث يحافظ على المكانة الاعتبارية لمؤسسة العرش التي تضعه فوق المساءلة، فمن الواضح أنه لن يستطيع أن يحافظ على كلا الدورين معًا، على الأقل ليس لوقت طويل.

في بداية اعتصام النقابات والدوار الرابع كنت من المشككين بقوته وجديته وجدواه، واهمًا بسذاجة بأنه لم يراكم على منجزات حراك 2011، واختار سقف أقل بكثير، فلم يتطرق للملك وأسلوب حكمه بشكل مباشر. لكن ليس هناك شك أن هذه الأيام الأخيرة في الأردن قد حققت إنجازًا جديدًا بأن وجهت رسالة واضحة بشكل ضمني وسلس لصاحب القرار، ملخصها أن أسلوب الحكم الفردي الحالي غير قابل للاستدامة، مثبتةً من جديد أن كل صرخة من الشارع هي جزء من العمل الوطني المتراكم للوصول إلى الأردن الديمقراطي الحر الذي عملت الأجيال المتعاقبة وتعمل نحو الوصول إليه.