حوار مع «مدى مصر»: تعويم الجنيه سيضيف إلى ملايين الفقراء فقراء جدد

الثلاثاء 11 تشرين الأول 2016

منذ أن ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خطابًا في منطقة غيط العنب في الإسكندرية قبل أسبوعين -والذي لعل المطالبة بالفكّة لم تكن أسوأ ما فيه- والأخبار الصادرة من مصر تنذر بالقرار المرتقب لتعويم الجنيه المصري، بعد أشهر من الانخفاض المتواصل مقابل الدولار.

هذا القرار الذي يأتي متماشيًا مع شروط صندوق النقد الدولي منح مصر قرضًا بقيمة ١٢ مليار دولار، سيضرب، إن اعتُمد، الطبقات الفقيرة في مصر بعنف لما سيسببه من ارتفاع محتمل في الأسعار، إلى جانب آثاره القاتمة على الاقتصاد المصري بعامة.

كجزء من التعاون بين حبر وموقع مدى مصر، والذي يأخذ أحد أشكاله بالحوار المتبادل حول شؤون كل من الأردن ومصر، قابلنا رئيس تحرير الموقع، الصحفي الاقتصادي وائل جمال.

بداية، ما الذي يعنيه الاقتصاديّون عندما يتحدّثون عن تعويم عملة ما، وما هي الخطوات التي تسبق، وتلي قرار التعويم؟

هناك عدة أنواع لإدارة سعر الصرف أمام العملات الأجنبية، فهناك نطاق واسع على أحد أطرافه ما يسمى بتثبيت سعر العملة، كما كنا نرى في دول نامية كثيرة أو ما زلنا نرى في دول كلبنان مثلًا، أي أن تثبت السلطات النقدية سعر الصرف أمام عملة معينة وتعلن هذا القرار إداريًا.

على الطرف الثاني هناك ما يسمى التعويم الكامل، وتعتمده، وفقًا لصندوق النقد الدولي، ٢٩ دولة فقط حول العالم، وهو ما يفترض أنه يترك سعر الصرف لتطورات الأسواق بشكل مباشر ودائم، دون أي تدخل. لكن طبعًا، حتى في خيار التعويم الكامل، فالسلطات النقدية، ممثلة في البنوك المركزية، تحتفظ بالحق في التدخل في ما يسمى بالسوق المفتوح بأن تشتري أو تبيع كميات من العملات حتى تضبط سعر العملة وفقًا للسياسة الاقتصادية التي تتبعها. بالتالي، حتى كلمة تعويم لا تعني تمامًا ترك سعر صرف العملة لقوى العرض والطلب بشكل كامل نهائي ونقي.

في الحالة المصرية على وجه التحديد، هناك سعران للدولار بسبب نقصه. البنك المركزي ما زال متمسكًا بأن يرسل إشارة بأن السعر في حدود ٨ – ٨,٨٠ جنيهات، لكنه في السوق السوداء وصل إلى ما يفوق ١٤ جنيهًا. هنا، التعويم معناه في الحقيقة تخفيض سعر الجنيه حتى يصبح أقرب إلى سعر السوق السوداء ويكون هناك سعر واحد للدولار في مصر.

عادة، لا يُتخذ هذا القرار على مراحل، كما يحصل في مصر الآن، ولا بإعلان مسبق، بل يكون قرارًا مفاجئًا حتى لا يمنح المضاربين فرصة للاستفادة من فروق الأسعار. وعادة يكون هناك ترتيب لحزمة إجراءات ملازمة لهذا القرار، أولًا بأن يكون هنالك رصيد كافٍ من العملات الأجنبية لتلبية الطلب المتوقع لمنح ثقة في توفر الدولار أو العملة الأجنبية. وأحيانًا يكون هنالك إجراءات للحد من تهريب الدولار للخارج، أو إجراءات إدارية ضد المضاربين، مصاحبة للقرار أو تسبقه.

مصر دولة مستوردة، بالتالي فسعر الدولار مؤثر جدًا على الأسعار المحلية. حين يرتفع سعر الدولار يعني ذلك أن هنالك زيادة في الأسعار المحلية وبالتالي في التضخم، أي أن قرار التعويم يعني زيادة كبيرة في الأسعار، بالتالي فالبنك المركزي عادة يستخدم الأداة الأساسية للحد من التضخم وهي رفع سعر الفائدة، وهناك توقع أنه بعد التعويم المنتظر سيكون هناك ارتفاع في حدود ١-٣ بالمئة في أسعار الفائدة، وهذا قد يكون له آثار كبيرة على الأداء الاقتصادي.

إذا كان من المتوقع أن يصل سعر الدولار في البنوك إلى ما يزيد عن ١٢ جنيهًا، فما الذي يعنيه هذا على مستوى الاقتصاد الكلي وعلى المستوى المعيشي؟

التوقعات تقول ١٢ جنيهًا، لكن هناك مخاوف من أن يتجاوز الرقم هذا المستوى، بناء على طريقة تنفيذ القرار، ورد فعل المضاربين، ورد فعل السوق عمومًا، وعوامل أخرى. لكن في أول رد فعل مهم، قالت كريستين لاغارد [مديرة صندوق النقد الدولي] بالأمس [٨ أكتوبر] في مؤتمر صحفي في واشنطن إن قرار التعويم وتخفيض الدعم الحكومي هما شرطان لإتمام قرض صندوق النقد الدولي البالغ حوالي ١٢ مليار دولار، وإنه حتى المجلس التنفيذي للصندوق لن يجتمع لمناقشة القرض قبل إتمام هذين الإجراءين.

الحزمة التي ينبني عليها قرض الصندوق هي حزمة تهدف بالأساس لخفض عجز الموازنة وخفض الدين العام، كالمعتاد. وصول الدولار إلى ١٢ جنيهًا أو ما فوق سيكون له أثر عكسي على هذا الهدف، لأن الدولة تستورد المنتجات البترولية والقمح من الخارج، وكل ذلك قيمته بالجنيه المصري ستزيد زيادة كبيرة تعكس الزيادة في سعر الدولار، وبالتالي سيكون هناك ضغط إضافي عميق على عجز الموازنة.

رفع سعر الفائدة المرتقب بعد التعويم سيكون له كذلك أثر كبير على الدين العام وعلى عجز الموازنة، لأن الدولة في مصر هي أكبر مقترض على الإطلاق، بالتالي حين يرتفع سعر الفائدة، ستزيد تكلفة الدين المحلي، وتكلفة الاقتراض بالجنيه، وهو ما سيضيف عبئًا جديدًا على عجز الموازنة والدين العام، اللذين هما مرتفعان أصلًا.

طبعًا، فالأثر الذي نتحدث جميعنا عنه وهو التضخم وارتفاع الأسعار سينتج عن أربعة أو خمسة عوامل، ليس فقط سعر الدولار الذي سيصنع صدمة تضخمية مهمة، لكن أيضًا بقية إجراءات حزمة الصندوق لها آثار تضخمية، أولها كان قانون القيمة المضافة الذي تم إقراره بالفعل، ثم رفع الدعم الذي سيكون له نفس الآثار كذلك، وبقية الإجراءات التقشفية التي تشمل رفع أسعار البنزين والكهرباء ومياه الشرب والنقل، وهذا ضمن البرنامج التقشفي الذي اتفقت عليه مصر مع صندوق النقد. وفي بلد حصلت فيه زيادة هائلة في السنوات الأخيرة في عدد الفقراء، الذي وصل حاليًا حسب الأرقام الرسمية إلى ٢٧.٨٪ من إجمالي سكان مصر وعدد كبير من الباقي على حافة الفقر، سيكون هناك أثر مدمر لهذا القرار على حياة ملايين الناس الذين هم تحت خط الفقر، وقد يضيف إليهم ملايين إضافية من المصريين.

هل الدولة مضطرّة لاتخاذ هذا القرار؟ وما هي البدائل التي المتاحة أمامها؟

الدولة تقول إنه لا بديل، والصندوق يقول إنه لا بديل، لكننا سمعنا هذا الكلام عشرات المرات منذ عام ٢٠١١؛ أن لا بديل عن قرض الصندوق ولا بديل عن اتخاذ الإجراءات المطلوبة حتى نأخذ هذا القرض. في الحقيقة، ظلت الشروط تزداد سوءًا منذ مايو ٢٠١١ حين طُرح على مصر أول قرض للصندوق عقب الثورة مباشرة. في كل مرة حصل فيها تفاوض، سواءً في الحكومة الثانية، حكومة عصام شرف، أو مع الإخوان بعدها، أو مع نظام السيسي، كانت الشروط تسوء والوضع يسوء، لأن هذه الحكومات ظلت مقتنعة بتوجه معين وغير قادرة على تنفيذه. هذا التوجه التقشفي طبعًا، في تقديري، معادٍ لمصالح الناس ومساند لمصالح حفنة من المصدّرين الذين هم وحدهم قد يكونوا مستفيدين من تخفيض سعر الصرف، إلى جانب قطاع التمويل المصري.

مع مرور الوقت، خصوصًا أنه لم تتخذ أي إجراءات لمنع هروب الأموال الفادح إلى الخارج أو للحد من الاستيراد الطرفي على مدى هذه السنين، تراكم الوضع وأصبح هناك ضغط هائل، بحيث بات من الممكن الآن أكثر من أي وقت مضى أن يُقال لنا أنه لا بديل عن الحصول على قرض الـ١٢ مليار دولار التي وعد بها الصندوق لإنقاذ الموقف. لكن طبعًا لو فكرنا على المدى المتوسط، فهناك إجراءات يمكن أن توفر العملة. فالاستقرار السياسي يمكن أن يحل مشكلة السياحة التي هي مصدر من مصادر العملة الأجنبية. كذلك، على مدى السنين الماضية كانت هنالك تحويلات قياسية من المصريين في الخارج لم تتم الاستفادة منها بالشكل المطلوب. أهدر كذلك كم هائل من العملة الأجنبية في مشروع تفريعة قناة السويس، وهذا كان أمرًا له أثر بالغ على الاحتياطي وعلى ميزان المدفوعات المصري، بغض النظر عن جدوى المشروع.

هناك إجراءات مثل التي اتخذتها الجزائر إزاء قطاعات تحقق هوامش أرباح جبارة، كالإسمنت، حيث ظلت الشركات الأجنبية تحول أرباحها بالعملة الصعبة للخارج على مدى سنين طويلة، إذ اشترطت الجزائر إعادة استثمار نصف الأرباح التي تُحقَق فيها محليًا. هناك أيضًا التشديد على خروج الأموال، سواء الخروج الشرعي، عن طريق تحويلات أرباح أو غيره، أو غير الشرعي. آخر أرقام للبنك المركزي تقول إن حساب بند ما يسمى السهو والخطأ، وهو الأموال التي يعلن المركزي أنه غير قادر على تفسير مآلها، قد تضاعف تقريبًا ليصل أربعة مليار دولار فقط في عام واحد. هذا رقم هائل، تقريبًا ثلث قرض الصندوق، ولنا أن نتخيل أن هذه الأموال غير التي لا يتم رصدها في البنك المركزي.

عام ٢٠٠٠ كان سعر صرف الدولار مقابل الجنيه ٣.٤٢، كيف حدث الانهيار من ذلك السعر إلى السعر الحالي وما القرارات السابقة التي قد تكون مهدت له؟‎

قبل عام ٢٠٠٣ كان السعر يحدد بشكل إداري، ونحن لسنا في هذا الوضع الآن. عام ٢٠٠٣، تم تعويم الجنيه بقرار من مجلس الوزراء، وهذا فرق كبير عن الآن، حيث أن البنك المركزي بات هو من يدير السياسة النقدية. حينها كان سعر الدولار قرابة ٣,٥ جنيهات، وحصل شيء شبيه بالمتوقع الآن، فسعر السوق السوداء بعد قرار التعويم مباشرة ارتفع لما فوق السبع جنيهات، ثم تدريجيًا مع القرارات والسياسات التي اتخذها البنك المركزي حينها ظل السعر يتراجع حتى بلغ ٥,٢٩. لكن طبعًا بسبب ما حصل منذ ٢٠١١ وهروب الأموال والضغط الهائل على الاحتياطيات، وسط امتناع المركزي والسلطات النقدية عن أخذ إجراءات لمنع هذا الهروب، ورغم كل القروض والمنح والمساعدات التي دخلت مصر بالدولار، إلا أنه ظل هناك نقص هائل بالعملة الصعبة، خاصة بعد تراجع التجارة الدولية، وهو ما أثر على عائدات قناة السويس، وطبعًا مع الأوضاع السياسية التي أثرت على العائدات من السياحة، خاصة بعد تطورات الأمور في سيناء.

ما تأثير قرار كهذا على الاستثمارات الأجنبية الموجودة في مصر، أو تلك التي تفكر بالاستثمار في مصر، وعلى المغتربين المصريين؟

طبعًا، التعويم سيخسّر المستثمر في مصر، حيث أن قيمة استثماره بالعملة المحلية سيكون مقابلها بالدولار أقل، والأرباح التي يحققها في مصر حين يحولّها للدولار ستكون قيمتها أقل. بالتالي، فالمستثمرون الأجانب في مصر بالفعل سيخسرون، لكنهم يطالِبون بالسعر الواحد [الثابت] لأنه على الأقل سيحل مشاكل التحويل، فالبنك المركزي كان قد فرض قيود على تحويل الأرباح في المقام الأول.

من سيستثمر الآن ستكون له فرصة أحسن، لأنه قيمة الاستثمارات بالدولار ستكون أقل، أي أن الاستثمار سيكون أرخص، لكن هناك طبعًا عوامل أخرى غير التكلفة المباشرة للاستثمار منها العائد المتوقع، والأوضاع السياسية والقانونية، خصوصًا أنه وفقًا لأرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في تراجع في ٢٠١٥، ومن غير المتوقع أن تعود لمستوياتها السابقة في ٢٠١٦، وبالتالي التعويل على الاستثمار الأجنبي ليس تمامًا استراتيجية مضمونة يمكن الاعتماد عليها.