الإخوان يحكمون مصر: أوهام السّلطة كطريقٍ سريعٍ للانتحار

مصدر الصورة موقع galeri.uludagsozluk

الإخوان يحكمون مصر: أوهام السّلطة كطريقٍ سريعٍ للانتحار

الإثنين 02 نيسان 2018

هذا المقال هو الثاني ضمن ملف، تنشره حبر بمناسبة مرور تسعين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. ستنشر المقالات كل يوم إثنين على مدار الشهرين القادمين. يمكنكم الاطلاع على المقال الأول من خلال الرابط

شيء من التراجيكوميديا يطبع المرحلة التي «حكم» فيها الإخوان المسلمون مصر لسنة واحدة وأيام ثلاثة، تتمثّل بشكل أساسيّ بالثّقة الكبيرة المُتوهّمة بالنّفس، والتي كانت تسم –عمومًا- تحرّك الإخوان المُنفرد، ليس في مصر فقط، ولكن في أغلب السّاحات التي تشهد وجودًا مؤثّرًا لهم، بعيدًا عن أشكال التّحالفات والائتلافات الحقيقيّة، وبناء التّفاهمات والشّراكات مع قوى المعارضة الأخرى، باتجاه ترميم المجتمع والسّياسة، التي فكّكتها المجموعات الحاكمة ومن قبلها القوى الاستعماريّة.

ورغم أنّ ثمّة اتّفاقات بين الإخوان والقوى المعارضة الأخرى على بعض المسائل الأساسيّة مثل الموقف من «إسرائيل» والتّطبيع، ومناهضة استبداد المجموعات الحاكمة، إلا أن هذه الاتّفاقات لم تؤدِّ إلّا إلى أشكال خجولة وشكليّة من التّنسيق، لكنّها لم تتطوّر إلى حدّ تشكيل جبهة موحّدة ترسم الاستراتيجيّات والبدائل. أمّا عند المفاصل الكبرى، مثل الانتخابات البرلمانيّة، كان الإخوان يرفضون التّحالفات الجديّة، ويخوضونها وحدهم، الأمر الذي كان يُعزّز المخاوف أكثر.

الطريق نحو السّلطة: الانتخابات كمقدّمة للاستبداد

هذه الثّقة المفرطة بالنّفس (الناتجة في جزءٍ منها عن الضعف الشّديد للقوى الأخرى، ومحدوديّة تأثيرها) غالبًا ما تؤدّي بالإخوان إلى التفرّد بالقرار، حالما يلوح لهم أن الأمر ممكن. حصل هذا –مثلًا- في أوّل انتخابات لتأسيس اتّحاد عامّ موحّد لجميع طلبة الأردن عام 1990، إثر هبّة نيسان المعروفة في العام الذي سبقها، حين فضّ الإخوان تحالفهم مع القوميين واليساريّين (المسمّى «مبادرة الوحدة الطلابيّة»، التي دعت لخيار تأسيس اتّحاد عام، مقابل خيار تأسيس اتحادات موقعية منفصلة لكل جامعة تبنّاه «الطلاب المستقلّون» المحسوبون على السّلطة) لخوض انتخابات اللّجان التحضيريّة للاتحاد العام بشكل منفرد، وهي انتخاباتٌ اكتسحها مرشحو الإخوان اكتساحًا كاملًا، لتكون النّتيجة فشل المشروع نفسه (لم تتحقّق صيغة «الاتحاد العام لطلبة الأردن» أبدًا حتى اليوم)؛ حصل هذا –أيضًا- في غزّة بعد عام واحد من فوز حماس في الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة عام 2006، كما حصل في مصر في انتخابات مجلس الشّورى عام 2012، إثر الانتفاضة المصريّة، ومن ثمّ في الجمعيّة التأسيسيّة لصياغة الدّستور بعدها مباشرة.

مثل هذا الانفراد، المُتحقّق للإخوان في الأمثلة أعلاه من خلال انتخابات نزيهة وديمقراطيّة إلى حدّ بعيد، لن يؤدّي إلا إلى الاستبداد، أو محاولة احتكار السّلطة الكامل، لا لأن هذا الأمر «مُتأصّل عقائديًّا» بالإخوان المسلمين دون غيرهم، بل لأن بُنى الحُكم والإدارة في الكيانات الوظيفيّة العربيّة غير مُصاغة على شكل دول، بل على شكل سُلطة. بهذا المعنى، يكون شكل الصّراع عمومًا هو من أجل الاستحواذ على السّلطة، وليس على إدارة الدّولة. سيقود هذا أيّ مُتنافس، كائنًا ما كانت الأيديولوجيا التي يحملها، إمّا إلى الاستبداد إن استتبّ له الأمر؛ أو إلى هزيمته أمام بنى السّلطة الأعمق والأكثر تأثيرًا، وتصفيته إذ يُعزل عن بقيّة القوى الاجتماعيّة الأخرى التي انفرد عنها، ويُستفرد به بمباركتها، كما حصل مع الإخوان في مصر.

في الفرق بين «الدّولة» و«السّلطة»: لماذا لا تتوقّف كياناتنا السياسيّة عن إنتاج الاستبداد

قبل أن تستحوذ قوّة ما على السُّلطة «ديمقراطيًّا»، ينبغي أوّلًا إنشاء «الدّولة الديمقراطيّة» ومؤسّساتها، باعتبارها أرضيّة الحكم والإدارة التي يقف عليها المجتمع بكلّ مكوّناته، وبصفتها ضمانة الجميع ضد استبداد مُكوّن على الآخرين، من خلال مأسسة المساواة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. هذا التأسيس لا يتمّ على قاعدة المُغالبة الانتخابيّة، بل على قاعدة المشاركة الجماعيّة لكلّ التيّارات والاتّجاهات مهما قلّ وزنها، إذ أن الضّمانات الحقيقيّة ضد الاستبداد تُشتقّ من التيّارات «الأقلويّة» بالذّات. وينبغي التّفريق هنا بين «الدّولة»، التي تمثّل شرعيّة وجود المجتمع كما هو، بجميع مكوّناته، وباعتبارها (بواسطة المؤسّسات التي يشتقّها المجتمع لهذا الغرض) أداة لتعزيز هذه الشرعيّة من خلال المساواة المذكورة، و«الحكومة» التي هي الإدارة المُنتخبة للدّولة المذكورة، مُكبّلة حتى أخمص قدميها بضمانات تمنع تحوّلها إلى سلطة قمعيّة.

الصّراع القائم في الكيانات الوظيفيّة العربيّة هو صراع على السّلطة، أي صراع على إدارة الاستبداد الذي يأخذ مظهر الدّولة، وجوهر العُصبة

«الدّولة» هنا هي الإجماع الاجتماعيّ (الإجماع = موافقة الجميع) حول التأطير السياسيّ للمجتمع (المتعدّد بالضرورة)، أما «الحكومة» فهي إدارة الأغلبيّة لهذا الإجماع، لا يشترط فيها موافقة الجميع، لكن لا يمكن لها خرق الإجماع أو فرض هيمنتها عليه.

لا يوجد أي شيء من هذا التصوّر (أو أي شيء يقترب ولو قليلًا منه) في كيانات عالمنا العربيّ، إذ أنّ المؤسّسات معدومة، والتحقّق الاجتماعيّ داخل «دولة» لم يتم، ولم يكتمل (بفعل عوامل الاستعمار، والكيانات التي تلته، ومجموعاتها الحاكمة) «نضج» المجتمع كوحدة تكتسب مشروعيّتها من وجودها كما هي، بكل اختلافاتها وتنوّعاتها، بل تفكّك المجتمع الأوليّ الذي أنتجه الصّراع ضد الاستعمار، إلى مجموعات متناحرة.

الصّراع القائم في الكيانات الوظيفيّة العربيّة هو صراع على السّلطة، أي صراع على إدارة الاستبداد الذي يأخذ مظهر الدّولة، وجوهر العُصبة (أو العصابة)، ولهذا السّبب بالذات لا تتوقّف كياناتنا الوظيفيّة عن إنتاج الاستبداد، كائنًا من كان في السّلطة، وهو ما كان (أيضًا) من الإخوان إذ صعدوا إلى «الحكم» في مصر: لم تكن هناك ثمّة دولة لتتمّ إدارتها، مؤسّسات وتقاليد وضمانات تُنظّم وتحدّد، ما كان يوجد (وما يزال) هو السّلطة: شكل لامؤسّساتيّ، مطلق، توتاليتاريّ، يتمّ الاستحواذ عليها بالحيازة المُتفرّدة، دون شراكة، وتستمرّ باحتكارها، بالقوّة.

كيف تحشر نفسك في الزّاوية: الإخوان ينتقلون من «الثّورة» إلى سُلطة متوهّمة

تلك الحيازة من جانب الإخوان في مصر كانت -طبعًا- محاولة لم تكتمل، وأحاطت بها الكثير من مقولات التّهويل والمبالغة من جانب خصومهم، إذ أنّ الإخوان لم يتمكّنوا –في أي وقت من الاوقات- من الإمساك الحقيقيّ بمفاصل السّلطة الأساسيّة الحاسمة (الجيش، الشّرطة، الاستخبارات، القضاء)، واقتصر نفوذهم على جزء من السّلطة التنفيذيّة من جهة، ومجلس تشريعيّ يشبه أغلب المجالس التشريعيّة في العالم العربيّ: مؤسّسة بلا أنياب، ولا تقاليد، ولا إمكانيّات حقيقيّة لها في مقارعة هيمنة الأجهزة الأمنيّة، وأصحاب القرار الفعليّين، هؤلاء الذين صاروا يُسمّون: «الدّولة العميقة»، وهي عبارة سأتجنّب استخدامها لإيحاءاتها المُضلّلة بوجود «دولة» ما داخل البُنى المُفرغة التي هي مجرّد كيانات وظيفيّة (وليست دولًا) على رأسها مجموعات حاكمة (وليست أنظمة).

نبعت ثقة الإخوان الكبيرة بأنفسهم، في مصر وكثير من الكيانات العربيّة الأخرى، من كونهم القوّة المُنظّمة الرئيسيّة، وشبه الوحيدة، القادرة على المنافسة (المحدودة) للاستحواذ على السّلطة؛ فباستثناء المجموعة السياسيّة الحاكمة، بكيانها الوظيفيّ، ومجموعاتها الزبائنيّة، وقوّتها الغاشمة، لم توجد أيّة قوّة سياسيّة على الإطلاق يمكنها مجاراتهم، لا من حيث عدد كوادرهم ومناصريهم، أو عمق وصولهم الاجتماعيّ، أو قدراتهم وخبراتهم التنظيميّة، أو خطابهم المؤثّر، أو مرونة حركتهم، أو شبكة مؤسّساتهم السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتعليميّة والدينيّة المختلفة، وهو الأمر الذي استدعى المجموعات الحاكمة في أغلب الكيانات العربيّة، إلى شنّ الحرب عليهم، بدرجات مختلفة من الشّراسة والاحتواء والتّفتيت، بعد فترة نسبيّة من السّمن والعسل والرّعاية، أو القبول والتّعايش، التي حظيت بها الجماعة في فترات مختلفة خلال الخمسينيّات وحتى بدايات الثمانينيّات من القرن الماضي في بعض البلدان العربيّة، حين كانت هدف السّلطة تكسير نفوذ القوميين واليساريّين الصّاعدين سياسيًّا حينها (مثل الأردن)، أو لبرلة الاقتصاد (مثل مصر السّادات)، فكان الإخوان جزءًا من أدوات السّلطة لتحقيق تلك الأغراض في تلك المراحل.

كما نبعت الثّقة، خصوصًا في حالة مصر، من ضعف تقدير قوة الخصم، أي المجموعة الحاكمة التي لم تتأثّر كثيرًا برحيل رأسها، واعتقال ومحاكمة بعض أعضائها، بل –بالعكس- قويت شوكتها، إذ استطاعت الصّمود والبقاء في الحكم (عن طريق المجلس العسكريّ الذي ظلّ طوال الوقت صاحب القرار والنّفوذ الفعليّ)، وأعادت إنتاج نفسها بشكل مقبول جزئيًّا من لدن جزءٍ وازن من الجمهور عبر توزيع الأدوار (الشُّرطة تقمع، والجيش يحجز)، وتغييب الأمن (وبالتالي خلق الطّلب لعودة أجهزته –ثانية- إلى الشّارع بعد أن تم «تحريره» منها)، وتمكنّها من شقّ صفوف المُنتفضين على هذا الأساس.

هذه الثّقة أدّت بالإخوان إلى اتّخاذ مسارٍ تسوويٍّ (كما جرت عليه استراتيجيّة الإخوان «الإصلاحيّة» تاريخيًّا مع المجموعات الحاكمة) ظنّته قادرًا على شراء وقتٍ كافٍ لهم في «الحكم»، يمكّنهم من الوصول إلى لحظة «الهيمنة» على السّياسة والاقتصاد والمجتمع، والانتقال إلى خطوة تالية، هي ترسيخ تلك الهيمنة عبر احتكار السّلطة وتصفية المنافسين (على منوال ما يحصل في تركيّا اليوم، إذ قطع حزب العدالة والتّنمية الإسلاميّ -بحصافة وذكاء- الخطّ الفاصل بين الضّعف والتمكّن، وأخذ بتطهير المساحة السياسيّة من المنافسين ابتداءً من الأقوى: الجيش والأجهزة الأمنيّة، وتنظيم فتح الله جولن).

تحوّل كثيرٌ من معارضي الإخوان إلى تأييد الديكتاتوريّة والسلطويّة و«التّحالف» مع المجلس العسكريّ، وهي أمورٌ كانت بحدّ ذاتها أسبابًا للاعتراض على الإخوان، ودعم عودة العسكر لموقع الرّئاسة

لم يقترب إخوان مصر من هذه اللّحظة رغم أنّهم ظنّوا أنفسهم كذلك، وكأنّ سذاجة ما، مصحوبة بنشوة وهم القوّة، تطبع تقدير الإخوان للّحظات السياسيّة، مثل تلك اللّحظة التي صرّح فيها عزّام الهنيدي (رئيس كتلة الإخوان في مجلس النّواب الأردنيّ حينها) أن الإخوان جاهزون للحكم في الأردن، إثر انتصار حماس في الانتخابات التّشريعية في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة عام 2006، وهو التّصريح الذي ارتكز عليه رئيس الوزراء السّابق معروف البخيت حين قال لصحيفة الحياة اللّندنيّة أنه «أحبط مخطّطًا لسيطرة الإخوان على الحكم» عام 2011، في إشارته إلى احتجاجات 24 و25 آذار 2011 على دوّار الدّاخليّة في العاصمة عمّان.

المبالغة في تقدير القوّة الذاتيّة، مع ضعف تقدير قوة الخصم، وبالتالي الميل إلى «التّحالف» معه بدلًا من القوى الثّوريّة المختلفة التي كانت ما تزال فاعلة على الأرض في مصر، وضع الإخوان في موقف انتحاريّ: أصبحوا خارج «الثّورة»، في مواجهة المُنتفضين في الشّارع بمختلف توجّهاتهم، بمن فيهم –أحيانًا- ثوريّي الجماعة أنفسهم، الأمر الذي أحدث انشقاقات، خصوصًا في أوساط شباب الجماعة؛ وفي نفس الوقت: تموضعوا في مكان مكشوف أمام «حليف» (هو في الواقع أشدّ الخصوم شراسة) يظنّون فيه «الضعف» (وهو أقوى منهم أضعاف أضعاف المرّات) و«الحاجة» لهم (بينما هو في الواقع «يوظّفهم»، أو بشكل أدقّ، يوظّف المكان الانتحاريّ الذي وضعوا أنفسهم فيه، ليسيروا إلى نهاياتهم المحتومة).

لا يمكن النّظر إلى الإعلان الدّستوري الذي أصدره محمد مرسي باعتباره رئيسّا للجمهورية بتاريخ 22 نوفمبر 2012، وينصّ على أن قراراته «تكون نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطّعن عليها بأي طريق وأمام أيّة جهة، كما لا يجوز التعرّض لقراراته بوقف التّنفيذ أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلّقة بها والمنظورة أمام أيّة جهة قضائيّة»، أي –ببساطة- إعطائه صلاحيّات الحاكم المطلق المحصّن ضد أي محاسبة؛ أو تغاضي الإخوان عن أحداث شارع محمد محمود الدمويّة شهر نوفمبر 2011، واعتبارها تشويشًا على الانتخابات البرلمانيّة المُزمعة في انحياز مضمر للمجلس العسكريّ، الأمر الذي أدّى إلى إطلاق الشّعار الشّهير «الإخوان باعونا في محمّد محمود»؛ أو تشدّدهم في المجلس التشريعيّ والجمعيّة التأسيسيّة لصياغة الدّستور؛ ودخولهم مع المجلس العسكريّ بمساومات وتسويات وصدامات (…) لا يمكن النّظر إلى كلّ ذلك إلا من باب فرط الثّقة الزّائد بالنفس، وسوء تقدير هائل لقوّة الخصم، أضاع فيه الإخوان أنفسهم، وبدّدوا جهدهم، وأضعفوا قوّتهم بدلًا من التّركيز على مواجهة خصمهم الأساسيّ (المجموعة الحاكمة فعليًّا) إنطلاقًا من تحالف سياسيّ/ شعبيّ واسع، يشكّل مظلّة أمان ضد قوّة السّلاح والعنف والدّعاية التي يملكها الخصم، وإطلاق آليات تُحوّل المجاميع المفكّكة التي تشكّل منها جسم المُنتفضين، ومجمل «المجتمع» المصريّ، إلى «مجتمع سياسيّ»، يستكمل النّقاشات التي بدأت في الميادين المُنتفضة، ويحاول أن يشتقّ منها تفاهمات ومؤسّسات تقود إلى تنفيذ هذه التّفاهمات باعتبارها التّغيير الممكن القائم على القطع مع النّظام القديم، وتشكيل نظام لم يكن محدّد المعالم حينها، لا من قريب ولا من بعيد، سوى في إطار شعارات وفيّة لما يجب أن تكون عليه الشّعارات: كلام كبير مفرغ من المضمون المعرفيّ الحقيقيّ من جهة، وحمّال أوجه يمكن تفسيره في أيّ اتّجاه من جهة ثانية.

بهذه الخطوة الانتحاريّة، أضحى الإخوان المسلمون في موقع مكشوف أمام جميع التيّارات والقوى في مصر، يسهل الهجوم عليهم من كلّ الجهات. وكما تشكّلت طبقة ثوريّة مؤقّتة مناهضة للنّظام (كما سمّيتها في مقالتي: الهيمنة المستدامة: الانتخابات كآليّة لتعزيز احتكار السّلطة) في مواجهة حسني مبارك، صار يمكن تكرار تشكّل طبقة ثوريّة مؤقّتة أخرى في مواجهة الإخوان، أكبر أثرًا وأكثر عددًا وأشدّ كفاءة، لانضمام المجموعة الحاكمة بكلّ قوّتها إليها، فتحقّقت تصفية الإخوان المسلمين ابتداءً من 30 يونيو 2013، ويا لسخرية سوء التّقدير، على يدهم هم بالذّات!

معارضو الإخوان إذ يُضيعون اللّحظة، ويختارون –أيضًا- التّصفية الذاتيّة

ثمة سخرية أخرى تتمثّل في موقف كثير من معارضي الإخوان، إذ تحوّلوا إلى تأييد الديكتاتوريّة والسلطويّة و«التّحالف» مع المجلس العسكريّ، وهي أمورٌ كانت بحدّ ذاتها أسبابًا للاعتراض على الإخوان، ودعم عودة العسكر لموقع الرّئاسة بعد أن كان محمد مرسي هو المدنيّ الوحيد الذي يتسلّم الموقع منذ إعلان مصر جمهوريّة في العام 1953؛ وإسقاطهم لكل دعاواهم الليبراليّة والحقوقيّة والمدنيّة والإنسانيّة إذ وصل الزّعيق إلى حدّ المطالبة بـ«إبادة» الإخوان المحتجّين المعتصمين في ميدان رابعة، والتّشفّي بالمذبحة التي وقعت أثناء فضّ الاعتصام.

أمّا الجانب المأساويّ –بنظري- فهو تجاهل الإيجابيّات الكبيرة لحقبة «حكم» الإخوان، والتي كان يمكن البناء عليها باتّجاه الوصول إلى لحظة «المجتمع المسيّس»، واقتراح البدائل التي قد تقود نحو الدّولة، فقد أحدث وصول الإخوان إلى سدّة الرّئاسة وتشكيل الحكومة وتحقيق أغلبيّة في المجلس التشريعيّ ومجلس صياغة الدّستور، حالة استقطاب شديدة بين القوى السياسيّة المختلفة، وصل تأثيرها حتى عامّة الناس، إذ تحوّلت النقاشات حول الدّولة المدنيّة (العلمانيّة) والدولة الدينيّة، والدستور وموادّه وتبعاته، إلى مادة للنقاش الجماهيريّ: شكل غير مسبوق من أشكال دمقرطة السّياسة، وخطوة هامّة على سبيل تأميمها (فكّ حصريّتها -المتعلّقة بالـ«نخب»- واحتكارها -المتعلّق بالمجموعات الحاكمة-)، وتحوّل المجتمع نفسه إلى «مجتمع سياسيّ».

أمّا الجانب المأساويّ فهو تجاهل الإيجابيّات الكبيرة لحقبة «حكم» الإخوان، والتي كان يمكن البناء عليها باتّجاه الوصول إلى لحظة «المجتمع المسيّس»، واقتراح البدائل التي قد تقود نحو الدّولة

كانت قبضة الإخوان على السّلطة ضعيفة، وهذه ميزة تسمح للقوى الأخرى (القوميّة واليساريّة والليبراليّة) بتحدّيهم، وتتيح لهم النموّ وبناء التّحالفات، وتحفيز النّقاشات، وإنضاج الخطاب المناهض (أو البديل)، واقتراح أشكال جديدة للسّياسة والاجتماع لم تتمكن الانتفاضة المصريّة من اقتراحها نظرًا للفراغ الاجتماعيّ والسياسيّ والتنظيميّ الذي صنعته المجموعات الحاكمة طوال عقود.

أنتجت المجموعات الحاكمة «الفوضى» اللّاحقة لانهيارها أو تراخي سلطتها عبر تدميرها للمجتمع السياسيّ، وعدم إنجازها للدّولة (بل تفكيك إمكانيّات إنشائها)، وأضحت مثل طنجرة الضّغط التي تكبس داخلها (بقوّة القهر) عناصر كامنة قيد الانفجار العشوائيّ، وهو ما حصل للحظات خلال الانتفاضات العربية 2010 – 2013. تحتاج هذه العناصر المتحرّرة بعشوائية بعد انفجار طنجرة الضّغط التي تحشرها إلى مساحة زمنيّة للوصول إلى «نظام» آخر، تتضمن حوارات ونقاشات واقتراح نماذج وإقامة مؤسّسات ومعايير وضمانات وتسويات (…) الخ. هذه المساحة لن تتوفّر في سياق محليّ ما تزال طنجرة ضغطه قويّة ومتماسكة وقادرة، وسياق إقليميّ ودوليّ مُتدخّل؛ هكذا: كان يمكن لحكومة إخوانيّة مستمرّة لعدّة سنوات، أن تخفّف من هذا الضّغط بضعفها وعدم تمكّنها من مفاصل الهيمنة الأساسيّة التي تحدّثنا عنها سابقًا، لتتأسّس مساحة يندر أن تتشكّل بغير هذا الضّعف. لكن، وكما حشر الإخوان أنفسهم في خانة الانتحار السياسيّ عندما اختاروا «التّحالف» مع المجموعة الحاكمة ، كذلك فعل معارضوهم إذ اختاروا الموقع الانتحاريّ نفسه الذي انتهوا إليه اليوم: انضمّوا إلى المجموعة الحاكمة في دور وظيفيّ جديد أدّى إلى تصفيتهم لاحقًا.

يؤيّد ما أذهب إليه من أن مرحلة «الإخوان» كان يمكن أن تكون فسحة لنقاش سياسيّ مجتمعيّ واسع قد يقود إلى تغيير حقيقيّ، من خلال استكمال دمقرطة السّياسة وتأميمها، وإنضاج البدائل، خصوصًا ذاك النقاش الذي لم يُستكمل حول طبيعة الدّولة ودستورها، أن الإخوان (من حيث أنهم ضعفاء في السّلطة كما أسلفت) لم يقمعوا النّاس بالحديد والنّار (كما فعلت المجموعات الحاكمة قبل، وأثناء، وبعد الانتفاضات). أوضح مثال على ذلك هو البرنامج السّاخر الأشهر في تلك الفترة: «البرنامج»، الذي استمرّ باسم يوسف بتقديمه أسبوعيًّا خلال فترة وصول الإخوان إلى الرّئاسة، وخُصّص بشكل شبه حصريّ للسّخرية من الرئيس محمد مرسي والإخوان. كان كلّ ما فعله الإخوان هو رفع شكوى قضائيّة ضدّه، وهي طريقة محترمة ومنضبطة ومنطقيّة في التّعامل مع الخصوم، خصوصًا وأن السّلطة القضائيّة لم تكن في «جيب الرئيس». تحوّل باسم يوسف، أو حُوّل، في لحظةٍ، إلى شهيد للحريّة، رغم أن برنامجه ظلّ قائمًا، وانتقاداته مستمرّة على ذات السويّة، إلى أن أعدمته (البرنامج، لا الشّخص) المرحلة التالية، التي جاءت لدرء «استبداد الإخوان»، فاستبدّت كما لم يكن حتى في ظلّ حكم مبارك.

انتصار الثّورة المضادّة: تصفية المجتمع المسيّس وإنهاء تأميم السّياسة

هنا بالضّبط نستطيع الإمساك بلحظة انتصار «الثّورة المضادّة»، والتي لم تتمثّل فقط باحتواء واستخدام الإخوان كواجهة (متّهمة بالانحراف نحو الاستبداد)، للعودة بالاستبداد نفسه إلى الحكم المُباشر، بل بالقضاء شبه الكامل على التحوّل الاجتماعيّ المضطرد الذي كان يأخذ شكل نقاش سياسيّ ينتقل من النّخب إلى النّاس، وبدأ قبل الانتفاضة المصريّة من خلال تحرّكات مثل «كفاية»، وشباب 6 إبريل، وحريّة رأي مُنتزعة مكّنت صحفًا مثل «الدّستور» و«الكرامة» من انتقاد الرّئيس حسني مبارك نفسه بقسوة، وانتقاد التّوريث، والفساد، مُتيحًة هذه المواضيع للنّقاش العام، وفاتحةً مساحة من حريّة التّعبير أضحت فيها شتيمة الرّئيس مبارك في حينه –كما عاينتها شخصيًّا- على كلّ لسان، يدعم ذلك شكلٌ من أشكال التّنسيق والعمل اليساريّ القوميّ الإسلاميّ المشترك، تمثّل في أعلى أشكاله بمؤتمر القاهرة الدّولي المناهض للعولمة والامبرياليّة والصهيونيّة، والمناوئ للاحتلال الأميركيّ للعراق، المنعقد سنويًّا منذ عام 2002 وحتى منعه عام 2009، وحضرتُ أغلب دوراته التي شبّكت التحرّكات المحليّة بمجموعات وأحزاب وحراكات عربيّة وإقليميّة وعالميّة، وقام عليه تنسيق عابر للأيديولوجيا تمثّل بحركة الكرامة (الناصريّة)، والاشتراكيّين الثوريّين، والإخوان المسلمين.

هذا الجوّ العامّ هو الذي مهّد لانتفاضة 2011، وهو الذي كان يُمكن له (إن أخذ فترة تاريخيّة أطول من العمل والنضوج) أن يشكّل رافعة لبديل ما عن الوضع القائم. انتصار «الثورة المضادّة» تحقّق بتصفية هذا الحراك بالكامل، وبإنهاء النّقاش المجتمعيّ، وإعادة احتكار السياسيّ بعد أن نُقلت السّياسة –لفترةٍ- إلى الشّارع، وصارت جزءًا من الفضاء العام، فأُعيد تحريمها على العامّة، وأُعيدت خصخصتها بعد أن أُمّمت.

عادت مصر اليوم، بعد أن كانت تموج تصاعديًّا بالحراك السياسيّ منذ عام 2002، وصولًا إلى قمّة ذلك الحراك عام 2011، إلى نقطة شبه صفريّة، حالها اليوم يشبه حال الأردن: خالية من أيّة قوى أو روافع من أيّ نوع، باستثناء المجموعة الحاكمة بأجنحتها المختلفة. ثمّة صمتٌ شاملٌ وعجز مُخيّم، حتى تجاه قضايا السّيادة والكرامة الوطنيّة، مثل التّنازل عن جزر تيران وصنافير للسّعوديّة، أو توقيع اتّفاقيّة لاستيراد الغاز من الصّهاينة بقيمة 15 مليار دولار من أموال المصريّين المُعدمين، رغم أن مصر تمتلك أكبر حقل للغاز شرقيّ المتوسّط. القضيّة الأولى أثارت بعض الاحتجاج الذي قوبل بالقمع وانتهى الأمر، أمّا الموضوع الثّاني فمرّ دون أيّ احتجاجات تُذكر، مثلما مرّ مؤخرًا موضوع مرشّحي الرئاسة المُنافسين للرئيس الحالي، والذين تمّ احتجازهم أو اعتقالهم واحدًا بعد آخر رغم أن أغلبهم من نفس علبته، الأمر الذي يؤكّد استتباب الهيمنة الكاملة للمجموعة الحاكمة، وفراغ السّاحة من أية قوى فعّالة من أي نوع، ولو إلى حين.

عادت مصر اليوم، بعد أن كانت تموج تصاعديًّا بالحراك السياسيّ منذ عام 2002، وصولًا إلى قمّة ذلك الحراك عام 2011، إلى نقطة شبه صفريّة، خالية من أيّة قوى أو روافع من أيّ نوع، باستثناء المجموعة الحاكمة بأجنحتها المختلفة

بالنّظر إلى الخلف، واستعادة ما حصل بشكلٍ نقديّ، نستطيع أن نرى أن كلّ القوى (سواء تلك التي في السّلطة، أو المعارضة)، تستبطن –بشكل أو بآخر- العداء لتأميم السّياسة، وتناهض تشكُّل المجتمع المُسيّس، إذ يُهدّدها مثل هذا المجتمع وجوديًّا، لجهة أن هذه القوى غير معنيّة (بالقراءة العميقة) بإحداث تغيّرات سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة كبرى، كما أنّها ليست معنيّة بالتحوّلات التاريخيّة التي تستلزم وقتًا وعملًا وإنضاجًا لأشكال الحركة والمصالح والطّبقات؛ نفسُها قصير وبُعد نظرها لا يتعدّى المستقبل القريب واستراتيجيّاتها تتعلّق بالاستحواذ على السّلطة: عينُها على التّغيير الفوقيّ الناتج عن الهيمنة، متناسيّة –في الوقت ذاته- أن بُنى السّلطة متشكّلة سلفًا، وقويّة، ولها «ميكانزماتها» الرّاسخة التي غالبًا ما تُغيّر ولا تتغيّر، وتلفظ من يرفض الانضواء في «تقاليدها»؛ ومتناسيةً –أيضًا- أنّها ضعيفة، قابلة للتوظيف، لهذا تتوسّل وتتوهّم «التّحالف» مع المجموعة الحاكمة، أو جزء منها.

في مصر: كانت «التّحالف» المتوهّم يتمّ مع الجيش، انحاز إليه الشّارع المنتفض أولًا (شعار: «الجيش والشّعب إيد وحده») ليسقط الرّئيس ويستمر «النّظام»؛ ثم انحاز إليه الإخوان المسلمون ضد الشّارع المنتفض في محمّد محمود؛ ثم انحاز إليه معارضو الإخوان ضد الإخوان؛ فخرج الجميع خاسرًا، ومُستخدمًا، إذ صَفّوا –بهذه الطريقة- أنفسهم بأيديهم، لتبقى المجموعة الحاكمة وحدها بلا منافس، في ساحة خوت تمامًا من القوى السياسيّة.

يؤكّد لنا هذا (مرّة بعد مرّة، تجربةً بعد أخرى) أنّ أي صراع تحرّري، تغييريّ، ينبغي أن يكون في مواجهة السّلطة، وباشتقاق مساحات عمل خارج نطاق نفوذها، وبتأميم السّياسة ونقلها إلى الحيّز العام كمادّة للنّقاش وإنضاج الأشكال البديلة. أما أوهام «التّحالف» مع السّلطة، والاستقواء بها، و«استخدامها» لإحداث تغيير سريع «من فوق»، فما تلك إلا الطريق السّريعة للانتحار.