الفيسبوك لايف والحراك: «حتى نحط العالم بالصورة»

الخميس 03 أيار 2018

في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات عالمية لمقاطعة فيسبوك وحذفه بعد فضيحة تجميع شركة كامبريدج أناليتيكا بياناتِ الملايين من مستخدمي الفيسبوك دون علمهم، وهي الشركة التي ستدير لاحقًا الحملة الانتخابية الإلكترونية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتأكد رامي من أن الموبايل مشحون، وأن لديه حزمة بيانات كافية لبثٍّ مباشرٍ على الفيسبوك قد تصل مدته لحوالي ساعة.

رامي، هو أحد ثلاثة أشخاص يشكلون الفريق المكلّف ببثّ الاعتصام المفتوح في الكرك. حيث في التاسعة مساءً، من كل يوم، يظهر لدى متابعيه على فيسبوك فيديو لعشرات المتظاهرين الواقفين أمام مبنى المحافظة متحدثين عبر مكبر الصوت عن مطالبهم السياسية والاقتصادية.

«أنا بقلك يا عاطف يا ساكن القصر، عود من حيث أتيت (..) ولكن مقدرات الوطن بدها ترجع غصب عنك»، يقول أحد المواطنين عبر مكبر الصوت وهو ينظر إلى الموبايل الذي ينقل كلامه مباشرة في اليوم السابع والثلاثين على بدء الاعتصام. كان قد نُشر خبرٌ يومها عن لقاء شباب من الحراك مع عاطف الطراونة، رئيس مجلس النواب، «وإحنا ما منعرف عنه شي، بس هو جمع اثنين ثلاثة من جماعته وعملوا غدا واتصوروا»، يقول رامي، مضيفًا: «وبما إنّه متنفّذ أكيد إله علاقات في مواقع إلكترونية وبقدر ينشر اللي بده إيّاه، وهاي كانت أحد أسباب إنه لازم نبث يومي ومن نفس المكان ونحدد أشخاص معينين للبث عشان يصير في مصداقية».

بعد تنفيذ قرار الحكومة رفع الدعم عن الخبز، وزيادة الضرائب على أكثر من 160 سلعة وخدمة في الأول من شباط من هذا العام، خرجت مظاهرات في بلدة ذيبان في مادبا، واعتصم مواطنون في ساحة العين في السلط. ومع مرور الوقت، تطورت الاحتجاجات إلى وقفات يومية منظمة في كل من السلط والكرك، إضافة إلى وقفات دورية في ذيبان.


بُثت هذه الفعاليات مباشرةً على العديد من صفحات الفيسبوك، وحتى لحظة كتابة هذا المقال، كان على إحدى هذه الحسابات 49 فيديو من الكرك، فيما بث حساب آخر 82 فيديو من السلط، تبلغ مدة كلّ منها ساعة تقريبا، موثقة بذلك معظم الوقفات الاحتجاجية منذ انطلاقها في تلك المناطق.

البث المباشر: «قناة فضائية متنقلة»

في السادس من نيسان/ أبريل 2016، أعلن مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، إتاحةَ خدمة البث المباشر للمستخدمين جميعهم، قائلًا: «يستطيع اليوم أي شخص يحمل موبايل أن يبث ما يريده لأي شخص في العالم، (..) سيخلق البث المباشر فرصًا جديدة تجمع الناس معًا».

لكن البث المباشر لعب دورًا آخر بحسب ما يعتقد صبري، أحد الناشطين في حراك ذيبان، «البث المباشر هو اللي منع الاعتداء علينا»، مشيرًا إلى اعتصام العاطلين عن العمل، عندما نصبوا خيمة للاحتجاج في البلدة بعد 20 يومًا من إعلان زوكربيرغ إطلاق الخدمة. كان البث المباشر أداة إعلامية أساسية في خيمة الاعتصام، «حتى نحط العالم بالصورة لأنه تم شيْطنِتنا أولها»، يقول صبري. وعلى الرغم من تغطية المواقع الأردنية للاعتصام إلّا أن «كل شي صار بالخيمة كان يبث مباشر، الاعتصامات والفعاليات وجلسات حوارية من ضيوف من زوار من مؤيدين للكرك والطفيلة كانوا بث مباشر». وإن كان البث المباشر قد منع الاعتداء عليهم إلا أنه في الوقت ذاته، بحسب ما يظنّ صبري، كان السبب في فض الاعتصام بالقوة، وهدم الخيمة بعد 58 يومًا من نصبها، «لأنها زي ما قلتلك كانت قناة فضائية متنقلة».

قبل ذلك، في الحراك الذي انطلق مطلع عام 2011، وُثّقت بعض الفعاليات الاحتجاجية إما بتغطيات من المواقع الإلكترونية، أو من خلال البث المباشر والتقارير المسجلة في القنوات الفضائية، فيما كانت وسائل التواصل الاجتماعي توثق الوقائع بعد حدوثها (وإن كان بفترة قصيرة) عبر الصور أو التغريدات أو الفيديوهات المُمَنتجة، في حين كانت شركات إعلامية متخصصة تتولى البث المباشر. أما اليوم، فإن إتاحة الخدمة لكل المستخدمين تُغلق الفاصل الزمني بين وقوع الحدث وبثّه إلى جمهور أوسع، كما تمنح الناشطين القدرة على تجاوز الوسطاء من شركات ووسائل إعلام.

لكن، وعلى الرغم من وصول عدد مشاهدي البث المباشر للاحتجاجات الأخيرة، إلى عشرات الآلاف أحيانًا، إلا أن عدد المشاركين، في كل وقفة، يُقدّر بالعشرات أو المئات. يعزو محمد، من الكرك، هذا الفارق في الأعداد إلى أسباب لوجستية: «ما عنّا مواصلات بعد الساعة ستة، [لا] مواصلات عامة، لا باصات خط عمومي ولا تكاسي». بينما يعزوه أحمد، من السلط، إلى أسباب أمنية: «في ناس بقلك لويش أنزل وممكن أتساءل في المستقبل».


يعلق متابعو البث على الحدث مباشرة، فيُبدون إما تأييدهم ودعمهم له، أو اعتراضهم عليه. ولا تقتصر المشاهدات على من هم في الأردن، بل تمتدّ إلى المغتربين كذلك، وهو ما أدركه أحمد مرّة عندما توقّف البث، فوصلته تعليقات غاضبة، إذ يقول أصحابها: «إحنا خارج الأردن، بعتقد إن من حقنا أن نعرف ما يدور في بلدنا، وليس من حق شخص معين يوقف ويحدد ويحذف».

في المقابل، تكاد تنعدم تغطية الاحتجاجات في الإعلام التقليدي، يقول رامي: «مفيش صحفيين بحكوا معنا، ولا حدا بقرب إلنا، ولا حتى صورة. اضطرينا نعمل بث مباشر بشكل رسمي ويومي وإله توقيت». أمّا صبري فيربط غياب الإعلام عن مظاهرات ذيبان بالخوف من التبعات القانونية: «من الناحية الأمنية، أنا ما بخاف لإني مش موقع مرخص، وفش حدا مسؤول عني. الصحفي لما يشتغل عند موقع مرخص، الموقع مسؤول قانونيًا، وصاحب الموقع بده يضغط عليه».

تضع القوانين جملة من الشروط التي تعيق إلى درجة كبيرة تأسيس النشطاءِ مواقعَ إلكترونية، أو مدونات يناقشون الشأن العام وشؤون مجتمعاتهم المحلية من خلالها، لذا يلجأ البعض إلى البث المباشر، لكن هذا لا يُغني عن الإعلام التقليدي، بحسب صبري: «لو وصلوا المشاهدات مليون بالمية، أنا بأي لحظة أروح، يمكن تتهكر الصفحة».


حاول صبري التواصل مع القنوات الفضائية العربية حتى تنقل الأحداث من ذيبان لجمهور أوسع لكنه أدرك لاحقًا أن هذه المواقع «بدهم يطلعونا جوعانين ما منعرف لا سياسية ولاشي». اهتم الصحفي فقط بمقابلة عاطلين عن العمل أو متقاعدين معترضين على الغلاء المعيشي، ولكنه تجاهل طلب صبري تسجيل فكرة «إنني ماخرجت لأني جوعان بل لأني أظلم بطريقة معينة، ما الي حق بالاختيار بالدولة، ما لي حق بالقرار، قانون الانتخابات مجحف وبدي ملكية دستورية».

«اليوم تحديدًا تم إقرار قانون خاص بأنه دائرة الاستثمار بالضمان الاجتماعي ليست خاضعة لمجلس الضمان رغم أنه قبل أربع أسابيع أقرّوا قانون إنها لازم تكون خاضعة» يقول محمد الكساسبة على مكبر الصوت أمام كاميرا البث يوم الأول من نيسان، وهو نفس اليوم الذي انشغل به الرأي العام والإعلام بعملية سطو مسلح حمل المتهم فيها اسم عائلة رئيس الوزراء. بالنسبة لمحمد البث المباشر هو وسيلة لنشر الوعي حول قضايا مفصلية دون الانجرار خلف ما يشغل الإعلام، «هو منبر وعي» بالنسبة لهاني العزب، المتحدث من السلط.

الحراك وخصوصية المستخدمين على فيسبوك

قبل سبع سنوات، نسبت نظريات، حاولت تحليل الانتفاضات العربية، الفضل في إسقاط الأنظمة الحاكمة إلى شبكة الإنترنت، واعتبرت بعض تلك النظريات فيسبوك وتويتر وجوجل «منصات تحررية». تلاشى هذا الخطاب بعد أن أثبتت هذه الشركات أنها، مثل أي شركة رأسمالية أخرى، لا ترى في مستخدميها وبياناتهم إلّا موردًا للمزيد من الأرباح. في 2014، اشترط فيسبوك على جميع مستخدميه استخدام أسمائهم الحقيقية وإثبات هوية حساباتهم، معرّضًا بذلك جماعات مستهدفة من حكوماتها للخطر. إضافة إلى كل هذا أظهرت تحقيقات عديدة مدى تسييس خوارزميات إدارة المحتوى في فيسبوك وانحيازها لحكومات احتلال أو حكومات قمعية. اليوم تتعرض الشركة لانتقادات عالمية من حكومات ومؤسسات أهلية بعد أن كشف أحد التحقيقات نفاذ شركة كامبريدج أناليتيكا إلى بيانات الملايين من مستخدمي الفيسبوك.

لكن انتهاك هذه الشركات لخصوصيات مستخدميها ليست معركةَ المعتصمين في الكرك والسلط وذيبان اليوم، لأن «الشركة بتنتهك الخصوصية، وإحنا الدولة عنا بتنتهك خصوصية» كما يقول محمد الكساسبة، أحد المتحدثين الدائمين في اعتصام الكرك، أمّا رامي فيبرّر استعماله للفيسبوك الآن، رغم فضيحة أناليتيكا، بالقول أنه: «الوسيلة الوحيدة اللي بتوصل صوتي، فأنا مضطر ومجبر أستخدمه حتى لو كان ضدي، حتى لو كان بقتحم خصوصيتي».

ما بين سياسات فيسبوك التي تنتهك الخصوصية، والسياسات العامة للدولة الأردنية، يبدو أن الناشطين في حراك السلط والكرك وذيبان يختارون إيصال رسائلهم من خلال خدمة البث المباشر في فيسبوك، إلى حين توافر بديل آخر.