اعتصام المزارعين: «يا دولة اتركينا وخلّينا نعيش»

الخميس 01 شباط 2018

لليوم الثالث على التوالي، يواصل عشرات المزارعين، المحتجين على فرض الحكومة ضريبة 10% على مدخلات الإنتاج الزراعي، اعتصامهم المفتوح أمام مجلس النواب في العبدلي، حيث تتكوم في زاوية الساحة المقابلة للمجلس فرشات الإسفنج والأغطية التي يستخدمونها في مبيتهم في المكان. ومع أن قوات الأمن فضّت بالقوة اعتصامهم في يومه الأول، لكنهم عادوا للتجمهر.  

ورغم الأنباء التي سرت مساء اليوم بخصوص نية الحكومة التراجع عن الضريبة «بتوجيهات ملكية»، في خطوة مشابهة لتلك التي تمّت لضريبة الأدوية، التي تراجعت عنها الحكومة بإيعاز من الملك، إلا أن رئيس لجنة المياه والزراعة في مجلس النواب، خالد الحياري، الذي كان أبلغ المعتصمين بنية الحكومة التراجع، عاد وأبلغهم أن الضريبة ستظل قائمة،  كما قال لـ«حبر» المزارع محمد السوالمة، أحد المعتصمين.

وكانت الاحتجاجات قد بدأت تتصاعد خلال الأيام القليلة السابقة رفضًا لقرار الحكومة شمول مدخلات ومخرجات الإنتاج الزراعي، بنوعيه النباتي والحيواني، بضريبة مبيعات قيمتها 10%. وهذا يعني ، كما قال مزارعون في موقع الاعتصام لـ«حبر»، شمول كل المنتجات والأدوات المستخدمة في إنتاج المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، من أعلاف وأدوات، باستثناء العلاجات البيطرية والمبيدات.

وفي وقت يبدو أن هذا سيعني، ظاهريًّا، ارتفاع أسعار السلع الغذائية بما قيمته 10%، لكن مزارعين يحذرون بأن الأسعار سترتفع أكثر من ذلك بكثير، لأن الضريبة، بالطريقة التي أُقرت فيها، هي، كما يقولون، ضريبة «مركبة»، فُرضت على مدخلات الإنتاج في كل حلقة من حلقاته بشكل منفصل، وهذا يعني تراكمها في المنتج النهائي، الذي شملته الضريبة هو أيضًا.

يشرح ذلك الطبيب البيطري، عاكف الزعبي، الذي كان مشاركًا في الاعتصام، ضاربًا مثلًا بقطاع الدواجن، فيقول إن المزارع الذي يبيع البيض المعد للتفقيس سيضيف ضريبة العلف على البيض الذي يبيعه لصاحب الفقّاسة. وصاحب الفقّاسة الذي اشترى بيضًا مضافا إليه ضريبة العلف، سيضيف إليها الضريبة على الصوص، عندما يبيعه لمزرعة الدجاج اللاحم. أما صاحب مزرعة الدجاج اللاحم الذي اشترى الصوص مضافًا إليه ضريبة العلف والصيصان، فإنه سيضيف إلى السعر الذي يبيع به إلى محلات الدجاج، ضريبة الدجاج، حتى تصل الدجاجة إلى المستهلك في النهاية، وقد حُمّلت كل هذه الضرائب مجتمعة: «يعني الدجاجة اللي كنت تشتريها بدينار وستين قرش رح تصير بثلاث دنانير».

الأمر ذاته ينطبق على قطاع الزراعة، كما روى لـ«حبر» مزارع آخر في موقع الاعتصام، لم يذكر اسمه. بحسبه فإن هناك ضريبة على البذور، وعلى الأشتال وبيوت البلاستيك، وأنابيب الري، وباقي المنتجات والأدوات المستخدمة لإنتاج المحصول النهائي، الذي يفرض عليه هو أيضا ضريبة. وبهذا، فإن أي صنف خضار أو فاكهة، سيشتريه المستهلك وقد حُمّلت عليه كل هذه الضرائب.

المشكلة مع هذه الضريبة هي أنها ساوت بين «اللي بستلم 200 دينار واللي بستلم 10 آلاف»

المزارع محمد بني عيسى، الذي قدم إلى الاعتصام من قرية تبنة في إربد، يستأجر وحدات زراعية ويزرعها بشكل أساسي بالقمح والبصل، ويقول  إن المشكلة مع هذه الضريبة هي أنها ساوت بين «اللي بستلم 200 دينار واللي بستلم 10 آلاف»، أي أنها، كما شرح، ساوت بين مزارعين كبار يزرعون مئات الدونمات، أو يملكون مزارع ضخمة، ومن يزرع بضع دونمات أو يملك «خمس عنزات أو بقرتين ثلاثة»، فالضريبة هي واحدة على الجميع. وهو أمر يقول إنه سيؤدي لا محالة إلى خروج الكثير من المزارعين الصغار من السوق.

يقول المهندس الزراعي محمد السوالمة إن الضريبة الأخيرة هي «رصاصة الرحمة» التي تطلقها الحكومة على القطاع. السوالمة الذي يمتلك مزرعة للأبقار في الضليل، تضم 100 رأس، وكان من بين المعتصمين، قال إن هذه الضريبة هي مجرد حلقة في مسلسل سياسات حكومية «معادية» للقطاع، ومنها على سبيل المثال، «التهاون» في اتخاذ إجراءات تضبط إغراق السوق بسلع مستوردة لها بديل محلّي.

ورغم أن قانون الزراعة ينصّ على مسؤولية الوزارة عن «مساعدة المزارعين على حماية إنتاجهم من دخول منتجات زراعية مدعومة أو مغرقة إلى أسواق المملكة»، إلا أن السوالمة يلفت إلى أن السوق، يغصّ بأنواع الحليب ومشتقاته التي لا يتمكن المزارع المحلّي من منافستها لأنها تأتي، كما يقول، من بلدان تدعم حكوماتها مزارعيها، ومنها على سبيل المثال، المنتجات القادمة من السعودية والكويت.

ويقول السوالمة إن الأمر يتعدّى ذلك إلى ما يمكن عدّه سياسات تمييزية ضد المنتج المحلّي: «مثلًا وفق المواصفة المحليّة ممنوع يكون عمر اللبنة أكثر من 15 يوم، بس اللبنة التركية والهنغارية معبية السوق، وفترة صلاحيتها 6 شهور». ويضيف أنه أيضًا: «وفق المواصفة المحلية، ممنوع استخدام حليب البودرة في تصنيع منتجات الألبان، ومع هيك في أنواع حليب من الخليح مصنّعة من حليب البودرة».

يقول المزارعون إنهم يفهمون ارتباط الحكومة باتفاقيات تمنعها من إغلاق باب الاستيراد، لكنهم لا يفهمون المنافسة غير العادلة التي تضعهم الحكومة فيها، كما يقول خليل عبدالله زريق، وهو مزارع دواجن جاء من مادبا للمشاركة في الاعتصام، فهي من ناحية، لا تقدم للمزارعين الدعم، ثم تسمح، من ناحية اخرى، باستيراد منتجات من بلدان تقدم حكوماتها دعمًا كبيرا لمزارعيها. ثم ها هي، كما يقول، تفرض ضرائب تستنزفهم، وتجعل القطاع غير مجدٍ بالنسبة إليهم. ويحدث هذا في وقت تضيق فيه فرص العمل. يقول زريق: «أنا عندي خمس عيال كلهم بشتغلوا بالزراعة معي (…) يا دولة اتركينا وخلينا نعيش. ما حِنّا طالبينك وظايف».

تم إعداد هذا التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.