«المرأة لا تمثلنا»: كيف توهم نتائج الانتخابات بحضور أكبر للنساء في مجلس النواب

مجلس النواب السابع عشر في إحدى جلساته. تصوير خليل المزرعاوي.

«المرأة لا تمثلنا»: كيف توهم نتائج الانتخابات بحضور أكبر للنساء في مجلس النواب

الثلاثاء 25 نيسان 2017

قبل شهر واحد من عقد انتخابات مجلس النواب الحالي، عرضت «جاهة» آل الشعار على رندة الشعار ترشيحها للانتخابات بعدما اختارت لجنة من العشيرة إضافتها إلى قائمة «الوفاء للأغوار» للتنافس على المقعد المخصص للسيدات (الكوتا) في دائرة الكرك.

تقتصر خبرة رندة الشعار في العمل العام على التدريس لمدة ثلاث سنوات في وزارة التربية والتعليم، إلا أنّها وافقت على الترشح تلبية «لرغبة العشيرة»، رغم أن «فكرة الانتخابات ما كانت لا على البال ولا على الخاطر» كما تقول لحبر.

بهذه الموافقة تكون رندة، قبل 24 يومًا فقط من تاريخ الاقتراع، قد قبلت منافسة صباح الشعار؛ ابنة عشيرتها التي كانت لسنوات مديرة مدرسة، ومدرّبة ومنسقة مع منظمات وهيئات دولية، وتخوض تجربتها الرابعة، على التوالي، في الترشح لانتخابات المجلس ضمن قائمة «الشمس»، القائمة الثانية التي تمثل الأغوار الجنوبية في التنافس على مقاعد دائرة الكرك؛ التي تعد -مع البلقاء- واحدة من أثقل الدوائر الانتخابية وزنًا في الأردن من حيث عدد المقاعد المخصصة للدائرة في المجلس؛ عشرة مقاعد إضافة إلى مقعد الكوتا النسائية.

اتفق بعض أعضاء قائمة الشمس، أثناء تشكيلها، على انضمام صباح إليها لشَغل مقعد الكوتا فقط، حسبما يروي أحمد الدغيمات، أحد أعضاء القائمة. وتم اختيارها لأنها السيدة «الوحيدة التي كانت تنوي الترشح» للانتخابات في الأغوار الجنوبية، قبل أن تعلن رندة ترشحها -كذلك- عندما أضيفت إلى قائمة الوفاء كي تنافس صباح على مقعد الكوتا لا أكثر. وتم اختيارها «بالصدفة»، بحسب وصف جميل العشوش، النائب السابق وأحد شركاء رندة في القائمة.

وبحسب الدغيمات والعشوش، فقد توقع المرشحون الرجال في كلا القائمتين أن يكون مقعد التنافس الحر (المخصص للدائرة الانتخابية بدون الكوتا) من نصيب أحدهم، متأملين أن تحظى إحدى السيدتين بمقعد الكوتا النسائية، لكن نتائج الانتخابات جاءت على غير المتوقع؛ إذ حصلت كل قائمة منهما على مقعد واحد فقط، صباح ورندة تحصدان أعلى الأصوات في هذه القوائم، متفوقات على بقية المرشحين الرجال، لتحجزن بالتنافس مقعدين لهما تحت القبة، ما جعل محافظة الكرك تتصدر التمثيل النسائي في المجلس بثلاث مقاعد، أحدها بالكوتا من نصيب منال الضمور.

لكن؛ كيف حصلت صباح ورندة الشعار على حوالي 6700 صوت و6000 صوت على التوالي؟ وهل تمثل هذه الأعداد حجم قواعدهن الانتخابية الحقيقي؟

النواب في المجلس الثامن عشر صباح الشعار، وهدى العتوم، ورندة الشعار (من اليمين إلى اليسار).

خصص قانون الانتخاب لمجلس النواب، لسنة 2016، خمسة عشر مقعدًا للنساء (كوتا) بواقع مقعد واحد لكل محافظة، بحيث تعامل كل دائرة من دوائر البادية الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية) معاملة المحافظة، حسب الفقرتين (ب) و (ج) من المادة الثامنة. وحدّد القانون «الترشح لملء المقاعد النيابية المخصصة للدائرة الانتخابية بطريق القائمة النسبية المفتوحة»، بحيث يدلي الناخب «بصوته لقائمة واحدة فقط من القوائم المرشحة أولًا ثم يصوّت لكل واحد من المرشحين ضمن هذه القائمة أو لعدد منهم»، وفقًا للفقرتين (أ) و (ج) من المادة 9 في القانون.

لهذا، شكل المرشحون قوائم انتخابية تضم مرشحة واحدة على الأقل لتنافس على مقعد الكوتا. ولمّا أتاح القانون للناخب التصويت لأكثر من مرشح في القائمة الواحدة؛ فإنه قد أثار التنافسَ بين أعضاء القائمة نفسها من الرجال، ما دعا بعضهم لتوجيه قواعده الانتخابية للتصويت له فقط دون غيره في القائمة، و«هذا أرجعنا لنظام الصوت الواحد»، يقول يوسف المسيعدين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة البلقاء التطبيقية.

لكنهم، من ناحية أخرى، شعروا بمأمن من هذا التنافس مع المرأة في نفس القائمة؛ ولذا وجه كل مرشح من الرجال قاعدته الانتخابية (التي تشكل عشيرته الجزء الأهم منها) للتصويت له وللمرأة التي تشاركه القائمة كذلك، ما جعل المرشحة تحصد أصوات الناخبين من عشيرة كل رجل في القائمة، فضلًا عن أصوات عشيرتها.

كان بعض الناخبين «عندهم هاي الفكرة… كان في ناس تنتخب على (أساس) إنه كوتا ما بتأَثر»، تقول صباح الشعار، وتتفق معها رندة في أن الغالبية العظمى من قواعد الرجال الانتخابية كانت ترى الأمر على أنه «كوتا، (…) وما رح توخذ مقعد رجل». أما شركاؤهن في القوائم فيؤكدون دورهم في حشد هؤلاء الناخبين للتصويت لهن، يقول الدغيمات، زميل صباح في القائمة: «كنا ندعمها على أساس تنجح كوتا، ما توقعنا تنجح مقعد (بالتنافس)»، ويقول العشوش، زميل رندة: «كلنا (دعمنا) الست رندة، إنه لازم تنجح على الكوتا، وأنا أنجح على مقعد الرجال».

لم تحصد صباح، في تجربتها الانتخابية الثالثة، أكثر من 1400 صوت عندما ترشحت لمجلس النواب السابق، السابع عشر، ما حرمها من المقعد النيابي حينها. إلا أنها هذه المرة حصدت العدد نفسه تقريبًا من عشيرة الدغيمات وحدها. «أنا عشيرتي فيها 1500 صوت. (..) أعطيناها فوق الـ1200 صوت، الدغيمات لحالهم (…) لو عشيرتي ما أعطتها ما بتنجح»، يقول أحمد الدغيمات.

وبينما تعزو صباح فوزها في الانتخابات إلى جهدها في العمل التطوعي خلال السنوات الماضية، إلا أنها تفسر حجم الأصوات الذي حصلت عليه قائلة: «لما تيجي للمرشحين اللي معي، كل مرشح من عيلة». وبما أن قائمة الشمس تشكلت من عشرة مرشحين، فقد حصدت صباح أصوات ناخبيها (6,680 صوت) من عشيرة كل رجل مرشح في القائمة، إضافة إلى حصتها من أصوات الناخبين في عشيرتها.

الأصوات التي حصلت عليها صباح الشعار

أما رندة فتردّ حجم أصوات ناخبيها (5,992 صوت) إلى الدعم الذي حصلت عليه من عشائر المرشحين معها في قائمة الوفاء للأغوار. تقول: «أنا أخذت من كل العشائر الموجودة (…) العشوش والهويمل [عشيرة مرشح آخر في القائمة] دعموني كثير (…) العشوش أخوالي، وما أتذكر إنه في حدا أعطى جميل العشوش… وما أعطاني». وتضيف: «عشيرة العشوش يمكن أخذت منهم فوق الـ2500 صوت (…) وعشيرة الهويمل فوق الألف». وإن كان عدد المرشحين في قائمة الوفاء لا يزيد عن ستة؛ إلا أنهم أبناء أكبر العشائر في الأغوار الجنوبية، بحسب رندة.

ليست صباح ورندة السيدتين الوحيدتين اللتين فازتا بالتنافس الحر في انتخابات مجلس النواب الحالي، فقد رافقتهما ثلاث سيدات أخريات، هنّ: فضية الديّات عن دائرة البلقاء، وصفاء المومني عن دائرة عجلون، وهدى العتوم عن دائرة جرش.

لكن العتوم كانت الوحيدة، من بينهن، التي ترشحت في قائمة حزبية؛ هي قائمة الإصلاح التي شكلها حزب جبهة العمل الإسلامي؛ الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

ولم يختر الحزب ترشيح العتوم عن مقعد الكوتا في قائمته إلا لأنه لم تتوفر له خيارات واسعة. «على ما أعلم إنهم كانوا بفترة من الفترات ما بدهم يحطوا [مرشحة] كوتا» تقول العتوم، التي تصف نفسها بـ«الإسلامية المستقلة. (..) أنا مش بالحزب أصلًا».

وإن كان الحزب قد اختارها لقائمته، إلا أنها ليست هي من اختار الحزب؛ فقد تقدم مرشحون آخرون للعتوم «بعروض» انتخابية في سبيل ترشيحها في قوائمهم، إلا أن «القرار كان عند العشيرة» التي ناقش حوالي 30 من أفرادها مختلف الخيارات المطروحة كما تقول العتوم. «تم طرح القرار وأنا لم أكن مشاركة، قلنالهم أجا فلان وفلان والكتلة الفلانية، وانسحبت أنا من الجلسة (…) ورجعت حكولي إنه قرارنا كان في اتجاه (قائمة) الإصلاح»، تقول العتوم.

هكذا دخلت هدى العتوم الانتخابات النيابية، لتخرج منها يوم الاقتراع بقرابة 5,900 صوت حجزت لها مقعدًا بالتنافس في مجلس النواب.

لكن العتوم لا تنسِب حجم الأصوات الذي حصلت عليه إلى عشيرتها وعشائر الرجال المرشحين معها فقط، بل تعتقد أن عوامل أخرى ساهمت في ذلك أيضا، منها «القاعدة النسائية» التي تواصلت هي معها بينما تجاهلها الرجال، إضافة إلى «القاعدة الإسلامية»، فضلًا عن عملها في التعليم؛ مديرة مدرسة ثانوية، ونشاطها في نقابة المعلمين.

بفوز خمس سيدات بالتنافس، إضافة إلى 15 سيدة أخرى بالكوتا؛ تصل نسبة المقاعد التي تشغلها النساء في المجلس إلى حوالي 15.4%، بواقع 20 مقعدًا من أصل 130، وهي النسبة الأعلى في تاريخ مجالس النواب في الأردن.

تغير أعداد ونسب المقاعد التي تشغلها النساء بعد الكوتا

اقتصر فوز النساء بمقاعد التنافس في مجلس النواب الحالي، الثامن عشر، على أربع دوائر انتخابية فقط من أصل 15 دائرة. وتعزو النائب السابق، رلى الحروب، فوز المرشحات بالتنافس في محافظات الكرك والبلقاء وجرش وعجلون، دون المحافظات الكبيرة؛ كعمّان واربد والزرقاء، إلى «الكتلة التصويتية الكبيرة. (..) فنسبة التصويت في هذه المحافظات أعلى بكثير من نسب التصويت في عمان والزرقاء وإربد القصبة، بسبب طبيعة العلاقات العشائرية القريبة».

الحروب ترشحت لانتخابات المجلس السابع عشر، عام 2013، في قائمة وطنية عن الدائرة الانتخابية العامة التي تشمل جميع مناطق المملكة، وحازت حينها على مقعد بالتنافس بعد حصول قائمتها على ثاني أعلى الأصوات من بين القوائم المتنافسة. لكنها خاضت بعدها الانتخابات النيابية الأخيرة وخسرتها.

تعتقد الحروب أن النظام الانتخابي الأخير قد «أضرّ كثيرًا بالسيدات اللاتي يملكن رصيدًا سياسيًا وانتخابيًا، ولهن خبرة في العمل العام. (…) النظام غير ملائم للمرأة القوية على الإطلاق، بل وغير ملائم للأقوياء من الجنسين»، فالمرشحون الآخرون يدركون أن فرصة هؤلاء في الفوز أعلى من فرصهم لأن «قوتهم تعني عددًا أعلى من الأصوات»، ما يدفعهم «للهرب»، بحسب وصفها، من الترشح معهم في قائمة واحدة، بينما «استفاد، نسبيًا، بعض من لا يملكون أي خبرة سابقة في العمل النيابي أو العام من هذا النظام».

ويعتقد الباحث السياسي؛ أسامة تليلان، أن نظام القائمة النسبية المفتوحة، وزيادة عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية، وإن كانا قد ساهما في زيادة فرص المرأة في الحصول على مقاعد إضافية بالتنافس، إلا أنه «ليس النظام الذي يناسب الحالة الأردنية». فحجم الأصوات المرتفع الذي حصلت عليه المرأة لا يمثل حجم القاعدة الانتخابية الحقيقي لها، باعتقاد تليلان، كما أن نظام الكوتا، الذي أُقر لأول مرة في الأردن عام 2003، حفّز المرأة على المشاركة في الترشح للانتخابات، لكنه لم يرفع مقدرتها على الوصول إلى مجلس النواب، بحسبه.

عدد أصوات الفائزات بالكوتا في انتخابات 2013 مقارنة مع أصواتهن في انتخابات 2016

تقول عبلة أبو علبة، النائب السابق والأمين العام لحزب الشعب الديمقراطي (حشد)، التي خاضت الانتخابات النيابية الأخيرة وخسرتها: «هذا القانون مفصّل حصرًا للرأسماليين الكبار، وأصحاب الأموال، وممثلي العشائر والتجمعات الاجتماعية النافذة فقط»، وتضيف: «لن ينجح من القائمة إلا واحد، أو اثنين في أحسن الأحوال، وفي هذه الحالة من ينفق مالًا أكثر سيكون له نفوذ اجتماعي وعشائري أكثر، وهو الذي يتقدم على غيره، وليس صاحب الرأي أو البرنامج السياسي».

ولا ترى أبو علبة «أداء نسائيًا متقدمًا بمستوى 20 نائبًا من السيدات في المجلس. (…) ما في صوت سياسي ناضج نسمعه كل يوم في الحركة السياسية القائمة»، لكنها تستدرك فتقول «موجود، ولكن قليل جدًا. نريد امرأة يعلو صوتها المؤثر والقريب من المجتمع. المشكلة ليست في الزميلات اللاتي فزن، المشكلة في القانون؛ إفرازات هذا القانون لن تأتي إلا بهذا»، تقول أبو علبة.

وتتفق معها هدى العتوم في أن الصوت السياسي لبعض السيدات النواب «متفاوت وضعيف، باهت يعني، بعكس العمل العام الخدميّ»، وأن هذا ينطبق على النواب الرجال أيضًا.

تخشى صباح الشعار أن «لا يحالف الحظ السيدات للفوز بالتنافس في المجالس النيابية القادمة» في حال استمرار العمل بالنظام الانتخابي الحالي، لأن المرشح الرجل «سيأخذ بعين الاعتبار أن السيدة ستأخذ مقعده».

ويؤكد جميل العشوش مخاوف صباح قائلًا: «والله لا يمكن نصوت لامرأة مهما كان من يوم وطالع»، وعن خطته الانتخابية في حال ترشحه لانتخابات المجلس القادم بموجب النظام الحالي يقول: «ما رح أحط امرأة معي في القائمة (…) الغور لا يمكن يصوّت إلهن. (..) لأنه خذلونا وأخذن مقعدين زيادة».

وذهب أحمد الدغيمات إلى ما ذهب إليه العشوش، معتبرًا أن منطقة الأغوار الجنوبية غير ممثلة -حاليًا- في مجلس النواب. «لما يطلع من عنا بنات ثنتين من الغور (…) إحنا الآن بنشعر إنّا بدون تمثيل» يقول الدغيمات، ويضيف: «بنقبل نتنافس رجال بين بعض، ولا نتنافس مع امرأة، لأنه المرأة لا تمثلنا».


مراجع الخط الزمني:
الموقع الإلكتروني لمجلس الأمة الأردني.
ورقة «تجربة المرأة الأردنية من أجل الوصول إلى البرلمان»، لإميلي نفّاع.
محاضر جلسات مجالس النواب والمجالس الوطنية الاستشارية والمجالس التشريعية.