وراء الشمس: هل انتهت دولة القانون في مصر؟

الخميس 11 شباط 2016

بقلم خالد منصور

(نشر هذا المقال في موقع مدى مصر بتاريخ 9 شباط 2016).

لعل اختفاء المصورة الهاوية الشابة إسراء الطويل، لمدة طالت عن أسبوعين العام الماضي، واعتراف الشرطة باحتجازها، هي أشهر واقعة تورطت فيها أجهزة الأمن في سلوك صار منهجيًا، حيث يقوم رجال أمن بخطف أشخاص ممن لهم علاقة، حقيقية أو مزعومة، بالعمل السياسي، وإجبارهم على الإدلاء بمعلومات واعترافات، وفي نفس الوقت تنكر الأجهزة وجود هؤلاء المخطوفين لديها. وبعدها يُقدَم بعض المخطوفين للقضاء، أو يُطلق سراحهم، بينما يبقى أخرون غائبين، لا يعرف أحد من أخذهم، وتنكر أجهزة الأمن كونهم في حوزتها.

في عام 2015 وحده، تلقى المجلس القومي لحقوق الإنسان قرابة ٢٠٠ شكوى، بينما رصدت منظمات حقوق الإنسان مئات الحالات، مما ذكّر البعض بقصص الرعب التي اجتاحت الأرجنتين في النصف الثاني من السبعينيات، عندما اختطف النظام العسكري للجنرال خورخي بيديلا آلاف المعارضين السياسيين والطلاب والأبرياء، ليختفى معظمهم للأبد.

لماذا يلجأ الأمن المصري لمثل هذه الممارسات؟ ماذا يستفيد منها؟ ولماذا تتغاضى عنها مؤسسات النظام الحاكم الأخرى؟ ولماذا، قبل كل شىء، يقبلها قطاع ليس بالضئيل من الشعب المصري، ويدافع عنها كبار أنصار النظام في أجهزة الإعلام؟

أخذ الخاطفون إسراء، وصديقيها عمرو محمد علي وصهيب سعد، من أحد شوارع القاهرة إلى مقر الأمن الوطني، وحققوا معها معصوبة العينين، وفقا لروايتها، ولم يُسمح لها بالاتصال بأسرتها أو بمحامٍ، وهددها الضباط باعتقال أفراد أسرتها، بينما تصاعدت من مكان قريب صرخات عمرو وصهيب، وبدا أنهما يتعرضان للتعذيب. سجّل الشابان اعترافات مصورة أقرّا فيها بتخطيطهما لأعمال عنف، وأذاعت الحكومة هذه التسجيلات، التي قالت أسرتا عمرو وصهيب إنها سُجلت تحت أثر التعذيب. نالت قضية إسراء، التي بكت في قاعة المحكمة وهي تستند على عكازين بسبب رصاصة كانت قد تلقتها في مظاهرة قديمة، اهتمامًا إعلاميًا. أفرج عنها بعد شهور، ووُضعت قيد الإقامة الجبرية، غير أنه في نفس العام توالت ممارسات الخطف والاحتجاز غير القانوني من جانب أجهزة الأمن، وفي ظل عدم محاسبة أي من مرتكبيها.

وهكذا انضم الاختفاء القسري إلى مجموعة أخرى من انتهاكات حقوق الإنسان الشائعة في مصر، ومنها التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، تحت التعذيب أحيانًا، أو في مواجهات للشرطة تحوم الشكوك حول الالتزام بقواعد الاشتباك فيها، والإهمال الطبي في أماكن الاحتجاز مما يؤدي للوفاة في حالات عديدة. وتأتي الحوادث المتكررة لتهجم ضباط وأمناء الشرطة على الأطباء في مستشفيات، أو استعمال السلاح الرسمي في خلافات شخصية أو مرورية، ناهيك عن مقتل محتجزين بصورة متكررة في أقسام الشرطة، ومنهم ١٤ في قسم المطرية فقط في العامين الماضيين، لتدعم انطباعًا بات سائدًا في مصر، بأن أجهزة اﻷمن، وبالأخص من يعمل منها في مجال الأمن الوطني، هي فوق القانون.

يساهم في هذا التوجه وجود دعم شعبي، يحتقر القانون ويشيطن المدافعين عن حقوق الإنسان ويصفهم بالعملاء والخونة.

وتقلل برامج تلفزيونية وأعمدة صحفية ومتحدثون باسم أجهزة الأمن من فداحة هذه الممارسات، بدعوى أنها تصرفات فردية ولا ينبغي التركيز عليها، بينما مصر تخوض «حربًا على الإرهاب» يتعين معها إطلاق يد رجال الأمن، خاصة وقد سقط منهم ما قد يزيد على ٧٠٠ ضابط وجندي في عمليات في العامين الماضيين، معظمهم في سيناء. ولكن الانتهاكات قائمة من قبل تصاعد الإرهاب، كما أنه لا دليل على كونها تساهم في مكافحة الإرهاب بشكل فعال. ويرجع سلوك أجهزة اﻷمن، في واقع الأمر، إلى غياب المحاسبة، وتحول وظائف أجهزة اﻷمن باتجاه حراسة النظام الحاكم وليس تنفيذ القانون، الذي يصبح تدريجيًا، في نظر اﻷجهزة، مجموعة من العراقيل والإجراءات الشكلية التي يتعين استيفائها، وإن كان من الممكن التغاضي عنها في الحالات الاستثنائية، ولا سيما في «الحرب على الإرهاب». ويساهم في هذا التوجه وجود دعم شعبي، يصعب قياس انتشاره ولكنه واضح في أجهزة الإعلام، يحتقر القانون ويشيطن المدافعين عن حقوق الإنسان ويصفهم بالعملاء والخونة، أو بالسذج في أحسن تقدير. وصار عدد غير قليل من اللامبالين بسلوك قوات الأمن وخطورته يتساءلون عند سماع واقعة تعذيب محتملة، أو احتجاز غير مبرر، أو اختفاء غامض: هل ينتمي هذا الشخص للإخوان؟ وكأنما العضوية، سواء مفترضة أو حقيقية، في منظمة غير قانونية مسوغ لانتهاك القانون. وإذا تبين أن هذا المسكين في الحقيقة ليس عضوًا في جماعة الإخوان، أو جماعة ماسونية، أو عميلًا لجهاز مخابرات أجنبي، تصبح أي تجاوزات ارتُكبت في حقه مجرد تجاوزات «فردية» يجب التغاضي عنها حفاظًا على الروح المعنوية لرجال الأمن الذين يخوضون حربًا شرسة ضد الإرهاب.

لا يفيد كل هذا مواطنًا مثل إسلام خليل، الذي قضى ١٢٢ يومًا محتجزًا دون علم أسرته ودون إبلاغ محاميه ودون السماح له بأبسط حقوق السجين. وفي الحقيقة فهو لم يكن سجينًا، بل مخفيّ قسريًا على يد الدولة، لا حي ولا ميت، ويتعرض للتعذيب والتهديد بالقتل وفقًا لأقواله. ويقول نور، شقيق إسلام، إنه عجز عن التعرف على شقيقه بعد أن شاهده لأول مرة عقب هذه الأشهر الأربعة المريرة، فقد اختفي شعر رأسه ولحيته وابيضّ الجلد حول عينيه بسبب اختفائهما خلف عصابة رُبطت حول رأسه معظم أيام سجنه حيث جرى تعذيبه بانتظام.

إسلام مسؤول مبيعات في شركة إلكترونيات ومتهم بالانضمام إلى جماعة إرهابية، وهي الإخوان في الأغلب، ورغم أنه اعتُقل من منزله في قرية في الدلتا في ٢٤ مايو، فإن تقرير الشرطة يدعي أنه احتُجز في القاهرة في ٢١ سبتمبر، ليختفى أثره من السجلات الرسمية طوال ١٢٢ يوم. لم تأخذ محاكمة إسلام مجراها بعد، لكن هند ورشا منير تلقتا حكم براءة بعد ٢٧ شهرًا في السجن، مات خلالها زوج رشا كمدًا خلال زيارة لها، وخرج محمد الإمام بعد ٢٠ شهرًا في السجن عندما برأته محكمة من تهم تتعلق بالتظاهر داخل جامعة الإسكندرية. كل هؤلاء وآلاف غيرهم يمثلون شروخًا تتسع في بنية مؤسسات القانون والقضاء في مصر.

الاختفاء القسري والاختصاص الكوني

في تقرير صدر في أغسطس 2015 عن لجنة عمل الأمم المتحدة حول الاختفاء القسري وغير الطوعي، رصدت اللجنة أكثر من 70 حالة اختفاء قسري جديدة محتملة في مصر في فترة التقرير، من مايو 2014 وحتى مايو 2015، وخاطبت الحكومة بشأنها. وقدمت اللجنة، المنشأة منذ 1980، بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، طلبًا رسميًا لزيارة القاهرة منذ يونيو 2011 ولكنها لم تتلق موافقة الحكومة. وعلى الصعيد المحلي قدم المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة حكومية، عيّن رئيس الوزراء كل أعضائها، حوالي ١٩١ شكوى من الاختفاء القسري لوزارة الدخلية في 2015، ورغم إنكار دام شهورًا، وادعاءات رسمية بانضمام عدد من المختفين إلى داعش، أعلن رئيس المجلس في منتصف شهر يناير ٢٠١٦ أن وزارة الداخلية أقرت أن ٩٩ من هؤلاء المختفين محتجزون لدى أجهزتها بينما أُطلق سراح ١٥ أخرين، أي أن الداخلية، بعد إنكار ونفي تام امتد لشهور أقرت أخيرًا أن هناك ١١٤ شخصًا من المختفين كانوا لديها. ورصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات- وفقًا لروايات بعض المختطفين عقب ظهورهم، أو روايات أسرهم- من بداية أغسطس وحتى نهاية نوفمبر 2015، 340 حالة اختفاء، بمعدل 85 حالة شهريًا. وتنبع أهمية تحديد الأرقام والتوزيع الجغرافي لحالات الانتهاك، وتكرار سلوك رجال الأمن والوسائل المستخدمة، من كونها جميعًا تساهم في تحديد ما إذا كانت هذه الحوادث فردية أم منهجية، ولهذا تبعات، ليست فقط إعلامية، أو متعلقة بـ«سمعة البلاد»، بل قد تكون له تبعات في القانون الدولي أيضًا.

تقلل برامج تلفزيونية ومتحدثون باسم أجهزة الأمن من فداحة هذه الممارسات، بدعوى أنها تصرفات فردية ولا ينبغي التركيز عليها، بينما مصر تخوض «حربًا على الإرهاب».

تعرّف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، هذه الممارسة بأنها «الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون». وتشدّد الاتفاقية على أنه  «لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري». لم تنضم مصر لهذه الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2010.

غير أنه رغم أن مصر لا تخضع ﻵليات الاتفاقية الدولية الخاصة بالاختفاء القسري، ولم تصدق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بعد، إلا أن هذا لا يمنع تعرض مسؤوليها لملاحقة قضائية من محاكم بلدان أخرى تحت غطاء ما يعرف باسم «الاختصاص الكوني»، Universal Jurisdiction، حيث حصلت المحاكم الوطنية في أكثر من 160 دولة على حق محاسبة المشتبه في ارتكابهم جرائم «دولية»، حتى لو وقعت خارج نطاق اختصاص هذه المحاكم الجغرافي، ومنها التعذيب والجرائم ضد الانسانية، وتشمل الاختفاء القسري. وتطبق هذه المحاكم عدة معايير لإدخال الانتهاك تحت حيز سلطتها، وأهمها ألا تكون المحاكم الوطنية في البلد الذي وقع فيه الانتهاك راغبة في القيام بعملها أو قادرة عليه، أو أن تفتقر للقوانين اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وأن تكون الانتهاكات واسعة النطاق أو منهجية مما يدخلها تحت مظلة «جرائم ضد الانسانية».

ولا يُعرَّف القانون المصري الجرائم ضد الإنسانية، ومنها الاختفاء القسري، وعقوبتها، كما أنه لم تجر حتى الآن محاسبة حقيقية، أو حتى صورية، في كل قضايا الاختفاء القسري، حتى تلك التي اعترفت الحكومة بالتورط فيها. ولا تقاس منهجية ونطاق انتهاكٍ ما فقط بأعداد الضحايا أو مستوى انتظام الانتهاك واتباعه طرقًا محددة، بل أيضًا بمداه الزمني وتوزيعه الجغرافي ومدى الضرر الواقع على الضحايا. ويفتح هذا كله الباب أمام احتمالية تعرض مسؤولين مصريين لدعاوى جنائية في بلدان أخرى بسبب ادعاءات الاختفاء القسري أو أي جرائم اخرى تقع في نطاق «الاختصاص الكوني».

يفسر محامون حقوقيون لجوء الأجهزة الأمنية لخطف ناشطين سياسيين إلى اعتيادها طويلًا، في معظم سنوات حكم مبارك، على الاستفادة من قانون الطوارىء واعتقال من تشاء من المشتبه بهم لمدد مفتوحة فعليًا. وفقدت أجهزة الأمن هذا الامتياز بعد انقضاء حالة الطوارئ في ٢٠١٢، لتعود قرارات القبض والاحتجاز للسيطرة الاسمية للجهاز القضائي، حيث يتطلب القبض على أي متهم، عدا حالات التلبس وجرائم معينة، إذنًا من النيابة، كما تنص المادة 54 من الدستور المصري على أنه «يجب أن يبلغ فورًا كل من تُقيد حريته بأسباب ذلك، ويُحاط بحقوقه كتابة، ويُمَكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يُقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه». ويتعين على النيابة توجيه اتهامات للمحتجز بناء على أدلة أو إطلاق سراحه، ويمد قانون الإرهاب الجديد هذه المدة في التهم الواردة فيه لنحو ثمانية أيام، ولكن قرار التحفظ يصدر عن النيابة خلال 24 ساعة، كما أن القانون نفسه تشوبه شبهة عدم الدستورية.

ويوفر الإخفاء القسري على أجهزة الامن التعامل مع كل هذه الإجراءات أو تقديم أي من هذه الضمانات، ويقطع صلة المتهم بالعالم الخارجي، فلا محامين أو أجهزة إعلام أو عائلة أو أصدقاء، لا وثائق، لا إجراءات، وربما لا جثمان. ويصبح المحتجز المخطوف فريسة أسهل للضغط وانتزاع المعلومات طوال فترة الإخفاء القسري. وباستعمال أساليب الإذلال والإهانة والتعذيب ضد محتجز فقد فجأة اتصاله بالعالم الخارجي، ويعلم أنه لو قُتل أو اختفى للأبد فلا ثمن له، كما يكرر المحققون بين جلسات التعذيب، تجري محاولات كسر الشخص والحصول منه على معلومات لاستكمال التقارير والملفات والقضايا. وتبدو هذه الممارسة متصلة بالتعبير الشائع منذ الستينيات عن تهديد أجهزة الأمن لمعارضيها بإرسالهم «وراء الشمس»، ما يعني أنه لن يمكن لأحد رؤيتهم بعد ذلك، حتى لو علم بمكانهم، فمن يقدر على النظر إلى الشمس ذاتها، ناهيك عما ورائها؟!

ويجري الاحتفاظ بالمختطفين فترة، لما بعد انتهاء الحصول على المعلومات، ثم تقديمهم للنيابة. وهناك حالات لأشخاص استمر اختفاؤهم شهورًا، ولكن متوسط مدة الاختفاء يمتد من أسبوعين إلى شهر. وتستمر أجهزة الأمن في تبني فلسفة التعذيب والإكراه هذه، رغم أن معظم الدراسات اﻷمنية الحديثة استقرت منذ فترة، وخاصة بعد فضائح الأمريكيين في سجني أبو غريب وجوانتانامو، على أن التعذيب يعجز في الغالب عن توفير معلومات جيدة يمكن التحرك على أساسها، وأن المتهم تحت التعذيب يدلي بأي اعترافات لإيقاف تعرضه للصعق الكهربائي للأطراف، أو للأعضاء التناسلية، أو لتجنب تعليقه ساعات طويلة في أوضاع صعبة أو تقييده بغرض حرمانه من النوم.

تطبيع العنف

 يصعب تبرير تجاوزات جهاز الشرطة بكونها ضرورية لمواجهة عنف الجماعات الإرهابية. فرغم هذه التجاوزات زاد عدد الهجمات الإرهابية العنيفة وفقًا لتقرير ٢٠١٥ من معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، من 30 هجمة شهريًا في عام 2014، إلى مائة هجمة شهريًا في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2015. ووقع تطور نوعي في هذه الهجمات الإرهابية، حيث جرت عملية اغتيال متقنة الإعداد للنائب العام هشام بركات في شهر يونيو، كما أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن سقوط طائرة ركاب روسية فوق سيناء في  أكتوبر، وصارت عمليات استهداف وقتل الضباط والجنود في مدينة العريش وشرقها شبه يومية.

ويبدو أن النتيجة الفعلية، وربما الغرض الرئيسي، لتجاوزات جهاز الشرطة هي خلق مناخ عام من الخوف، فهناك عشرات الآلاف في السجون، ومضى على بعضهم نحو العامين دون محاكمة، وهناك حالات وفاة متكررة يُدعَى أنها بسبب التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد، وهناك ترسانة قوانين مطاطة وفضفاضة يمكن بمقتضاها فعليًا احتجاز عدد كبير للغاية من المواطنين وتقديمهم للمحاكمة، بتهم من قبيل الانضمام إلى منظمة محظورة أو تهديد السلم أو خدش الحياء العام أو ازدراء الاديان، وهناك بيانات رسمية تصف عملية قتل المشتبه بهم أثناء مطاردة قوات الأمن لهم، ومحاولة القبض عليهم، بالـ«تصفية»، ثم لا تُنشر نتائج التحقيقات في عمليات التصفية هذه- هذا إذا كان يُحقق فيها. وهناك أكثر من قضية موثقة ثبت أن المتهمين فيها لا علاقة لهم بالعمل السياسي، أو بالاتهامات المرسلة التي وجهتها لهم أجهزة الأمن، وأفرج عنهم بعد قضاء عامين أو أكثر في السجن. تغلغل مناخ التخويف والقمع هذا في جوانب المجتمع بأجهزة إعلامه، ومنابر مساجده وكنائسه، ومؤسساته التعليمية، وحرقت هذه الأخيرة كتبًا في احتفال عامٍ، ونظرت في مقترحات لضمان الأمن الفكري. ويعني هذا كله تطبيعًا للعنف، تعتقد بمقتضاه مؤسسات في الدولة وقطاعات في المجتمع بأنها لن تتضرر، بل وقد تستفيد من هذه الممارسات القمعية المنفلتة، متواطئة في هذا المنهج، تبريرًا أو إنكارًا أو انسحابًا من الاهتمام بالشأن العام. ويتعرض الشعب لقصف يومي من أجهزة الإعلام والمتحدثين باسم الحكومة حول مؤامرات داخلية ودولية تستهدف زعزعة الأمن والاقتصاد. ويخلق هذا الخطاب، الفارغ من الأدلة والمنطق معظم الوقت، حالة من الهيستيريا والشحن الشعبي ضد كل من ينتقد سياسات الدولة ويدعو للإصلاح والتغيير، وضد الأجانب عمومًا. فعلى سبيل المثال اقترح أحد هؤلاء المعلقين أن مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني في ظروف غامضة في  أوائل فبراير، جرى بهدف إفشال زيارة الوفد الاقتصادي الإيطالي الذي اضطر لقطع زيارته ومغادرة البلاد، بعد العثور على جثة ريجيني منزوعة الأظافر وعليها  أثار تعذيب وإطفاء سجائر وسحجات وكدمات.

يؤدي هذا المناخ المتفاقم من تطبيع العنف، بلا شك، إلى لجوء القادرين والراغبين من بين ضحايا القمع إلى استعمال العنف ذاته، أو على الأقل التهديد باللجوء للعنف، كرد فعل انتقامي.

ويؤدي هذا المناخ المتفاقم من تطبيع العنف، بلا شك، إلى لجوء القادرين والراغبين من بين ضحايا القمع إلى استعمال العنف ذاته، أو على الأقل التهديد باللجوء للعنف، كرد فعل انتقامي. ولا أعني هنا الجماعات العنيفة المسلحة التي قررت اللجوء للسلاح من البداية، مثل تنظيم ولاية سيناء المعتنق لأيديولوجيا الدولة الاسلامية، بل أهالي وأقرباء المواطنين غير المسيسين الذين لقوا مصرعهم تعذيبًا في أقسام الشرطة، مثلما حدث لطلعت شبيب في الأقصر في أواخر نوفمبر 2015، حيث هددت عائلته أنها لن تهدأ حتى تأخذ بثأره وتقتص من قاتليه، إذا لم يصدر حكم عادل ضد رجال الشرطة المتهمين بقتله. وبعد التهديد بأيام أحيل عدة ضباط وأمناء شرطة للمحاكمة بتهمة قتل شبيب، وهو الأمر الذي لم يقع في حوادث أخرى ادعت فيها عائلات الضحايا أنهم ماتوا من جراء التعذيب أو الإهمال الطبي، في أقسام وأماكن احتجاز تمتد بطول وعرض البلاد.

ويبدو أن إهدار القوانين من جانب رعاتها  المفترضين، وبالطبع من جانب من يرفضون القوانين برمتها، سيستمر لصالح تطبيع متزايد للعنف في غياب أية محاسبة حقيقية لمن يلجأ إليه خارج إطار القانون.  ويعني تطبيع العنف، والإخفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون أن يتخلى قطاع متزايد من الناس تدريجيًا، وبشكل لا يقبل التراجع، عما تبقى من احترام للقانون، ليصبح العنف غير المنضبط حلًا وحيدًا تتبناه معظم الأطراف. وعندما تتبني جماعات مسلحة هذا الخيار، جريًا خلف سراب مجنون، يكون الخطر واضح المعالم، ولكن عندما يبدو النظام أقرب فأقرب إلى هذا الخيار، وتتضاءل ثقة المواطنين في القضاء كحائط صد أخير ضد عنف السلطة التنفيذية، يكف النظام الحاكم كله عن أن يكون نظامًا حديثًا، وقائمًا على القانون، وينزلق سريعًا، كما حدث لدول أخرى عديدة، إلى مهاوي الثأر والانتقام والقوة غير العاقلة، وساعتها لن تظل مصر أفضل من سوريا والعراق.

إن ما يحدث اﻵن في مصر أخطر بكثير من اختزاله في مقولات مبسطة مثل «حرب على الإرهاب تستوجب تعليق حقوق الإنسان»، لأن استشراء انتهاكات حقوق الإنسان بهذه الوتيرة والحدة والنطاق يقوض أسس حكم القانون وينخر في قواعد مؤسسة القضاء ويقوّض المنظومة القيمية المترابطة بمبادىء العدالة والمساواة والكرامة والتعاطف والرحمة والتكافل، وهي التي توفر، أكثر من غيرها، أمن واستقرار المجتمعات. وإذا ما واصلت بلادنا الانزلاق في هذا المنحدر سيصعب للغاية إيقاف التردي في هاوية دموية من العنف، هدفها الرئيسي هو القضاء المبرم على الآخر، وحيث أن هذا الآخر ذاته يتبدل كل يوم في غياب أية مرجعيات حاكمة، فقد يأتي اليوم الذي يمكن أن يصبح الكل فيه خائفًا من الكل. وآنذاك قد نصبح جميعًا وراء الشمس، شمس تلك الدولة التي يدعي النظام الحاكم أنه يسعى لدعمها وحمايتها، بينما لا يدل سلوكه ولا تدفع سياساته سوى إلى طريق خيالي، حيث الشعب رعايا، لا مواطنين، والمؤسسات والنخب المسيطرة عبارة عن طوائف لا تتقاسم السلطات من أجل مفهوم للمصلحة العامة جرى التفاوض عليه، بل تتقاسم الغنائم بطريقة تزيد معاناة أغلبية المواطنين، الذين يحاولون تأمين  لقمة العيش والخدمات الأساسية.