رأي

صَوِّتوا ما شئتم، فصوتُكم عائدٌ لي

الأحد 07 آب 2016

بقلم سفيان عبيدات

أكدت التعديلات الدستورية الأخيرة أنه لا يُراد للحكومات الأردنية أن تؤدي وظيفةً سياسية، وأن أدوات الحكم وصناعة السياسة ستظل محصورة في يد الملك. فليس سرًا أن تدمير الأحزاب السياسية وإعاقة تطورها هي عقيدة تاريخية لدى الحكم ما زالت تحكم ذهنية رجاله ونسائه إلى اليوم. والحكم يرفض حتى تأسيس حزب سياسي موالٍ له، لأنه لا يريد أن يكون هناك مستقبل للمؤسسة الحزبية في الأردن حتى يبقى القرار السياسي والاقتصادي دائمًا حكرًا على القصر الملكي. أما مجلس النواب فليس إلا واجهة وهمية لديمقراطية مزعومة، ووسيلة لخلق وعي زائف بحقيقة هذه الواجهة، وهو لا وظيفة له غير إدامة مسخ طبقة سياسية، وإرباك عمل الإدارة وإرهاق الخزينة وإدامة مصادقة شعبية زائفة على العلاقة مع إسرائيل، وسد الأفق في وجه الناس بوجود سلطة نيابية محترمة في البلاد.

إن التهافت على الانتخابات بنظام الصوت الواحد طيلة العشرين عامًا الماضية أدى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وتقزيم التمثيل النيابي وهيمنة الانتهازية الإقليمية والعشائرية والطائفية والجهوية على المشهد السياسي، الأمر الذي أفضى إلى تشويه وإضعاف البُنى السياسية ومَنَع تطور طبقة مؤهلة لممارسة الحكم النيابي. وقد هيأ لذلك عقود من إمعان الدولة في إفشال تطور قيم اجتماعية تستوعب الأسس الأخلاقية للتعددية السياسية والثقافة العلمانية التي تحترم الأديان والتدين وترتقي بمكانة التعددية الفكرية والدينية والمذهبية والمرجعية، وهو ما رافقه توظيفٌ للدين الإسلامي في السياسة والتعليم بدلاً من إخضاع الخطاب الديني لأحكام الدستور، وفتحٌ لأبواب المساجد والمؤسسات التعليمية للسائد منه، خصوصًا ذلك الذي يحتكر التأويل الوَهَّابي للدين الإسلامي، الأمر الذي وإن خدم سياسات الحكم لفترة من الزمن، فقد جعله اليوم يقف عاجزًا عن تقديم بديل، لأن البديل هو الخطاب النقدي الذي لا يستقيم مع حكم الفرد.

إنه قانون لا يجيز الترشح إلا من خلال قوائم نسبية مفتوحة تشجع في ظاهرها التحالفات السياسية والقوائم الحزبية، ولكنها مصممة لإنجاح شخص واحد في القائمة

وبدلًا من سنّ قانون انتخاب يعمل على إدماج مكونات المجتمع وتنوعها في بوتقة المواطنة ويخفف من وطأة تناقض المصالح ويلغي التمييز بأشكاله، تفتق ذهن من هو أكثر مكرًا ممن اخترع الصوت الواحد والدوائر الوهمية عن قانون انتخاب أدق وصف له أنه «سيقود في الممارسة إلى قوائم كاذبة أساسها الصوت الواحد اللئيم القائم على الباطنية». إنه قانون لا يجيز الترشح إلا من خلال قوائم نسبية مفتوحة تشجع في ظاهرها التحالفات السياسية والقوائم الحزبية، ولكنها مصممة لإنجاح شخص واحد في القائمة، ولا تُمَكِّن المرشحين المتشابهين من التحالف في قائمة واحدة، بل تضطرهم إلى الدخول في تكتلات لا تشبههم وهم يتظاهرون بالعكس، وطَرْح طروحات انتخابية تحددها لهم تسوياتهم مع شركائهم في القائمة، طروحات تجبرهم على إبطان أفكار أمام شريحة من الناخبين وإظهارها أمام أخرى. ومع كل تلك التناقضات، فمن المستحيل أن يكون تمويل حملاتهم الانتخابية شفافًا ومعلنًا.

أي حزب سياسي هذا الذي سيحقق الأغلبية في الانتخابات القادمة؟ ومن هو زعيم الأغلبية الذي سيستمزجه الملك لتشكيل حكومة برلمانية؟ أتذكرون عندما جُلِب نواب المجلس السابق في حافلات جماعية للتشاور مع رئيس الديوان الملكي لتسمية رئيس للوزراء؟ ورئيس الديوان الملكي هذا في الأنظمة النيابية الملكية، كما تعلمون، هو موظف رفيع الشأن تعينه الحكومة في القصر لضمان ألا يكون إلى جانب الملك من هو مناوئ لسياساتها. لقد تمخضت تلك المشاورات عن تكليف من هو ليس بنائب ولا زعيم حزب سياسي أو كتلة برلمانية أو حتى قائمة وطنية بتشكيل الحكومة. ثم قام الرئيس المكلف بِلَمْلَمَة عدد من الرجال والنساء ليس لمعظمهم استحقاق سياسي وشكل منهم مجلسًا للوزراء. لقد جعل الخطاب الرسمي وكتائب إعلامه الإصلاح السياسي والانتخابات النيابية والأحزاب والحكومة البرلمانية نكاتًا سمجة ما زالت تتردد حتى بعد إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة.

هذه ليست معركة ديمقراطية، بل هي معركة صندوقراطية للصراع على سلطة وهمية من خلال الصندوق، وطرق استقطاب الأصوات فيها لا يزيد النسيج الاجتماعي إلا تفسخًا والسياسي إلا تهتكًا. ومن يظن أن بإمكانه ممارسة المعارضة في مجلس النواب، فليعلم أن الحكومة التي يريد معارضتها لا تملك أمرها، فهي كالمجلس الذي يطمح أن ينتمي إليه، مجرد واجهة لحكومة محصنة من المحاسبة تعمل من القصر الملكي المليء بالكوادر والإمكانيات، وهو لا يملك أن يعارض نهجها واجتهاداتها ولا حتى سؤالها أو حجب الثقة عنها. وسوف يكون عضوًا في مجلس نواب يرأسه مقاول يستخدم مهارات مهنته في السياسة، وقد يجلس على يمينه تاجر حرب أو مُهَرِب، وعلى يساره متعهد خدمات خاصة، يتولى كلًا منهم ضابطٌ في المخابرات طيلة مدة المجلس. وفي أحسن الأحوال، سيكون تحت القبة عرضة للشتم أو الضرب على يد زميل له يتولاه ضابطٌ آخر يُطلِقه عليه متى أراد، وقد يكون بمرمى نيران بندقية أتوماتيكية لزميل استغل حصانته البرلمانية لحيازتها وإدخالها إلى المجلس.

أمّا العدمية فهي أن يَعْدَم المرءُ الوسيلة لتحقيق أهدافه ويقبل بالواقع تحت شعار الواقعية السياسية وتحقيق الممكن وأن ينضم إلى الركب تحت هذه الذريعة.

ليست هذه دعوة للمقاطعة أو العدمية أو النزول تحت الأرض أو إلى الشارع. فالمقاطعة والمشاركة اليوم سِيَّان، ستنتجان ذات المجلس السابق الذي سيهضم من يدخل إليه ويخرجه على هيئة تشبهه. واختلاف لون بعض الأعضاء عن غالبية النواب لن يَلْحظه أحد، لأن مجلسًا كهذا سوف يطمس لونهم ويصبغهم بصبغته. أما العدمية فهي أن يَعْدَم المرءُ الوسيلة لتحقيق أهدافه ويقبل بالواقع تحت شعار الواقعية السياسية وتحقيق الممكن وأن ينضم إلى الركب تحت هذه الذريعة. والنزول تحت الأرض أو إلى الشارع اليوم ما هو إلا عنف أو اجترار له. فمن يريد ممارسة المعارضة الحرة بمبادئ وطنية، فأولى به أن يبقى خارج هذه المنظومة لا أن يختزل نفسه فيها. فهذه المنظومة مَبْنيةٌ على أن السياسة صناعةٌ بدون مبادئ، لكن الحقيقة أن السياسة بدون مبادئ ما هي إلا محض دمار، والسياسيون من دون مبادئ ما هم إلا سماسرة سياسة. أما سؤالك عن البديل فجوابه واضح.

إن المشروع السياسي للدولة الأردنية هو مشروع غامض، وهي لا تملك مشروعًا اجتماعيًا سوى مشروع استهلاكي للسلع والدعاية الرسمية. والمجتمع الأردني أصبح اليوم يهمش كل من يرفض القيم السياسية والاجتماعية المهيمنة عليه حتى أصبح الناس لا يحترمون إلا صاحب السلطة المتضور جوعًا للمال أو صاحب المال المتعطش للسلطة. والأردنيون وهم يطالبون بالحرية والديمقراطية والمساواة يستقدمون من الخارج آلاف العمال والعاملات ويُشغلون معظمهم في ظروف أقرب ما تكون إلى العبودية. ويستهلك الأردنيون قمحًا ولحومًا لا ينتجون معظمها، ويستخدمون أحدث وسائل الاتصالات فيما لا ينفعهم، ويسيطر على مؤسساتهم التعليمية تجار وأكاديميون معظمهم أشباه أميين.

لقد أدى مشروع الدولة الاستهلاكي هذا إلى إغراق المجتمع الأردني في حالة من الاستلاب الديني واللغوي والثقافي والارتهان الاقتصادي والعلمي، وجعل الأردنيين يعيشون بأنماط تقضم الرقعة الزراعية وتلوث البيئة وتدمر التنوع الحيوي وتضاعف الانبعاثات الحرارية وتنشر الأمراض المزمنة، بينما الحكم ممعن في إضعاف المجتمع سياسيًا وفي الاعتماد على الدعم الخارجي والتحالف مع قِلّة مالية في الداخل لا يميزها إلا الخفة والجشع وانعدام الرؤية والدراية السياسية، وهو ما جعل المجتمع والدولة الأردنية مرتهنيْن للجوار والقوى العظمى.

وهذه القوى العظمى تغض نظرها عن نمط استهلاك مجتمعنا وعن نظرة تجمعاته السكانية إلى نفسها وإلى بعضها البعض؛ وفي سياق النيوليبرالية المهيمنة على العالم منذ ربع قرن، هي تقدم الدعم العسكري لنا ونحن نقيم بمباركتها معاهدة صلح مع الكيان الصهيوني الذي لا عدو لنا غيره. وبدلاً من أن تُوجه تلك الدول دعمها إلى تطوير التعليم العقلاني والقضاء والمواصلات العامة والإنتاج الزراعي والصناعي، فهي لا تَكِّلُ الضغط لتحقيق تمييز إيجابي لمصلحة الأردنيين الفلسطينيين لتأمين مزيد من المقاعد النيابية لهم، وهو تمييز لن يُسفر إلا عن إبراز هويتهم ككتلة سكانية فلسطينية وليس كمواطنين أردنيين متساوين، ما سيؤدي إلى زيادة التمييز ضدهم، ولَوْمهم على امتيازات يحتكرها الأثرياء منهم بالاشتراك مع أمثالهم من الشرق أردنيين من دون الغالبية، هذا مع علم القوى العظمى أن مجلس النواب الأردني ليس مجلسًا تمثيليًا حقيقيًا، والتفاتها الدائم عن ما تقوم به «إسرائيل» من ممارسات ضد كل العرب في فلسطين.

ثمة حسنة لفشل الربيع العربي؛ فقد فضح الخلل البنيوي الكامن في وجدان مختلف مكونات المجتمع الأردني، وهو خلل يكرهه الأردنيون في أحلامهم ولكنهم يتمسكون به في يقظتهم؛ فهم منقسمون على أنفسهم انقسامًا عموديًا ذي شق شرق أردني وآخر فلسطيني، ويتخلل هذان الشقان ما شئت من إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين، غالبيتهم تمارس تُقيةً سياسيةً واستبطانًا للسلطة وتتوسل بالديمقراطية للوصول إليها، وتلهث وراء المناصب والوظائف العامة غير عابئة بأن السلطة الحقيقية ليست بيد مجلس النواب أو الحكومة، ولا مكترثة بالتشوهات الدستورية التي فصلت البلاد عن مفهوم الديمقراطية تمامًا حتى كغاية مستقبلية، وهم بذلك يتواطؤون مع الحكم في تسويق الشكل الديمقراطي المزعوم للبلاد دون مضمون لإبقاء مقاليد الأمور بيده وحده.

إن الاصطفاف الديني والعشائري والإقليمي والجهوي في العمل السياسي ما هو إلا سباق لتحقيق محاصصة سياسية وهمية لا تعود بالمكاسب إلا على من يصطف الناسُ وراءهم، وهذا الاصطفاف يتناقض وجوديًا مع مفهوم الدولة ولا تمارسه إلا التشكيلات السابقة عليها، وهو يُعدم مفهوم المواطنة والمساواة ويقوم على قيم الغلبة والمغالبة البربرية. واستثمار هذا الاصطفاف في الانتخابات ما هو إلا استغلال لمآسي الناس وتيه بوصلتهم. ثمة بديل عن أن يكون المرءُ جزءًا من هذا الاصطفاف، هو أن ينضم إلى عمل منظم موازٍ ومقاوم له لتعبئة الفراغ السياسي المُهين ومغادرة هذه الانقسامات المريضة. وهذا لا يتم إلا بإنشاء مشروع اجتماعي اقتصادي -مهما كان شكل إطاره السياسي -عابر لمكونات الناس المختلفة، يعمل على مقاومة الحاجات الاستهلاكية المذلة لهم والأمراض الاجتماعية التي تفتك بهم، ويقاتل لإنشاء نظام مساواتي لا يُدرَك إلا من خلال نظام تعليم جديد يؤسس عقلًا ناقدًا لجميع أشكال السلطة، ويقود حتمًا إلى طريق فك جميع أشكال الارتهان.

إن لم يكن لك خلاف مع هذا، وبدلًا من اختزال نفسك وإهدار أصوات الناس في توفير شرعية لهيئة لا تمثل إلا مشروعًا مضادًا لك، فادعُ كل من يؤمن بك ممثلًا عنه إلى الانضمام إليك في مشروع لا يخذله أحد في منتصف الطريق من أجل وظيفة عامة أو مقعد نيابي. وبخلاف ذلك، فَلِسان حال السلطة دائمًا سيكون: ترشحوا وصوتوا ما شئتم، فصوتكم عائد لي.