كيف يقودك منشور على فيسبوك إلى محكمة أمن الدولة

الخميس 08 كانون الأول 2016
الصورة لموقع البوصلة.

تبدأ حبر بهذا التقرير سلسلة من خمس حلقات من تقارير صوتية ومكتوبة، تحاول رصد التعديات على الحريات السياسية أو المدنية أو الشخصية في المجتمع الأردني. بإمكانكم الاستماع إلى هذه التقارير كاملة، أو قراءتها في نسختها المكتوبة.

«ادعم نتنياهو، ٣٠٪ من قيمة فاتورة كهربائك ستذهب لدعم إسرائيل إن تمت صفقة الغاز معها»، ثابت عساف.

«بقي المواطن يصارع الحياة من أجل لقمة عيش مغمّسة بالذل، ولهذا قرر أحرار الوطن اليوم الخميس للخروج للميادين»، علاء ملكاوي.

«لقد عكّر الشعب الأردني اليوم صفو العلاقة الشخصية بين الملك والسيسي #قله_هلا»، باسم الروابدة.

#‏ارفع_راسك‬ ……. #ارفع_راسك و سترفعه أكثر عندما تطرد من يتمنى كسر رأسنا كلنا: سفير الكيان الصهيوني»، طارق خوري.

«تقوم القيادة المتنفذة في الإمارات بدور الشرطي الأمريكي في المنطقة»، زكي بني رشيد.

هذه بعض النصوص التي نشرها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي ولكنها وجدت طريقها إلى لوائح اتهام المدعي العام وكانت ضمن الأدلة التي أدانت أصحابها بتهم «إطالة اللسان» و«تقويض نظام الحكم» و«تعكير صفو علاقات مع دول شقيقة».

وصلت نسبة انتشار الإنترنت في الأردن هذا العام إلى ثمانين بالمئة. نسبة يتفاخر بها المسؤولون الأردنيون في كل مؤتمرات الاتصالات العالمية والإقليمية. لكن ما يغفل المسؤولون ذكره دائمًا هو ارتفاع نسبة التوقيف التي طالت المواطنين في الأردن للتعبير عن آرائهم المعارضة لسياسات الدولة الأردنية على الشبكة ذاتها مصدر فخرهم.

في عام ٢٠١٥ و٢٠١٦ فقط، رصدت حبر أكثر من ٣٠ حالة لصحفيين أو مواطنين تم توقيفهم من جهات مختلفة بسبب منشورات سياسية على الفيسبوك أو تويتر أو مقالاتهم الصحفية. أشهر هؤلاء كان زكي بني ارشيد الذي قضى سنة ونصف منذ نهاية ٢٠١٤ في السجن لانتقاده الإمارات، وأمجد قورشة الذي عارض انضمام الأردن للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش. آخر هذه الحالات كانت للناشط علاء ملكاوي الذي تم إيقافه عدة مرات هذا العام كان آخرها في أيلول الماضي تحت ذمّة التحقيق من قبل الحاكم الإداري، بسبب منشور على فيسبوك. ليست هذه قضية الرأي الأولى لملكاوي الذي سبق وسجن في ٢٠١٤ ستة أشهر بتهمة إطالة لسان بسبب أحد النصوص المذكورة أعلاه.

«بدهمش إنه نكتب ضد السعودية، يعني باختصار (..) وأنا كتبت، وهم استغلوا هذا الظرف وحوّلونا لأمن الدولة». يقول جمال أيوب، الكاتب الذي أوقف في ٢٣-٤-٢٠١٥ بـ«تهمة تعكير صفو علاقات مع دولة» على إثر مقال رأي نشره على أحد المواقع الإلكترونية.

يكلمنا جمال عن فحوى المقال الذي أوقف بسببه: «أنا شرّحت الموقف من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وكيف ورّطوا صدام حسين في الحرب ضد الثورة الإسلامية، وكيف ورّطوا صدام حسين فيما بعد بالحروب التي جرت بالمنطقة، وبالنهاية دعموه بالمليارات وآخر كلام حملّوه إياهم ديون، وكيف وصلوا إلى اليمن وكيف الثورة الإسلامية في إيران بتساعد الفقراء في المنطقة، وأنا لعلمك مش بدافع عن الثورة الإسلامية في إيران لعلمك، لكن بدين بالأمة العربية».

على الرغم من وجود نصوص في القوانين الأردنية تجرم التعبير عن الرأي، يرى النائب في مجلس النواب الأردني، ونقيب المحامين السابق، صالح العرموطي أنها تتنافى مع الدستور. إذا تنص المادة ٩ منه على أن أي اعتداء على حقوق الإنسان وحرياته وحياة الخاصة جريمة يعاقب عليها القانون. كما نصت المادة ١٥ أيضًا على أن حرية الرأي والتعبير مصونة بالدستور. لكن عدم تفريغ هذه النصوص الدستورية في قوانين أدى إلى «إعدامها»، بحسب العرموطي. «لا يجوز أن نتغول على إنسانية الإنسان وحقوقه، وممارسة حقه بحرية الرأي والتعبير. هذه ظاهرة صحية».

ولا تكتفي الدولة الأردنية بتجريم الرأي المخالف لرأيها فقط، إذ تحوّل هذه القضايا إلى محكمة أمن الدولة بدلًا من عرضها على القضاء النظامي. يفسر المحامي طاهر نصار الذي ترافع عن جمال أيوب والملكاوي كيف أصبحت محكمة أمن الدولة العسكرية هي المحكمة المختصة بقضايا الرأي، بالقول إن قانون منع الإرهاب أجهض التعديلات الدستورية لعام ٢٠١١ وفرّغها من مضمونها، وأعاد الاختصاص الأوسع لمحكمة أمن الدولة.

«كنت أول تحكي كلمة يقلك ذم وتحقير، أو التعرض لجهاز [أمني]، [لكن] القضاء مدني. في قانون منع الإرهاب خالفوا كل المنظومة القيمية في حقوق الإنسان والحياة العامة، كل المعاهدات والمواثيق الدولية، وأضحى الإنسان يلاحق على حرف، على إشارة، على لون، هذا اللون بيرمز لتنظيم كذا، بيدفع الإنسان ثمنه. عادةً، القاعدة القانونية [أن] العقوبة تتناسب مع الجريمة. في أمن الدولة، العقوبة يحكمها ظرف الواقع، ما إلها علاقة بالقانون. يعني أنا بسأل رئيس هيئة في أمن الدولة، بقول له كنتوا تعطوا على الترويج سنة، صرتوا ثلاث سنين. هلأ بتعطي خمسة سنين لواحد قال كلمة، ليش؟ بقول لي: بعد أحداث إربد».

ويوضح نصار أن السلطات تتجنب ملاحقة الكتاب والصحفيين على أساس قانون المطبوعات والنشر، كونه ينص على عدم التوقيف. «لو كتبت عن أي شيء كان، بقولك تعكير صفو العلاقة مع دولة صديقة أو دولة مجاورة أو دولة أجنبية أو ما شاكل ذلك. وبيعقدوا هذا الاختصاص ضمن قانون منع الإرهاب لمحكمة أمن الدولة. وهذا اللي سيق على أساسه العديد من الإخوة الكتاب والصحفيين وعلى رأسهم الأستاذ جمال أيوب».

يقضي معظم موقوفي محكمة أمن الدولة وقتًا طويلًا قبل محاكمتهم. أوقف جمال أيوب أربعة أشهر في سجن ماركا قبل بدء محاكمته في آخر ٢٠١٥، وأوقف علاء ملكاوي ١٢٦ يومًا على ذمة التحقيق بتهمة إطالة اللسان وذم هيئات رسمية في آخر ٢٠١٤. واليوم، يوقف شهرين في قضية رأي أخرى. وأوقف أمجد قورشة لمدة ٧٠ يومًا قبل أن يخلى سبيله بكفالة مالية هذا العام أيضًا.

يقول جمال أيوب أن محاكمته بدأت بعد ما يقارب ٩٥ يومًا من توقيفه. «تحولت لمحكمتين، محكمة قصر العدل، ومحكمة أمن الدولة. في محكمة أمن الدولة كانت التهمة تعكير صفو علاقات دولية، وفي نهاية الأمر تم الحكم في تحقير دولة أجنبية وجيوشها، وهذا مش صلاحية المحكمة. فيما بعد سقطت قضية قصر العدل، نتيجة إني تحاكمت على القضية، وحسب القانون لا يجوز الواحد يتحاكم مرتين بقضية واحدة. المهم وقفوني ما يقارب خمس شهور، وفي نهاية الأمر حكموني أربع شهور». أي أنه أيوب قضى في التوقيف شهرًا زائدًا عما حُكم به؛ شهر يصفه ضاحكًا بالـ«بونص».

إن كان جمال أيوب أخد شهرًا «بونص» لأن حكمه كان أقصر من فترة توقيفه، فوائل الرفاعي الذي أوقفته محكمة أمن الدولة بتهمة «الترويج لجماعة إرهابية على الشبكة العنكبوتية»، كان له تسعة أشهر من «البونص»، لأن المحكمة حكمت ببراءته بعد مدة إيقافه تحت ذمة التحقيق هذه التي بدأت في شهر آذار من ٢٠١٥.

يقول وائل: «دخلت السجن في ٢٦-٣-٢٠١٥ وتحولت لمدعي عام أمن الدولة. ووقفني ثلاث شهور على ذمة التحقيق (..) تفاجأت بعديها بأكم فترة إنهم بطلبوني لمحكمة أمن الدولة قبل انتهاء الثلاث شهور. لما رجعت، [تبين] إنه في قضية تانية نازلة علي وأنا داخل السجن (..) ترويج لمنظمات إرهابية، نفس القضية الأولى، بس هاي ترويج شفوي يعني لأشخاص، حاطين شهود علي. بعد ثلاث شهور، رجعت على المدعي العام، مددني كمان ثلاث شهور. كل ثلاث شهور يمددوني كمان ثلاث شهور، ع بين ما خلصن التسع شهور، يعني سنة تقريبًا. آخر شهر أو شهر ونص صار في محاكمات، وتحولت لرئيس المحكمة».

قضية الرفاعي استندت إلى منشورات على حساب في فيسبوك، كان الرفاعي قد أعلن أن مسروق، ونشر بيانًا بأنه غير مسؤول عنه. لكن رغم توضيحه لهذه السرقة، تم اعتقاله وتحويله إلى محكمة أمن الدولة، بتهمة الترويج لمنظمات إرهابية على الحساب المسروق نفسه. وعند سؤاله ما إذا كانت دائرة الجرائم الإلكترونية قد أصدرت تقريرًا تقنيًا لحسم الجهة المستخدمة للحساب، قال الرفاعي: «طلعوا تقرير كامل بأنه أنا ما إلي علاقة فيه نهائيًا».

لم يعوض جمال أيوب عن الشهر الزائد الذي قضاه في السجن تحت التحقيق، ولا وائل الرفاعي الذي قضى تسعة أشهر قبل أن ينال البراءة. سواء نظرت المحكمة في قضايا ترويج الإرهاب، أو قضايا الرأي، يرجع الخلل بها بالنسبة للكثير من مناهضيها إلى خروجها عن القضاء النظامي المدني وتغوّل السلطة التنفيذية على أحكام القضاء، خاصة أن من يعين اللجنة القضائية هو رئيس الوزراء.

يقول صالح العرموطي: «الأصل أن يحاكم الشخص أمام قاضي طبيعي، وليس أمام محكمة استثنائية خاصة، خاصةً أن محكمة أمن الدولة غير معترف بها دوليًا، والإنتربول لا يعترف فيها، وأحمد الجلبي لما صدر عليه حكم من محكمة أمن الدولة، قال الإنتربول أن هذه محكمة عسكرية ولن نتمكن من استلام أحمد الجلبي. لذا ما دام نحن دولة قانون ومؤسسات تعني نزع الصلاحيات التنفيذية بما يتعلق بالقضاء والتشريع. للأسف الشديد لا تزال محكمة أمن الدولة تمارس صلاحياتها، وقد توسعت الصلاحيات. دستروا محكمة أمن الدولة للأسف الشديد، مجلس النواب السابق، هي نقطة سوداء في تاريخه أن يدستر محكمة استثنائية، واقتصرت الصلاحيات إلى خمسة [تهم] منها التجسس والخيانة العظمى والإرهاب والمخدرات وما شابه ذلك، إلا أنهم التفوا على محكمة أمن الدولة بصدور قانون منع الإرهاب، وهو حجر على العقل والفكر، وحول الكثير من القضايا حتى بما يتعلق بحرية الرأي إلى محاكم أمن الدولة. وأيضًا، أوجدوا قانون الجرائم الإلكترونية التي تزج بالكتاب والصحفيين إلى محكمة أمن الدولة».

تعديل قانون استقلال القضاء خلق ثغرة جديدة استغلتها محكمة أمن الدولة، في رأي طاهر نصار. إذ شُطبت مادة كانت تنص على إمكانية معاقبة القضاة إذا تلاعبوا في النص القانوني أو حرّفوه، أو تلاعبت النيابة العامة في تكييف القضية.«لا يمكن قاضي عسكري، أقسم قسم ضباط القوات المسلحة أن يطيع الضباط الأعلون، اللي أعلى منه رتبه، فإذا اجاه أمر هذا القاضي إنه أحكم هيك، إذا حكم زي ما بده المسؤول اللي أعلى منه رتبة بكون خان العدالة وقواعد العدالة، وإذ ما حكم زي ما بده، بكون نكث باليمين اللي حلفه إنه يطيعه. ولهذا كل التركيبة ما هي صحيحة»، يقول نصار.

لطالما استخدمت الدولة أدوات مختلفة في محاولة الحد من الحق في التعبير، تتراوح بين حجب المواقع أو تجريم كل من «يطيل اللسان» أو يحاول تقويض الحكم، أو يهين الشعور الديني وغيره عبر القانون المدني.

وبينما كانت السلطات الأمنية الجهة الوحيدة التي توقف معظم الحالات، انتقلت عدوى تجريم الرأي مؤسسات الدولة أخرى مثل وزارة التربية التي توقف المعلمين المعارضين لسياسات تعديل المناهج والجامعات التي توقف الطلاب المعارضين لسياسات الرسوم.

يقول جمال أيوب: «لا لا مكنتش متوقع. أصلًا هم لا يجوز إنهم يعتقلوني أو يحاكموني. أنا مش صحفي عدم المؤاخذة بنظام أو قانون صحافة. أنا كاتب رأي. وكاتب الرأي لا يحاكم في أي دولة في العالم».

هنا، ألقينا الضوء على تزايد استخدام الدولة لأداة محكمة أمن الدولة العسكرية في التعامل مع قضايا الرأي، وهي المحكمة التي وصفها وزير التنمية السياسية، خالد الكلالدة، بأن من شأنها «حماية الحريات وإثراء مناخاته»، ولكن الأصوات المطالبة بإغلاقها تعلو لعدم دستوريتها.

يقول صالح العرموطي: «لا شك أن محكمة أمن الدولة هذه لما كان اضطرابات في الـ ٥٩ تشكلت محكمة أمن الدولة كمحكمة استثنائية لوقت آني لمعالجة ظرف طارئ. (..) يعني احنا عدلنا الدستور بالـ٢٠١١ وصدر تعديل الدستور [يقول] السلطة القضائية سلطة مستقلة، معناته يجب بموجب الدستور أن تنزع الصلاحية من السلطة التنفيذية بما يتعلق بالقضاء كما قلت. إلا أنه للأسف الشديد ما تزال محكمة أمن الدولة تشكل وتنشأ بقرار من رئيس الوزراء. وهذا تغول على السلطة القضائية».

ولربما حقق هذا التغول أهدافه في الردع، على الأقل في حالة جمال أيوب، الذي قال إنه لم يعد يكتب كما كان، «بسبب هذه القضية».