كيف تبدأ الطريق إلى الزنزانة الانفرادية بكبسة «بوست»

الإثنين 21 آب 2017
الناشط هشام العياصرة الذي أوقف نهاية الشهر الماضي إثر منشورات انتقد فيها تعامل الحكومة الأردنية مع حادثة السفارة.

عندما عاد قاتل المواطِنيْن الأردنيين في السفارة الإسرائيلية في عمّان إلى «إسرائيل» وتصاعد غضب الأردنيين مطالبين بمحاسبة الجاني، نشر هشام العياصرة على حسابه على تطبيق سناب تشات -ذي الثمانمئة متابع- فيديوهات يتساءل فيها عن مسؤولية القادة في الدولة الأردنية تجاه حادثة القتل، بحسب قوله.

في اليوم التالي، 26 تمّوز، اعتقلته وحدة الجرائم الالكترونية في البحث الجنائي، وعرضت عليه هذه الفيديوهات خلال التحقيق، قبل أن تحوّله إلى محكمة أمن الدولة بتهمة «مناهضة نظام الحكم السياسي». مكث العياصرة ستة أيام في سجن ماركا قبل أن يخرج بكفالة، بحسب قوله.

لا تدوم فيديوهات سناب تشات هذه أكثر من 24 ساعة حسب قواعد التطبيق، ولكن وحدة الجرائم الإلكترونية استطاعت، بحسب العياصرة، أن تجمعها وتفرغ محتواها في نص، مضيفًا في حديث لحبر أن أكثر ما أثار حفيظة وحدة الجرائم الإلكترونية في هذه الفيديوهات كان الدعوة لـ«تحرير الوطن سلطةً وموارد» والسؤال عن «أقزام النظام الذين أداروا عملية إرجاع القاتل إلى بلده».

العياصرة هو أحد نشطاء الحركة الطلابية وأحد منظمي الاعتصام المفتوح في الجامعة الأردنية العام الماضي، كما كان من نشطاء الحراك الشعبي الذين اعتقلوا عام 2012 على خلفية المشاركة في مظاهرات هبّة تشرين، حيث تم توقيفه ثلاثة أيّام آنذاك قبل الإفراج عنه دون توجيه تهمة.

في عام 2017، اعتقل عدّة أشخاص بعد تعبيرهم عن غضبهم من سياسة الدولة الأردنية تجاه أحداث محلية مفصلية.

من هؤلاء، صبر العضايلة، الذي ما يزال موقوفًا في زنزانة انفرادية منذ 25 أيار2017، عندما اعتقل بسبب نشر فيديو بعنوان «اختراق الخطوط الحمراء في الأردن» يتحدث فيه عن تدهور الحريات والفساد. وجهت له محكمة أمن الدولة تهم «إطالة اللسان» و«تقويض نظام الحكم»، بحسب محاميه موسى العبداللات.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يوقف بها صبر العضايلة نتيجة المطالبة بمحاسبة الفاسدين. ففي 8 كانون الأول 2016، اعتقلته الجهات الأمنية (مع حاتم العرموطي ورجب رجب) عند وصولهم إلى عمان بعد شهر من انطلاقهم في مسيرة سلمية على الأقدام من القطرانة، رفعوا فيها لافتات معارضة للفساد. أطلق سراح صبر بعد ساعتين من اعتقاله.

«قالوا يا عمي في كتابات على الفيس وفي إساءة وفي نقد لاذع لبعض الدول. (..) حولونا على القضائية بمركز الأمن تفاجأنا بأنه توقيف إله وتاني يوم ترحل على محكمة أمن الدولة».

من المعتقلين على قضايا رأي كذلك سالم النعيمي، الذي اعتقل في الثاني عشر من حزيران، بعد أن عبّر عن استيائه من موقف الأردن في الأزمة الخليجية مع قطر في شعر نشره على الفيسبوك وصف به الحكومة «بحكومة العار» لجلبها «الخزي والعار للأردن وشعب الأردن».

النعيمي موقوف لغاية الآن في زنزانة انفرادية في سجن الجويدة بعد أن وجهت له محكمة أمن الدولة تهمة «تعكير صفو علاقات بدولة شقيقة»، حسب محاميه أحمد شديفات. يروي شقيقه محمد لحبر: «حكو البحث الجنائي معاه، ورحنا أنا وياه نشوف شو بدهم. لما وصلناهم، قالوا يا عمي في كتابات على الفيس وفي إساءة وفي نقد لاذع لبعض الدول. (..) حولونا على القضائية بمركز الأمن تفاجأنا بأنه توقيف إله وتاني يوم ترحل على محكمة أمن الدولة».

حرية سقفها السجن

تفاوت نهج الأجهزة الأمنية باعتقال المواطنين بسبب رأيهم المعارض سياسيًا منذ انطلاق المظاهرات الحراكية المطالبة بالإصلاح في 2012. فبعد انحسار الحراك المطالب بالإصلاح، حوكم مع نهاية عام 2013 أكثر من 130 ناشطًا سياسيًا أمام محكمة أمن الدولة بتهم مثل «التجمهر غير المشروع» و«إطالة اللسان على الملك» و«تقويض نظام الحكم» و«العمل على تغيير الدستور».

وفي نيسان 2014، أقرت الحكومة تعديلات قانون منع الإرهاب، الذي استخدم لملاحقة الآراء السياسية المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر مواد صحفية، بالإضافة إلى استخدامه لتجريم الترويج للمجموعات الإرهابية أو دعمها كما الغاية المعلنة منه. أما في أعقاب الهجمات الإرهابية على مدينة الكرك في كانون أول الماضي، فاستخدم القانون لشن حملات اعتقال موسعة لما يقدر بألف شخص، لم توجه للكثيرين منهم أي تُهم حسب المركز الوطني لحقوق الإنسان.

في كانون الثاني من هذا العام، أوقف مدعي عام محكمة أمن الدولة أكثر من عشرين مواطنًا. أسندت المحكمة لثلاثة منهم تهمة تقويض نظام الحكم بسبب منشورات على الفيسبوك، عبروا خلالها عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية والفساد في الحكم والحكومة أو وجهوا رسائل إلى الملك يحذرونه من اندلاع الفوضى في الأردن.

يروي النائب السابق وصفي الرواشدة، لحبر، تفاصيل اعتقاله في 13 كانون الثاني من هذا العام عندما استدعته المخابرات العامة على خلفية منشور له على الفيسبوك بعنوان «النداء الأخير»، وجه خلاله تحذيرًا للملك من اندلاع الفوضى بسبب تفشي الفساد وغياب آلية المحاسبة.

«رحت بنفسي بسيارتي على الاستعلامات وسألوني عن نشاطي على الفيسبوك، قالولي هاي صفحتك، قلتلهم نعم، وسألوني، هذا الحكي انت كاتبه، قلتهم نعم، قالولي، وقع هون»، يقول الرواشدة.

مثل الرواشدة أمام مدعي عام محكمة أمن الدولة في دائرة المخابرات، بحسب قوله. «لم يوجه لي تهمة ولكن كتب على ورقة: تقويض نظام الحكم وزعزعة السلم الأهلي‘».

يقول الرواشدة إنه مكث في زنزانة انفرادية لدى المخابرات خمسة ليال دون أن يسمح له بالاتصال بعائلته أو بمحام. «اليوم الخامس طلبوني وقالولي خذ ملابسك، اعتقدت إنه إفراج، ولّا هم حطّوا العصبة على عيوني وكلبشوني». عندها، نُقل الرواشدة إلى مركز إصلاح وتأهيل الزرقاء (سجن الهاشمية)، ووجد نفسه مع سبعة معتقلين آخرين اعتقلوا في نفس الفترة ومنهم اللواء محمد العتوم وفلاح الخلايلة وعبد الرحمن الدويري وحسام العبداللات وخالد الفقراء. تنقّل الرواشدة من الهاشمية إلى سجن ماركا إلى السلط ومن ثم إلى الرميمين، حتى تم أخذه في اليوم السابع والعشرين مجددًا إلى دائرة المخابرات العامة، حيث أطلق سراحه.

إفراج ولكن

على الرغم من تناقل وسائل إعلام خبر إسناد تهم «تقويض نظام الحكم» للعشرين الذين اعتقلوا بداية هذا العام وإخراجهم بكفالة، إلا أنه لم يتم إصدار لائحة اتهام عندما أطلق سراح بعضهم، بحسب وصفي الرواشدة، الذي أضاف أن مدعي عام أمن الدولة رفض إصدار لائحة اتهام بتهمة «تقويض نظام الحكم». «قال لنا روحوا. قلتله انا ما بدي أروح، أنا زي ما أخذتني بدّي محاكمة وبدي تعرضني على قاضي. شو بدكوا تحكوا للناس، تعتقلوا إنسان ٢٧ يوم بعدين تقولوا روّح؟ قال لنا هذا اللي عندي».

«التحفظ على القضية هو تجميدها ومتى ما بدهم بشغلوها».

حاول عمر العوسفي، الذي اعتقل في ذات الفترة، استصدار شهادة عدم محكومية بعد إطلاق سراحه، إلا أنه فشل.

«كنت بعمل في جمعية ومن متطلبات الجمعية عدم المحكومية. رحت على المحكمة ولا هم بقولولي القضية تبعتك مفتوحة. حكيت مع المدعي العام وقال لي احنا رح نخاطبهم وناخد عدم محكومية. ورجعت مرة ثانية وأعطوني عدم محكومية». يقول العوسفي إنه ليس هناك أي ورقة قانونية تثبت أن قضيته مفتوحة. «عند الأمن العام بقلك مكتوب بالسيستم إنه تم اعتقالكم وما منعطي [عدم] محكومية لأنه مافي نتيجة».

أفرج عن هشام العياصرة بكفالة وقيل له إنه تم «التحفظ على قضيته». لا يعني هذا إغلاق ملف القضية، بحسب المحامي عبد القادر الخطيب الذي توكل عن العياصرة والعوسفي ومحمد العتوم وغيرهم. ويضيف إن «التحفظ على القضية هو تجميدها ومتى ما بدهم بشغلوها»

حريات الإنترنت كحريات الشارع

الفيسبوك، وإن كان مسرح تهمة للعديد من الموقوفين، هو ذاته المساحة التي تقف فيها عائلاتهم وأصدقاؤهم ومناصريهم لإخراج قضايا الموقوفين للعلن. في الثامن من حزيران الماضي، نشرت مجموعة من الحقوقيين بيانًا ترفض فيه «سياسة الاعتقالات الممنهجة» وتطالب بـ«إطلاق سراح.. [المعتقلين] وإغلاق ملفاتهم وملفات سائر المعتقلين والملاحقين السابقين والحاليين». لكن باستثناء حملات من بعض النشطاء أو المقرّبين من المعتقلين، لا يوجد زخم شعبي لمناصرتهم. يقول الناشط الحقوقي المستقل فادي القاضي إن «هناك تقصير وتجاهل غير مبرر من قبل منظمات حقوق الإنسان في توثيق قضايا الاعتقال السياسي وخصوصًا تلك التي تحدث بسبب نشر الآراء على الانترنت».

في جلسة مناقشة الموازنة العامة مطلع العام الحالي، رد رئيس الوزراء هاني الملقي على مساءلة النواب له عن اعتقالات كانون الثاني بأن «الأردن يحافظ على القانون ويحترم حرية التعبير. المعتقلون متّهمون بأعمال تحريضية من شأنها أن تثير الرأي العام».

«نهج السلطة في الرقابة على التعبير على الإنترنت هو امتداد لنهجها في تقييد مساحة التعبير أو التنظيم على الأرض»، يقول القاضي، «المساحة السياسية المتاحة بالأردن للتنظيم والتظاهر أغلقت ولم تعد متاحة لأن هناك توجهات رسمية معلنة بعدم تسامحها مع المظاهرات والتجمعات وتضيق التراخيص على مؤسسات المجتمع المدني».

استطاع نشطاء مظاهرات وحراك الربيع العربي في 2011 و2012 التعبير عن مطالب كانت تعد سابقًا خطوطًا حمراء مثل العودة إلى دستور 1952 ووقف تدخل المخابرات بالعمل العام. لكن الظروف الإقليمية وما تبعها من تراجُع الحراك والعمل السياسي اليوم وسّعت من دائرة الأعمال والآراء التي يمكن أن تؤدي بالمواطن إلى تهمة «تقويض نظام الحكم»، من المشاركة بمظاهرات تطالب بإصلاحات سياسية وطنية إلى مشاركة منشور فيسبوك يعارض سياسة الأردن الخارجية تجاه قطر، أو ينتقد حرب السعودية على اليمن أو حتى يطالب بمقاطعة بضائع تعبيرًا عن رفض السياسات الاقتصادية التقشفية.

تُثبت أنماط الاعتقالات السياسية في السنوات الخمسة الأخيرة أن حرية العمل السياسي والتعبير عن الرأي قيم متغيرة مع الظروف السياسية الخارجية والداخلية. حرية الإنترنت في الأردن تراجعت بشكل مطّرد ما بين عامي 2011 و2016، بحسب مؤشرات دولية.

«كمواطن، ليس هناك معيار أستطيع الاستناد إليه عن متى سترضى أو تغضب السلطات الأردنية عن رأيي السياسي، لأن الاعتقالات متروكة للمزاج السياسي»، يقول القاضي.