حادثة السفارة الإسرائيلية: كيف تعامل الأردن رسميًا مع القاتل والشهيد؟

الآلاف في جنازة الشهيد محمد الجواودة في عمّان يوم الثلاثاء 25 تموز. تصوير دانة جبريل.

حادثة السفارة الإسرائيلية: كيف تعامل الأردن رسميًا مع القاتل والشهيد؟

الخميس 27 تموز 2017

«قلت لك أني سأعيدك إلى بيتك وها أنت تعود، أهلا وسهلا بك، تمتع بالحرية»، يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرجل الأمن «زيف» (الذي لم ينشر اسمه الكامل)، بعد اجتياز الأخير للحدود عائدًا من الأردن، بعد أقل من 36 ساعة من قتله أردنييْن داخل شقة في محيط السفارة الإسرائيلية في عمّان.

تلك الكلمات وغيرها من الصور التي نشرتها مواقع إسرائيلية لترحيب رئيس الوزراء برجل الأمن، زادت من الشعور «بالاستفزاز» لدى  عائلة الشهيد محمد الجواودة، بحسب المتواجدين في بيت العزاء. «لأول مرة بحس إنه ما ورانا حد، خذلان، تعشّمنا وبعدين انخذلنا»، تقول إحدى المعزيّات في منزل عائلة الجواودة يوم الأربعاء.

صبيحة الإثنين، اليوم التالي لاستشهاد محمد، كانت النساء في منزل العائلة في أم الحيران يتبادلن الأسئلة، «شو رح يصير؟»، «قولتك رح يقدروا يحاكموه؟»، «هيهم مانعينه يسافر. قولتك رح يحققوا معه؟»، يقصدن بأسئلتهن رجل الأمن الإسرائيلي الذي قتل الجواودة، وفي منتصفهن تجلس والدته، دون أن تنظر للجالسات معظم الوقت ولا تحادثهن ولا تبكي، لكنها تقبض يديها الاثنتين وتتمتم بالتسبيحات. بينما تتبادل السيدات حولها صور محمد، ويتحدثن عن وسامته وأخلاقه وانتظام صلاته.

في الساحة المقابلة للمنزل، يقف إلياس، ابن عمة محمد وصديقه منذ سنوات وزميله في الدراسة، على مدخل العزاء للرجال. «محمد كان أكثر واحد فينا مؤدب، كلنا زعران إلا هو، وين ما في طوشة يبعد، ما إله بهاي القصص»، يقول إلياس، ثم يصمت لدقائق، «رنلي مبارح مرتين، مرة الصبح ومرة الساعة وحدة ونص، وما رديت عليه. خلص بديش حتى أفكّر شو كان بده مني». لاحقًا تزداد مظاهر الغضب على إلياس من محاولات التهدئة التي يطلبها كبار العائلة، مشككًا بأن تتخذ الجهات الرسمية أي إجراء حقيقي لرد حق قريبه وصديقه.

لكن رغم الحزن والتوتر الباديين بشكل واضح في بيت عزاء الشهيد الجواودة يوم الإثنين، كانت أخبار منع مغادرة حارس الأمن وطاقم السفارة الإسرائيلية لعمّان تسيطر على الحديث بنوع من الأمل بمحاسبة القاتل، وتساهم في تهدئة مجموعة من الشباب الذين بادروا بإغلاق الشوارع القريبة من منزل الشهيد فور ورود نبأ استشهاده، قبل أن يطلب منهم والد الشهيد وأعمامه الهدوء وانتظار ما سيؤول إليه التحقيق.

زكريا الجواودة، والد الشهيد محمد، يتوسط المعزين يوم تشييع جثمان ابنه. تصوير دانة جبريل.

مساء ذلك اليوم، تلقى والد الجواودة تأكيدًا من وزير الداخلية غالب الزعبي، بأن حارس الأمن سيبقى محتجزًا في الأردن لمحاكمته.

«[وزير الداخلية] دق على صدره وقال لي دم ابنك ما بروح هدر، وهذا ابنّا كلنا، وابن جلالة سيدنا، قلت له بس بدي شغلة، شو بالنسبة للقاتل؟ قال لي القاتل أنا حطيت عليه منع سفر بر وبحر وجو، هذا الحكي قبل الدفن بيوم الساعة تسعة ونص مساءً».

بعد ساعة من ذلك اللقاء الذي جرى بين الأب وبعض أقاربه ووزير الداخلية غالب الزعبي في مكتب الأخير، أصدر الأمن العام بيانًا صحفيًا يعلن به نهاية التحقيقات الأولية في الحادثة، وإحالة كافة الأوراق للجهات القضائية. وأضاف البيان بأن خلافًا نشب بين محمد والموظف الدبلوماسي ساكن الشقة، تطور لمشادة كلامية بسبب التأخير في إتمام العمل، فقام محمد بالتهجم على الدبلوماسي، ما تسبب بإصابته بجروح، قام بعدها الأخير بإطلاق النار عليه وعلى صاحب الشقة ما أدى لوفاتهما.

قررت عائلة محمد دفن ابنهم الشهيد، بعد الوعود التي تلقاها الوالد من وزير الداخلية الزعبي بمحاسبة القاتل. «دفنّا ابننا بس إعلاء للموقف الوطني، ولأنه بدناش نثير نزاعات ونثير بالبلد بلبلة»، يقول زكريا لحبر. وشيّع الآلاف محمد يوم الثلاثاء في جنازة غلبت عليها الهتافات ذات البعد الوطني والداعية للانتقام، وإغلاق السفارة الإسرائيلية في عمّان، والرافضة لمعاهدة وادي عربة، بعد أن استيقظوا على خبر عودة طاقم السفارة بمن فيهم رجل الأمن القاتل إلى «إسرائيل».

ذلك الصباح، نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مقطعًا صوتيًا على حسابه الشخصي على تويتر، لمكالمته مع السفيرة الإسرائيلية في عمّان ومع زيف، بعد دقيقتين من عبورهما الحدود باتجاه «إسرائيل». يقول رجل الأمن لنتنياهو إنه شعر بوجود الدولة بكاملها خلفه، بعد وعد نتنياهو بإعادته.

حتى تلك اللحظة، لم تكن أي جهة رسمية أردنية تواصلت مع عائلة الجواودة أو قدمّت التعازي لهم بحسبهم. «أنا عرفت من الفيسبوك»، تقول والدة محمد، «صاروا في ناس يحكوا معي يحكوا لي إنه محمد انصاب، بعدين فتحت الفيسبوك ولاقيت اسمه إنه مات». بينما علم والده زكريا بالخبر بعد اتصاله بحارس العمارة التي وقعت فيها الحادثة. «قال لي إنه كان فيه قتل وطخ، وكان خايف ومرتبك وقال لي ودّوهم على المستشفى». هرع زكريا إلى مستشفى البشير، فلم يجد أحدًا هناك، ثم اتصل به أحد أقربائه وقال له إن صور ابنه منتشرة على موقع فيسبوك وإنه في مستشفى المركز العربي. «رحت ع المركز العربي، وإجى ضابط أخذني وودّاني لمركز أمن الشميساني، بعديها ودّوني لمخفر أمن المدينة، وخبرني باستشهاد ابني»، يقول زكريا.

استمر الغياب الرسمي عن منزل العائلة حتى مساء أمس الأربعاء، عندما جاء رئيس الديوان الملكي، فايز الطراونة، إلى بيت العزاء ممثلًا عن الملك وحاملًا رسالة منه إلى الأب.

«ليش ما أجوا مسؤولين الدولة من أول يوم؟!»، قال وليد الجواودة، ابن عم زكريا، صباح الأربعاء، قبل زيارة الطراونة. «حطينا الملح ع الجرح ورحنا إحنا على وزارة الداخلية، وجلسنا في وزارة الداخلية مع إنه المفروض أن يأتي وزير الداخلية ليبلغنا. الأب عرف من وسائل الإعلام عن مسألة قتل ابنه، ولم يبّلغ من قبل الدولة، لغاية الآن فش مسؤول بالدولة زارنا ولا أعطانا أي تصريح، إلى متى التهاون والاستهانة بالمواطن الأردني وفي كرامته وفي دمه؟».

تخرج أم يحيى، والدة الشهيد، عن صمتها يوم الأربعاء، مع أنها لم تشاهد الصور التي تصفها المعزّيات لرجل الأمن القاتل مع نتنياهو أو مع  صديقته، لكنها سمعت فقط بخبر عودته لـ«إسرائيل». «حسبي الله ونعم الوكيل بالجميع»، تقول أم يحيى. «بالبداية تأملت بس بعديها فش أمل، انخدعت (..) أنا ما رح يرتاح بالي غير  لما ابني بقبره يوخذ حقه».

تحذّر أم يحيى من أن تمرير ما حصل مع محمد، يعني «تكراره مرة وثنتين وثلاث، كل واحد ممكن يصير معه  هيك». وتسأل عن مبررات الجهات المسؤولة في السماح للقاتل بمغادرة الأردن، فتأتيها إجابات عشوائية من نساء في بيت العزاء حول ما تم تناقله في وسائل الإعلام عن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تنص المادّة 31 منها على أن «يتمتع الممثل الدبلوماسي بالحصانة القضائية الجنائية في الدولة المعتمد لديها». «يعني يموتوا ولادنا عشان في اتفاقيات دولية؟ هي على حساب الشعب وحياة ولادنا يوقعوا اتفاقيات؟»، تقول أم يحيى.

تقول سيدة أخرى تجلس على مقربة من أم يحيى، بأنها تشعر الآن بأنها بلا هوية. «أنا أولادي بزرع فيهم حب الملك والوطن، بدّي أحس إنه الملك والوطن واقف بظهرنا وبحمينا، لما ابني يشوف ابن عمه بنطخ هيك وما حد بتصرف، شو بدي أحكيله غير عجزنا؟».

من تشييع الشهيد محمد الجواودة في أم الحيران يوم الثلاثاء. تصوير دانة جبريل.

خارج منزل العائلة، كان مدير شرطة جنوب عمّان، العقيد سفيان العمري، يبلغ والد الشهيد برغبة وزير الداخلية زيارة العائلة، لكن الأب وأقاربه عبّروا عن عدم رغبتهم في استقبال الوزير. «يغرر [الوزير] فيّ ويخليني أدفن ابني، وثاني يوم بطلع عالملأ وبتصوّر وبيقول ابني مجرم؟»، يقول زكريا للعمري مبررًا سبب الرفض. وكانت العائلة عبّرت عن غضبها من حديث الزعبي خلال جلسة مجلس النواب يوم الثلاثاء عندما وصف ما حدث في السفارة «بالفعل الجرمي». «يعني مبارح وصفته بالمجرم، اليوم بدك تيجي تعزي فيه؟»، يقول زكريا.

وكان العقيد العمري منع فريق حبر من تصوير ذلك الحوار الذي دار بينه والأب، وحاول مصادرة الهاتف النقال، قبل أن يطلب أفراد من جهاز الأمن الوقائي وقف التغطية، بينما طلب المكتب الإعلامي في الأمن العام من حبر حذف تسجيل مصور للمحادثة، لما اعتبره الناطق الإعلامي مخالفةً في تصوير رجل أمن بلباس عسكري دون إذن مسبق. لكن بحسب مشورة قانونية قدّمها مركز حماية وحرية الصحفيين لحبر، لا يوجد ما يمنع قانونيًا من تغطية اللقاء وتصويره باعتباره في مكان عام ويخص قضية تهم الرأي العام.

بعد رفض زيارة الزعبي ظهرًا، استقبلت العائلة رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة، مندوبًا عن الملك، وسط مطالبات من قبل أبناء الدوايمة بضرورة الحفاظ على مطالب العائلة بمحاكمة القاتل.

«مبارح وصفته بالمجرم، اليوم بدك تيجي تعزي فيه؟»

نقل الطراونة تعازي الملك لعائلة الجواودة، واصفًا ما حدث بالسفارة بالجريمة، وهي الزيارة التي فتحت باب التصريحات الرسمية المتلاحقة المنددة بالجريمة، فأعلن مجلس الوزراء عن تشكيل لجنة وزارية لمتابعة التحقيقات بالقضية، بينما وصف وزير الخارجية أيمن الصفدي استقبال نتنياهو للمتهم وكأنه «أسير محرر» بـ«المعيب» عبر مقابلة تلفزيونية مع قناة سكاي نيوز، مضيفًا أن الأردن تعامل مع إسرائيل بموجب الاتفاقيات والأعراف وكدولة تحترم نفسها.

وكان وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني عقد مؤتمرًا صحفيًا مساء الثلاثاء شارك فيه الصفدي ووزير الدولة للشؤون القانونية، بشر الخصاونة، قال المومني خلاله إن الأردن «تأكد من إحقاق العدالة بحادثة السفارة الإسرائيلية».

من جهتها، رفضت عائلة الطبيب بشّار حمارنة الحديث مع حبر خلال زيارتها بيت العزاء المقام في مادبا. وقال المتواجدون إنهم ملتزمون بالبيان الصادر عن عشيرة الحمارنة والذي استنكر «الجريمة البشعة» وطالب باتخاذ كافة الإجراءات «لمحاسبة المجرمين».

بعيدًا عن الروايات الرسمية حول ما حدث في السفارة الإسرائيلية، تقول أم يحيى عن ابنها الشهيد محمد: «هو طفل عمره 16 سنة وهذاك مدرّب ومعه أسلحة كان بقدر يرد عليه بغير ما يقتله (..) بغض النظر تهجم أو ما تهجّم، كونه طفل ووقف قدام واحد صهيوني، هذا بنظري شهيد وبطل».