«فجر أردني جديد»: كيف غطّت كبرى الصحف الأردنية توقيع وادي عربة؟

الخميس 27 تشرين الأول 2016
الصفحة الأولى لصحيفة الرأي يوم توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، في ٢٦ تشرين الأول ١٩٩٤.

«دائمًا ما تشرق الشمس، لكن شمس هذا اليوم أجمل». هذه الكلمات الأولى في افتتاحية الرأي يوم السادس والعشرين من تشرين الأوّل عام 1994 الذي شهد توقيع معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية بمنطقة وادي عربة جنوبي الأردن، والتي رحبت بها الصحف الرسمية وأجمعت أنها بداية «فجر جديد» ستنتهي بشروقه «الحرب الطويلة المرهقة»، ويبدأ «الازدهار» الاقتصادي والسياسي.

على مدار الأسبوع الذي سبق توقيع «معاهدة الأربعاء الكبير»، انشغلت الصحف الأردنية بالمعاهدة، خاصة صحيفة الرأي التي غطّتها يوم التوقيع على صفحاتها الأربعين بـ41 مقالًا وخبرًا صحفيًا طويلًا ومتوسطًا، إلى جانب أربع صفحات تأييد شعبية للملك الراحل الحسين بن طلال وولي عهده آنذاك الأمير الحسن بن طلال، وقصيدتين ومقالة من «مواطنين عاديين» في صفحة «رسائل إلى المحرر».

تغطية صحيفة الدستور لم تبتعد كثيرًا عن هذا النمط، لكنها إلى جانب مقالات الاحتفاء، طرحت في بعض المقالات أسئلة حول آليات تفعيل المعاهدة، بينما جاءت تغطية صحيفة الدولة الناطقة بالإنجليزية «Jordan Times» خبرية خالية من صفحات التأييد للملك وولي العهد.

قبل توقيع المعاهدة بأربعة أيام، افتتح الملك الحسين دورة مجلس الأمة، الذي صادق لاحقًا على قانون المعاهدة، وتركّزت كلمته على أهمية المعاهدة بالنسبة للأردن قائلًا كما في العنوان الرئيسي لصحيفة الرأي وقتها: «المعاهدة بداية لمرحلة جديدة، في زمن ضاعت فيه فرص عديدة».

بعدها بيومين، زار الملك الفرقة الآلية الثانية عشرة الملكية في القوات المسلحة، وقال، كما حمل العنوان الرئيسي في صحيفة الدستور وقتها، ردًا على الأصوات المعارضة لاتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية: «المطلوب احترام رأي الأكثرية.. وتنظيمي هو الأكبر في هذا البلد»، ثم قال أمامهم إن المعاهدة «أعادت للأردن كامل حقوقنا في الأرض والمياه»، مؤكدًا بأن القدس «وديعة ندافع عن حقنا الرمزي فيها باسم الأمة الإسلامية».

يوم توقيع المعاهدة كان الوضع مختلفًا. تقول صحيفة الرأي عن ذلك اليوم في مقالها الافتتاحي: «دائمًا تشرق الشمس ولكن شمس هذا اليوم أجمل، ذلك لأنها حملت للأردن والأردنيين فجرًا جديدًا مضمخًا بالطمأنينة وحافزًا على البذل والعطاء لإعلاء صرح الوطن النموذج وإضافة فصول جديدة لملحمة الإنجاز والبناء في شتى المجالات والميادين».

ثم تتابع «إنه فجر أردني جديد إذن، يحمل للإنسان الأردني كل بشائر الحلم في مستقبل مشرق، تبقى الهامات فيه مرفوعة كما كانت مثلما يكون هذا الإنسان النواة الطيبة للإنسان العربي الحر على كامل الخارطة العربية».

عنوان افتتاحية في الرأي، «فجر أردني جديد»، جاء للصدفة شبه مطابق لما أتت به الدستور، «فجر يوم جديد». تقارب العناوين عكس بالتأكيد تقارب المحتوى الذي جاء مبشرًا «بالسلام القادم». تقول الدستور في افتتاحيتها في ذلك اليوم: «نعم ستشرق نهاية اليوم شمس جديدة طال انتظارها منذ عشرات السنين وستفتح بوابات كانت موصدة أمام حلم السلام والأمن والاستقرار وتنداح من على الطريق كل تلك المصاعب والعقبات التي حالت دون تمكن شعبنا من إطلاق كامل طاقاته في البناء والتقدم ومن مواصلة مسيرته المكللة بكل ما يدعو إلى الفخر والاعتزاز».

ثم تؤكد على دور الملك في المعاهدة وتقول: «وفي ذلك كله، فإننا نسجل لجلالة الملك الحسين ونعيد إلى مقامه السامي الفضل في ما تحقق ونرد إليه هدية السلام الثمينة بما هو أحسن منها من وفاء واعتزاز وإخلاص لهذه القيادة التي نذرت نفسها لكل ما فيه صالح الأردن وصالح الأمة وصالح الأجيال المقبلة».

وجاء العنوان الرئيسي لصحيفة الرأي يومها «رئيسا الحكومتين المجالي ورابين يوقعان اليوم: معاهدة السلام  بين الأردن وإسرائيل»، بينما كان في الدستور «اليوم التوقيع الرسمي على المعاهدة الأردنية الإسرائيلية»، وفي خبر منفصل لكن على الصفحة الأولى كذلك «الحسين: السواد الأعظم من الناس مع السلام، من حق أبناء شعبنا أن يشعروا بالطمأنينة».

ومن جميع الأخبار والمقالات المنشورة على صحيفة الرأي والتي تتعلق بالاتفاقية، لم يكن هناك غير خبرين بمساحة صغيرة جدًا في الصفحة الرابعة حول مقاطعة نواب جبهة العمل الإسلامي لاحتفالية توقيع معاهدة السلام وخبر صغير عن «اعتصام أحزاب أردنية احتجاجًا على توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية».

فيما يخص المقالات، كان كتّاب الأمس واليوم في صحيفة الرأي سلطان الحطاب وفهد الفانك وطارق مصاروة متفائلين بالمعاهدة وبما قد تحمله للأردن خاصة بعد التعهدات الأميركية، فيما كان مقال محمود الريماوي مختلفًا بعض الشيء عن الخط العام لكتاب الصحيفة، إذ وصف ما يحدث بأنه «تسوية وليس سلام».

يقول الحطاب في مقالته في ذلك اليوم: «نطوي صفحات ونقول اللهم اجعله خيرًا ونتطلع للأمام لنبقى، فنحن لم نصنع هذا العالم على الشاكلة التي وجدناه الآن عليها ولسنا قادرين على تغييره إلى الشاكلة التي نطمح أن يكون فيها، فهناك فرق كبير بين الواقع والخيال، حريصون أن نبقى وأن نتطور، وأن نقبل التحدي المطروح، وأن لا نمارس سياسة الهروب وسلوك النعامة والاختباء وراء التاريخ الذي لا تصنعه الخطابة مكررين نفس المآسي».

ثم يتوجه إلى راعي المعاهدة الرئيس الأميركي بيل كلينتون قائلًا: «قد لا يجهل الرئيس الأميركي معاناتنا. ولكننا نريد أن نذكره سيادته ولو بآخر هجرة سكانية مفجعة وصلتنا عام 1990 والتي حملت إلينا أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة، أبعدوا ظلمًا من بلد شقيق هو الكويت، نتاج حرب الخليج التي لم يكونوا مسببها فكانوا ضحية دخول العراق إلى الكويت وفقدوا أعمالهم ووظائفهم .. وأصبحت حياة الغالبية العظمى منهم أشبه بالجحيم.. نتوجه إلى الرئيس الأميركي بإعادتهم وتعويضهم».

على الطرف الآخر، يقول الريماوي في مقالته في اليوم ذاته: «إننا نعيش هذه الأيام ونشهد مرحلة الشروع في التسوية وليس إقامة السلام الذي يصوغ علاقات طبيعية وخاصة على المستوى البشري والإنساني. وسننتظر ربما طويلًا قبل الانتقال إلى المرحلة النهائية. والأمر معقود على مراجعة إسرائيلية عميقة وجريئة وخلاقة، تقوم على الاعتراف الرسمي والواقعي بشعوب المنطقة وثقافتها وأديانها وتضع حدًا للنزعات العنصرية وأفكار التفوق والتوسع والهيمنة».

كانت مقالات الدستور الصادرة في ذلك اليوم أكثر عمقًا نوعًا ما، حيث كتب الدكتور تيسير عبد الجابر مقالًا طويلًا يبحث الأبعاد الاقتصادية المحتملة للمعاهدة، بينما كتب زميله الدكتور عبد الله النقرش عن الأبعاد السياسية محذرًا من المبالغة في التفاؤل، فيقول في المقالة التي حملت عنوان «حول المعاهدة الأردنية الإسرائيلية»: «إن النظر إلى المعاهدة الأردنية الإسرائيلية بمبالغة في التفاؤل ليس له داعٍ على الرغم من النتائج الإيجابية التي تتعلق أصلًا بإقرار حقوق يجب أن لا تكون خاضعة للتفاوض. إلا أننا لا نرغب بالتسرع بإصدار أحكام على ما لا يمكن أن تنظمه من علاقات مستقبلية تضع الأردن في زاوية حرجة بالنسبة لطبيعتها وطبيعة دورها العربي والإقليمي».

ونشرت صحيفة الدستور إعلانًا من التلفزيون الأردني بكافة قنواته عن تغطيته الخاصة لتوقيع المعاهدة من وادي عربة ببث حي ومباشر.

وفي أعداد اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية، حملت الصحيفة الصور والعناوين المفصليّة في تاريخ الأردن، فكتبت صحيفة الرأي يومها في العنوان الرئيسي على صفحتها الأولى: «بحضور الحسين وكلينتون ووايزمان .. الأردن وإسرائيل توقعان معاهدة السلام»، وفي العنوان الفرعي: «الحسين: هذا هو السلام المشرف الملتزم وهو هديتنا لشعبنا والأجيال القادمة»، ثم «رابين: الرغبة في السلام في قلوب شعبينا، كلينتون: السلام أكثر من مجرد اتفاقية على ورق»، ثم «كلينتون: صوت الحسين.. هو صوت الاعتدال في العالم العربي»

بينما كانت كانت العناوين في صحيفة الدستور «توقيع المعاهدة الأردنية الإسرائيلية» كعنوان رئيسي، وكعناوين فرعية: «الحسين: تجاوزنا المراحل الصعبة وحلّ سلام الكرامة والالتزام»، ثم «كلينتون: القوى المتطرفة في المنطقة غير قادرة على نسف عملية السلام»، ثم «رابين: آن الأوان للبدء بثورة البناء في الشرق الأوسط»، ثم «الرئيس الأميركي أمام مجلس الأمة: لن نخذلكم وسنلبي متطلبات الأردن العسكرية والأمنية والاقتصادية». ثم نشرت الرأي خبرًا نقلًا عن البنك الدولي يقول «مكاسب اقتصادية كثيرة بانتظار الأردن من معاهدة السلام».

بينما عنونت صحيفة الجوردان تايمز صفحتها الأولى بـ:«Jordan, Israel Seal Historic Accord».

كان اهتمام كتاب المقالات في صحيفة الدستور منصبًا على الشأن الفلسطيني وتداعيات المعاهدة على الفلسطينيين. إذ أكد الكاتب سليمان نصيرات على العلاقة التاريخية بين الشعبين الأردني والفلسطيني. بينما كتب حمادة فراعنة أنه لا يرى مانعًا يحول دون إجراء مفاوضات إسرائيلية فلسطينية تشمل حماس قائلًا في مقدمة مقالته: «في المعطيات الماثلة أمامنا، أننا فشلنا في رمي اليهود إلى البحر، وأنهم فشلوا في رمي الفلسطينيين في جوف الصحراء، فشلنا في تحرير كامل التراب الفلسطيني، وفشلوا في اغتصاب فلسطين وإقامة دولة إسرائيلية الكبرى التوراتية على كامل أرض فلسطين .. في الماضي كان يتعذر إقامة حوار أو مفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير.. وكان القبول أو الاعتراف بها أو التعامل معها من المحرمات.. وجلس رابين على طاولة واحدة مع ياسر عرفات الذي كان رأسه مطلوبًا حيًا أو ميتًا وتغيرت الظروف حتى بات رابين شريكًا لعرفات في جائزة نوبل».

ولم تتوقف مبادرات التأييد والمباركة للملك حسين وولي عهده الأمير حسن، ولعل أبرزها ما نشرته صحيفة الرأي والذي وجه للملك حسين وحمل عنوان «لو لم يكن السلام لله، لكان أنت».

نشرت صحيفة الدستور في ذات اليوم مشاهداتها لحفل توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة، وكان من بين تلك المشاهدات: «الكلمات التي ألقيت ركزت على الفجر الجديد المقبل والتوقعات بازدهار المنطقة وتحويلها من صحراء جرداء إلى أرض تزينها الورود والمشاريع الاستثمارية». كما كان من بينها: «احتار المراقبون في دموع الرئيس الأميركي بيل كلينتون أثناء مراسيم التوقيع، فهل كانت الدموع عن فرحته بحلول السلام بين الأردن وإسرائيل، أم حبة رمل خفيفة دخلت عينيه وجعلته يستعين بنظارة شمسية لمعالجة الوضع».

وأيضًا كان من بين «لقطات الدستور»: «كان العديد من الإسرائيليين مبتهجين .. وكان حديثهم دائمًا «شلوم» وصاح بعضهم عندما ألقى رابين خطابه: بالروح بالدم نفديك يا رابين». إلى جانب «بثت الإذاعة الإسرائيلية في الساعة السابعة والنصف من صباح أمس موسيقى أغنية هاشمي هاشمي».