سردية وطنية متحولة: كيف تتحدى الراية الأردنية الجديدة «داعش»

السبت 27 حزيران 2015
الراية الهاشمية

بقلم لوري أ. براند، ترجمة تقوى مساعدة

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في صحيفة الواشنطن بوست، في 23 حزيران).

في كل كل ربيع، يحيي الأردن مناسبتين وطنيتين تُستعرَض فيهما أيقونات الدولة بفخر. الأول هو عيد الاستقلال في 25 أيار، والذي يُحتفل فيه بالانتهاء الرسمي (وإن لم يكن الفعلي) للسيطرة الاستعمارية البريطانية، وتأسيس الدولة. والثاني هو عيد الجيش في 10 حزيران، الذي يؤدي وظيفتين معًا: فهو يحتفل بالمؤسسة التي لطالما عرّفت هوية المملكة وأمنها، كما يحيي ذكرى الثورة العربية الكبرى، وهي الحملة ضد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، والتي استندت إليها العائلة الهاشمية الحاكمة في بناء أسطورتها الوطنية المؤسِسة.

يأتي العلم الأردني في قلب احتفالات كهذه. فهو بوصفه تنويعًا على راية الثورة العربية الكبرى، يأتي كرمز معرّف للهوية الوطنية. بالتالي، فهو يؤكد على استمرارية ارتباط الهاشميين بغايات الاستقلال والوحدة العربية، التي تجسدت في شخص قائد الثورة العربية الكبرى، الشريف حسين، الجد الأكبر للملك عبد الله الثاني.

لكن هذه السنة، في التاسع من حزيران أي قبل يوم على عيد الجيش، قدم الملك راية جديدة ومجهولة لغالبية الأردنيين، لممثلين عن القوات المسلحة الأردنية. فخلال احتفال في قصر الحسينية في عمان، كشف الملك عن راية جديدة تحمل البسملة، وأول آيات القرآن، ونجمة إسلامية سباعية، بالأبيض على خلفية قرمزية. وُصف العلم الجديد بأنه رمز عمره 500 عام للعائلة الهاشمية وللعلم الأصلي للثورة العربية الكبرى. الأردنيون عبّروا عن تفاجئهم بهذا الظهور، فيما تخبط المحللون السياسيون لفك شيفرة تقديم رمز كهذا في هذا الظرف بالتحديد.

الهدف الأساسي من هذه السرديات ليست الدقة التاريخية، بل خلق «ماضٍ قابل للاستخدام».

إن تقديم هذه الراية في فترة أزمة هو حركة جريئة لإعادة تشكيل أبعاد «السردية الوطنية» للأردن. بتعريف ياكوف يادغار، فإن السردية الوطنية هي «القصة التي ترويها جماعة (وطنية) عن نفسها. وهي تخبر الأفراد الذين يشكلون الأمة (وكل من هو مهتم) من هم، وما الذي يشكّل ما ماضيهم (الوطني المشترك)، وطبيعة خصائصهم كجماعة، وإلى أين يتجهون». نتيجة لذلك، فإن الكثير مما في هذه السرديات متين عبر الزمن. لكن هذا لا يعني أبدًا أنها لا تتغير. فالهدف الأساسي من هذه السرديات ليست الدقة التاريخية، بل خلق «ماضٍ قابل للاستخدام»: ماضٍ تستطيع القيادة ضبطه، كما تستطيع تعديله عند الضرورة لمواجهة تحديات الحاضر.

ورغم أن القيادات تجد تحت تصرفها طيفًا من الأدوات لتكريس سلطتها، فإن التاريخ يخبرنا أن الأنظمة على اختلاف أنواعها تسخّر الروايات الرسمية للمساعدة في شرعنة وصيانة سلطتها. لذا، فإن التمعن في التغيرات الحاصلة على الرموز أو العناصر الأخرى للسردية الوطنية قد يوفر قراءات مهمة لتصور القيادة عن نقاط ضعفها وقوتها في وجه الأزمات، ودلائل على التحولات قصيرة المدى في سياسات الدولة، سواء المحلية أو الخارجية.

اتفق الأردنيون الذين تناقشوا في أمر الراية الجديدة على أن القاسم المشترك بين تحليلاتهم هو صعود الدولة الإسلامية (داعش) والخطر الذي تشكله على الأمن الأردني والإقليمي. تتحدى «داعش» شرعية النظام في منطقتين هما من أعمدة السردية الرسمية: خدمات الهاشميين في الدفاع عن الأمة العربية (التي بدؤوها بالثورة العربية الكبرى)، ودورهم القيادي في الدفاع عن الإسلام. إن كلًا من انتصارات «داعش» الجغرافية باستحواذ أراضٍ عربية قريبة من الأردن، وتبنيها للراية الجهادية السوداء -التي تحمل ختم النبي كرمز لمزاعم «داعش» بقيادة قوات تهدف لتأسيس الخلافة الجديدة- يهددان أسسًا تعود لزمن طويل للشرعية والسيطرة الهاشميتين. لذا، فإن الراية الهاشمية التي بُسطت حديثًا ينبغي أن تُرى كمحاولة لإعادة كتابة السردية، يسعى النظام من خلالها للتشديد على مصادر قوته، مع رفض ادعاءات «داعش» وأهدافها ورموزها في الوقت ذاته.

سلّط احتفال التاسع من حزيران الضوء على الرابط بين هذين المصدرين لشرعية النظام اللذين تقارعهما «داعش» حاليًا، إذ أن الراية القرمزية والبيضاء عُرضت على مركبة استخدمت خلال الثورة العربية الكبرى. بعدها، قُدّمت الراية لقيادة القوات المسلحة الأردنية، في ما شكّل، بحسب بيان الديوان الملكي، «رسالة للأمة (..) جوهرها السلام والمحبة والتسامح والعدل (..)  والعيش المشترك في وجه من يدعون باطلًا وبهتانًا من خوارج العصر الدفاع عن الإسلام». استخدام الملك لمصطلح الخوارج في اجتماع في اليوم اللاحق يهدف إلى المقابلة بين عناصر «داعش» والخوارج الأصليين، وهم المسلمون الذين انشقوا عن الاتجاه السائد في الجماعة في القرن السابع وبنوا عقيدة متطرفة.

لم تعد القضية عربية فحسب، بل .. دعم العرب السنّة الذين ينتمون إلى إسلام لا يشكّل أي تهديد للوضع الجغرافي الراهن، بالتزامه بالخطاب الهاشمي.

من هنا، فإن العنصر الأول في هذه السردية المتغيرة هو التأكيد على رفض الهاشميين -والأردنيين معهم- المطلق للتطرف الإسلامي الذي تمارسه «داعش». يرافق هذا الإصرار على أصالة الإسلام المعتدل، التأكيد على حق الهاشميين في لعب دور رائد في المجتمع المسلم الأكبر، امتدادًا لمزاعمهم بكونهم من سلالة النبي محمد وعملهم خلال الحكم العثماني كأوصياء على مكة والمدينة. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت العروبة أساسية لتمكين حكم الهاشميين، لكن مع صعود جاذبية الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأت الإيمانيات الإسلامية للعائلة بالبروز داخل السردية. كان تأسيس مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي عام 1980 والمعهد الملكي للدراسات الدينية عام 1994 محوريًا في هذا التغير.

هذه الجهود تكاملت محليًا بتطوير سردية حملتها كتب المدارس، فتلك التي أنتِجت خلال التسعينيات لم تعمل على أن يدرس الطلاب الأردنيون سلاسة الهاشميين فحسب، بل دورهم في نشر الإسلام حول العالم كذلك. إن تغطية الثورة العربية الكبرى لم تعد تقدم بمفاهيم العروبة فحسب، بل بمزاوجة بين الإسلام والأهداف العربية.

العنصر الثاني في الهجوم السردي الذي يستهدف «داعش» يتضمن إعادة كتابة لمهمة القوات المسلحة الأردنية. لعقود، كان دور هذه القوات هو حماية الوطن والدفاع عن الحقوق العربية المسلوبة في فلسطين. إلا أن العمليات الميدانية الأساسية لهذه القوات في السنوات الأخيرة كانت مهام حفظ السلام. تغير ذلك في خريف 2014، حين بدأ الطيارون الأردنيون بتنفيذ مهام جوية ضد «داعش». مع انتهاء ربيع 2015، ومع استمرار تقدم «داعش» في جنوب سوريا، كان الملك عبد الله قد بدأ بالحديث علانية عن الحاجة لدعم العشائر السنّية في العراق وسوريا. حاليًا، يبدو التزام الأردن مقتصرًا على توفير السلاح لهذه القبائل لتمارس دور خط دفاع متقدم للمملكة. إلا أن تقديم الراية الجديدة برمزيته متعددة المستويات قد يؤذن بنقلة في العقيدة العسكرية. كوريث لجيش الثورة العربية، فإن مهمة الأردن الأساسية في دعم القومية العربية ستستمر، وإن لم يكن عبر التوسع الجغرافي الذي كان الملوك الهاشميون الأوائل يفكرون فيه. اليوم، لم تعد قضيتهم عربية فحسب، بل عربية سنّية، بل أصبحت على وجه التحديد دعم العرب السنّة الذين ينتمون إلى إسلام لا يشكّل أي تهديد للوضع الجغرافي الراهن، بالتزامه بالخطاب الهاشمي.

تهديد «داعش» ليس سوى أجدد الأحداث التي أعيدت فيها كتابة السردية الوطنية الأردنية أو أعيد تفسيرها. قرار الملك عبد الله الأول المثير للجدل بضم ما تبقى من فلسطين عامي 1949 و1950 تطلب عملية شرعنة واسعة النطاق، تطلبها كذلك نزاع الملك حسين مع الفدائيين بعد عام 1967 وقراره بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية في تموز 1988، الذي انتقد على نحو واسع. وأشد دراماتيكيةً من ذلك كان توظيف الملك حسين عام 1990 لسلالة الهاشميين لتعزيز موقعه محليًا خلال الأزمة الأقليمية التي تبعت غزو صدام حسين للكويت.

بالطبع، لا يمكن عزو صمود النظام وبقائه في كل تلك الحالات إلى التحكم الذكي بخطاب الدولة ورموزها وحده. فعليًا، من غير المحتمل أن تقودنا دراسة التغيرات في السردية خلال فترات الأزمة إلى التنبؤ بنجاح أو فشل مواجهة التحديات. إلا أن دراسة كهذه يمكنها في المقابل أن تقدم فهمًا لتصورات الدولة عن الفرص ونقاط الضعف في زمن الأزمة. إن القادة السياسيين يفهمون بوضوح أهمية البناء الدقيق للسرديات وتوظيفها. وكسابقيه من الملوك الهاشميين، يدرك الملك عبد الله بوضوح قوة تشكيل الفهم الشعبي للهوية والمهمة الوطنيتين في تعزيز شرعية نظامه.

لوري أ. براند هي بروفيسورة في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، وهي صاحبة كتاب «Official Stories: Politics and National Narratives in Egypt and Algeria»، (مطبعة جامعة ستانفورد، 2014).