كيف يجب ألّا ندرس حقوق الإنسان

لوحة للفنان الإكوادوري أوسفالدو غواياسامين

رأي

كيف يجب ألّا ندرس حقوق الإنسان

الإثنين 28 أيار 2018

في العقدين الأخيرين، تلقت خطابات حقوق الإنسان نقدًا آتيًا من مواقع مختلفة. فقد كان لحروب الولايات المتحدة وحلفائها على «الإرهاب» التي جيّرت حقوق الإنسان -وخاصة حقوق النساء- لتزييت آلتها الإعلامية، أثرٌ مباشر في وضع هذا الخطاب في موقع المساءلة بصورة أوضح، وإن لم يكن بعيدًا عنه بالكامل فيما سبق. تنوعت الردود النقدية في هذا الصدد، فأشار بعضها إلى انتقائية التوظيف الأمريكي للخطاب الحقوقي وتناقضه، بالقول إن حقوق الإنسان يجب أن تكون شاملة أو كونية، وإلا فهي مجرد أداة سياسية لخدمة الأقوى، وحمل هذا النقد طابع «استعادة» حقوق الإنسان ممن سَطوا عليها. البعض بحث عن تأصيلات بديلة لحقوق الإنسان، أتت على شاكلة إجابات لسؤال «كيف نفهم نحن حقوق الإنسان؟»، بحيث تعبر الـ«نحن» عن مواقع ثقافية مختلفة. والبعض الآخر نبذ خطاب حقوق الإنسان برمته بوصفه أداة معطوبة في صميمها، إما انطلاقًا من «واقعية سياسية» لا ترى في أي خطاب موضوعًا للدراسة لأن العالم «لا يفهم سوى لغة القوة»، أو انطلاقًا من قناعة بأن هذا الخطاب لا يمكنه الانعتاق من السياق السياسي والأيديولوجي المحدد الذي أنتجه.

استدعت هذه المعطيات المزيد من المراجعات للأسس التي تُفهم بناء عليها حقوق الإنسان والمعرفة التي تنتج عنها، فضلًا عن النظام المؤسسي الذي تُعلى فيه هذه الحقوق ويُطالَب بها من خلاله. في هذا السياق، تكرّست ثنائية نظرية بناء على مفهوم حقوق الإنسان الذي يعتمده كل من قطبيها: فإمّا أن هذه الحقوق كونية شاملة، أو أنها نسبية، وبشكل خاص، نسبيةً ثقافيًا. هذه الثنائية ذاتها وقعت في موقع النقد أيضًا، لكونها خلقت سلسلة من النقائض التي لم تصمد دومًا في سياقات واقعية أشد تعقيدًا. وكان «البديل» المطروح للخروج من هذه الثنائية هو أن حقوق الإنسان يجب أن تُعرّف وتُدرس اجتماعيًا، أي بوصفها تشكيلات اجتماعية بحد ذاتها، تُمارس وتنتهك وتسترد في سياقات اجتماعية محددة كذلك. سيناقش هذا المقال سياق تكون هذه المقاربات وإشكالياتها أو أفضلياتها النسبية.

حقوق كونية شاملة

ينبني الاعتقاد بكونية أي تصور، بما في ذلك حقوق الإنسان، على اعتباره متجاوزًا للتاريخ، ومتأصلًا في الجهة التي يُصورها. فالحديث عن حقوق إنسان كونية يتطلب تحديد مصدر هذه الحقوق الذي ينبغي أن يتجاوز الزمان والمكان، أي أنه يتطلب القدرة على تعريف جوهر طبيعة الإنسان واشتقاق القواعد منها.[1]

تُفتتح ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالاعتراف بـ«الكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة» بوصفها «أساس الحرية والعدل والسلام في العالم». يفترض هذا الحديث عن «أسرة بشرية» موقعًا محايدًا تجاه أعضائها أو متجاوزًا لأي خصائص سياسية أو ثقافية، وهذا الحياد كثيرًا ما اعتُبر مكمن تفوق أخلاقي تتمتع به حقوق الإنسان كأساس ناظم لهذه الأسرة، كونها «لا تعتمد على أي عقيدة دينية أو سياسية محددة متعلقة بالطبيعة البشرية»، كما يقول الفيلسوف الأمريكي جون راولز.[2] لكن استدامة هذه الرواية منوطة بتجاهل تاريخانيتها. فقد تزايدت في السنوات الأخيرة الدراسات التي تبحث في تاريخ خطاب حقوق الإنسان، سواء من الناحية النظرية المتعلقة بتعريف ماهية الإنسان صاحب هذه الحقوق وطبيعته المؤسسة لحقوقه، أو من ناحية تاريخ هذا الخطاب والظرف المباشر الذي عزز هذا الخطاب، بعيدًا عن التصورات التقدمية الخطية لمسيرته.

تعد فكرة امتلاك الإنسان لحقوق أصيلة امتدادًا لنظريات «القانون الطبيعي» -التي تعود للعصور الوسطى وتكرست في أوروبا في حقبة التنوير- والتي افترضت أن بعض الحقوق أو القوانين متأصلة في الطبيعة البشرية، ويمكن للإنسان أن يعقلها دون الرجوع إلى أي تشريعات بعينها.[3] اعتُبر «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الصادر عام 1798 بُعيد الثورة الفرنسية أحد أول تجسيدات هذا الافتراض وأبرزها، مع أنه لم يشمل النساء ولم يلغِ العبودية. ورغم أن نظريات القانون الطبيعي تراجعت في أوروبا في القرن التاسع عشر بتأثير المدارس الوضعية والإمبريقية والمادية، التي نقدت الأساس الميتافيزيقي للطبيعة التي تشتق منها القوانين، إلا أن تاريخ تشريعات حقوق الإنسان الشاملة منذ ذلك الحين وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وما لحقه، ظل يُقرأ بوصفه سيرورة تقدم تراكمي غير منقطع. كانت دائرة أصحاب الحقوق تتسع مع كل خطوة فيها إلى أن صارت، نظريًا، تشمل البشر جميعًا، وغُض الطرف عن هذه المفارقات بوصفها رواسب طبيعية على طريق المساواة، تعكس تدرجًا في تطبيق القاعدة، لا تغيرًا في القاعدة ذاتها.[4]

تحولت الحقوقية إلى مهنة يمارسها نشطاء محترفون، إمعانًا في فصل هذه المهنة عن الواقع الاجتماعي الاقتصادي، سواء كان واقع الطرف الحقوقي أم واقع الطرف المنتهكة حقوقه

بحسب المؤرخ صمويل موين، لم تكن عبارة «حقوق الإنسان» باللغة الإنجليزية قد استخدمت البتة تقريبًا قبل أربعينيات القرن الماضي. لكن الانفجار الفعلي في استخدامها، لغةً وخطابًا، لم يأتِ قبل السبعينيات. يعزو موين هذا الانفجار لعدة عوامل: أولًا، البحث عن «هوية أوروبية» خارج الحرب الباردة، وما مثله توقيع اتفاقية هلسنكي عام 1975 -التي سعت «لتحسين» العلاقة بين دول الكتلتين الشرقية والغربية- من تجسيد لذلك، إذ ضم أحد بنودها تعهدًا من الدول الموقعة باحترام حقوق الإنسان. ثانيًا، تفاعلُ السياسيين والصحفيين والمفكرين الغربيين مع المعارضين السوفييت والشرق-أوروبيين. وثالثًا، النقلة الأمريكية الليبرالية في السياسة الخارجية بعد حرب فيتنام، التي يؤِّرخ لها بإعلان جيمي كارتر لتبنيه لـ«سياسة حقوق إنسان» في خطاب تسلمه الرئاسة عام 1977.[5]

للمعرفة المنتجة عن حالة حقوق الإنسان الكونية منطقٌ خاص كذلك. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينبني على افتراض أن بسط مؤسسات الدولة لسيادة القانون يقود بشكل تلقائي إلى ترسيخ «الحرية والعدل والسلام»،[6] التي تتجسد في المقابل بقوانين «أفضل». هذا «المنطق الدائري» امتد ليحكم عمل كبرى المنظمات الحقوقية الدولية التي تدرس «حالة» حقوق الإنسان. فتقارير هذه المنظمات كثيرًا ما تركز على القيود القانونية كأساس للمشكلة وعلى تعديل القوانين كحل لها، بمعزل عن أي واقع اجتماعي اقتصادي. وحين تحاول الالتفات إلى «جذور المشكلة»، كثيرًا ما تحيل إلى أحداث أو ظواهر بعينها كأسباب شبه معزولة، تطفو على سطح المجتمع ولا تنتمي إلى أي بنية أو سياق.[7] ولهذه النزعة غايات عملية، فهذا النوع من المعرفة يسعى لأداء وظيفة توثيقية-تحريضية، تفترض أن توفير المعلومات عن انتهاك ما سيدفع «أحدًا ما» للتدخل تلقائيًا. لذا، فإن تكريس ادعاء الحياد والعلمية بتجنب الغوص في سياقات مركبة ركن أساسي من أركان هذه المعرفة[8].

وفي إطار هذا «الحياد العلمي»، تضخم «قطاع» حقوق الإنسان كجهاز هائل من المؤسسات المتخصصة العابرة للدول، وتحولت الحقوقية إلى مهنة يمارسها نشطاء محترفون، إمعانًا في فصل هذه المهنة عن الواقع الاجتماعي الاقتصادي، سواء كان واقع الطرف الحقوقي أم واقع الطرف المنتهكة حقوقه[a]، بما يحمله ذلك من إشكاليات متعلقة بالتمثيل وفوارق السلطة والموارد. فبحسب الباحث القانوني ديفيد كينيدي، أدت «مَهْننة» حقوق الإنسان إلى «تقوية المحامين على حساب رجال الدين والسياسيين والخطباء والمواطنين الذين كان بوسعهم، لولا ذلك، أن يلعبوا دورًا أشد مركزية» في النضالات الساعية لانتزاع حقوق معينة. وبذلك، أُسندت هذه النضالات لمتعهدين خارجيين، لتصبح قرارات إدارتها في جهة وتكلفة هذه القرارات في جهة أخرى، مما يكرس «فجوة عالمية في الثروة والقدرة على الحركة والوصول إلى المعلومات والجمهور».[9]

بالتالي، فإن لحقوق الإنسان تاريخًا محددًا يفسر تشكلها كما هي عليه اليوم، ولأسسها النظرية موقعًا فكريًا محددًا نشأت منه وتأثرت به، وللمعرفة المنتجة عنها منطقًا محددًا، وللقطاع العامل فيها شكلًا محددًا من التنظيم. هذه المغالطة المتمثلة في تقديم الخاص على أنه عام والتاريخي على أنه طبيعي هي أحد الوجوه الأصلية للمركزية الأوروبية، كما يقول عالم الاجتماع إيمانويل والترستاين، إذ يصبح معها التاريخ هو ما يرويه الأوروبيون، والحضارة هي ما يعيشونه، والتقدم هو ما يصلون إليه.[10]

النسبية الثقافية وتقييد الثقافة

لم يعد خافيًا أن لاصطناع الكونية عواقب سياسية وخيمة. فحين تستبطن حقوق الإنسان الكونية واجبًا أخلاقيًا في «إصلاح» المجتمعات السياسية التي لا تتماشى معها، فهي تفتح الباب للدول المهيمنة لممارسة قوّتها القهرية، أي أنها تصبح أداة إمبريالية محتملة. كان هذا التوجس مدخلًا لمقاربة حقوق الإنسان من منطلق النسبية الثقافية، التي تحضّنا على فهم معتقدات المرء أو ممارساته في سياق ثقافته وحده، لا بالقياس إلى معايير عليا. وبوصفها ردة فعل على التصورات الاستعمارية والإمبريالية عن الثقافات «الأخرى» (أي غير الغربية)، فقد اعتبرت النسبية الثقافية، خاصة في سياق الأنثروبولوجيا، مدخلًا لاحترام استقلالية المجتمعات السياسية والثقافية، وبالتالي احترام تعدديتها.[11]

تركز المقاربة النسبية لحقوق الإنسان على احترام الاختلاف الثقافي، بدلًا من خلق تجانس قانوني مجرد يوحّد الجميع تحت مظلة تقاليد غربية في صميمها. لكن هذه المقاربة كثيرًا ما اعتُبرت ذريعةً للتغاضي عن الانتهاكات التي ترتكب في سياقات محلية. لذا، حاول بعض الأنثروبولوجيين التفريق بين النسبية والتسامح، محاججين بأن النسبية منهج، لا نظرية، وأنها بالتالي تمثل التزامًا بتعليق الأحكام الأخلاقية على ثقافة أخرى إلى حين توفر إمكانية فهم معتقداتها وقيمها في كامل سياقاتها الثقافية والمادية والتاريخية، لكنها لا تلغي بالكامل القدرة على المفاضلة.[12] من جهة أخرى، فإن التركيز على الاختلاف الثقافي قد يقود إلى تصورات أصلانية عن الثقافة بوصفها كلًا متصلًا وثابتًا. ففي دفاعاتهم عن ضرورة احترام الاختلاف، كثيرًا ما صوّر النسبيون الثقافة على أنها نظام متجانس ورضائي تترتب فيه المعتقدات والقيم ويعاد إنتاجها.[13] هذا التصور يهدد بجعل الثقافة أساسًا لتحليل كل ممارسات وأفكار المنتمين إليها، كما يحرمهم من أهليتهم وقدرتهم على الفعل، جاعلًا منهم أسرى لما نُقل إليهم من إرث عبر أجيال سابقة.

بعيدًا عن هذا التصور، فقد ترسخ في السنوات الأخيرة فهم آخر للثقافة بوصفها مجزأة وغير مقيدة ومتغيرة وغير متجانسة. فالثقافة هي ممارستنا وتصورنا لها، وهي متعددة بتعدد هذه الممارسات والتصورات، وإن لم تكن هذه التنويعات متساوية في القوة. لذا فإن استمرار الثقافة وتطورها منوط بقرارات يومية نتخذها بشأنها، مما يعني أن جسم الثقافة ليس مصبوبًا في قالب ثابت يملي علينا بالضرورة وبنفس الدرجة تصرّفات معينة. بهذا المعنى، بحسب الأنثروبولوجية الأمريكية سالي إنجل ميري، تصبح الثقافة لا عائقًا ولا ميسرًا لحقوق الإنسان، بل سياقًا تتشكل معاني هذه الحقوق والعلاقات التي تكتنفها. بالتالي، لا يمكن القول إن ثقافة ما تشجع على تبني حقوق الإنسان وإن غيرها يتعارض مع هذه الحقوق، لأنه ما من مركز للثقافة يمكن القياس عليه. وهنا، يتبدى أن موضعة الكونية والنسبية كنقيضين في ثنائية مقيِّدة ليست مفيدة بالضرورة لدراسة حقوق الإنسان.[14]

التشكيل الاجتماعي لحقوق الإنسان

سعيًا للخروج من هذه الثنائية، اقترح بعض علماء الاجتماع منذ منتصف التسعينيات مقاربة حقوق الإنسان بوصفها «تشكيلات اجتماعية». منذ ستينيات القرن الماضي، بات مفهوم التشكيل (أو البناء) الاجتماعي محوريًا في عدة حقول من العلوم الاجتماعية، رغم أن جذوره ظهرت قبل ذلك بكثير في نقاشات فلسفية ممتدة، وتم توظيفه في دراسة مواضيع امتدت من الجندر والعرق إلى العلوم الطبيعية والواقع نفسه. يحيل هذا المفهوم إلى فكرة مفادها أن ما يشكّل بعض الظواهر أو الأفكار هو عوامل اجتماعية لا طبيعية أو أصيلة. ففهمنا للواقع المادي ليس مجرد انعكاس تلقائي له، بل هو نتيجة للسياق الاجتماعي الذي نعيش فيه هذا الواقع.[15] لذا فإن المعرفة التي ننتجها عن هذا العالم وعن أنفسنا، بحسب عالمي الاجتماع توماس لوكمان وبيتر برغر، هي كذلك تُطوَّر وتُنقل وتُصان في ظروف اجتماعية،[16] ولا يمكن الحديث عن طبيعة بشرية تتجاوز هذه الظروف، لأن ذلك يفترض أننا نستطيع أن نخرج من محيطنا الاجتماعي لمساحة محايدة نتعرّف فيها على هذه الطبيعة، وهو ما يتعذر فعله[17]. لذا، فحين نقول إن حقوق الإنسان تُشكّل اجتماعيًا فذلك يعني أن فهم هذه الحقوق وممارستها يتم في سياقات اجتماعية تاريخية محددة، وأن هذه الحقوق تستنبط من واقعها الاجتماعي، لا من طبيعة بشرية أصيلة أو منطق مجرد يتجاوز المكان والزمان.[18]

تساعدنا مقاربة التشكلات الاجتماعية على فهم الأدوار الجندرية بوصفها اختراعًا بشريًا ينتج ويعاد إنتاجه في ظروف اجتماعية واقتصادية تمت مأسستها، لا نتاجًا لطبيعة متأصلة في النساء أو الرجال

فتحت هذه المقاربة الباب لدراسة حقوق الإنسان سوسيولوجيًا وإخراجها من حقول القانون والسياسات والعلاقات الدولية إلى علم الاجتماع. كما اعتبر هذا المنطلق تحرريًا كونه يهزّ الأسس التي تُبنى عليها العديد من المزاعم حول ما تحتّمه طبيعة الإنسان من سلوك اجتماعي. فهو يساعدنا، مثلًا، على فهم الأدوار الجندرية بوصفها اختراعًا بشريًا ينتج ويعاد إنتاجه في ظروف اجتماعية واقتصادية تمت مأسستها، لا نتاجًا لطبيعة متأصلة في النساء أو الرجال[c]. وإذا كانت الثقافة، مثلًا، مفتوحة وبلا مركز ثابت مستقر، فلكل المنضوين في إطارها القدرة على تغييرها وإعادة تعريفها بممارستهم لها. لذا، فإن هذه المقاربة، في سياق حقوق الإنسان، تعترف بأهلية الفاعلين الاجتماعيين وقدرتهم على الخلق والمساهمة في إعادة تشكيل تصوراتهم عن هذه الحقوق وممارساتهم لها وإعطائها أبعادًا جديدة تتحدى السلطات بجعلها «مرئية».[19]

لكن هذا لا يعني أن التشكيلات الاجتماعية، بما فيها الحقوق، هي «مجرد» أفكار يمكن تبنيها أو تبديدها عقلانيًا؛ فهذه التشكيلات تُكرس ويعاد إنتاجها إلى الحد الذي تصبح معه جزءًا من الواقع الاجتماعي المادي، حتى وإن كانت من صنع البشر.[20] بالتالي، لا يمكن التخلص منها سوى بعمليات مأسسة معاكسة. ما يعينه ذلك بالنسبة لحقوق الإنسان هو أن القدرة على المساهمة في إعادة تشكيلها من أجل «تحسينها» ليست قدرة مطلقة، ولا مسألة خطابية فحسب. فهي سيرورة اجتماعية مادية، تستبطن علاقات قوى مختلة كما في أي سيرورة شبيهة، وهذه التفاوتات ستظل تساهم في ترجيح كفة بعض الفاعلين الاجتماعيين وفهمهم وممارستهم لحقوق الإنسان على حساب آخرين، دون أن يكون ذلك العامل الوحيد في تحديد نتيجة هذه العملية، ودون أن يكون المهيمِن والمهيمَن عليه ثابتين على الدوام.

من جهة أخرى، فرغم الأفضلية النسبية التي تحملها هذه المقاربة، إلا أنها لا تبرر ترسيخ حقوق الإنسان كلغة وحيدة للتعبير عن جميع النضالات من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.[21] فالمدافعون عن خطاب حقوق الإنسان بوصفه خطاب العصر يتمسكون بجعله مرنًا بما يضمن تكيفه مع سياقات محلية مختلفة، ويعترضون بالقول، مثلًا، إن حقوق الإنسان ليست بالضرورة فردية فحسب، فبوسعها معالجة قضايا اجتماعية واقتصادية أيضًا[22]، أو أن لغتها ليست بالضرورة غريبة على الجماعات المحلية، إذ يمكن تقريبها إلى أذهان الناس. وهذا صحيح بالتأكيد، لكن هذا وحده لا يجيب عمّا يجعل هذا الخطاب الأنسب للتعبير عن مظالم أو نضالات بعينها، ولا يجيب عمّا يمنع (أو على الأقل يحاول منع) مصادرة السلطة له، كما لا يجيب عمّا ينقص أشكالًا محلية مختلفة ومستمرة من مقاومة القمع والظلم بلغات لا تلتمس بالضرورة حقوق الإنسان.

تنصيب حقوق الإنسان كلغة وحيدة للتعبير عن مساعي العدالة والمساواة يخفي أشكالًا من المعاناة لم تصمم المواثيق الدولية لأجلها

هنالك طيف ممتد من أشكال المعاناة التي يتعذر ترجمتها إلى انتهاكات لحقوق الإنسان. فكما يحاجج الأنثروبولوجي طلال أسد، حين يعاني المرء، مثلًا، من عواقب برامج «الإصلاح الهيكلي»[23] التي لا تتعارض مع القانون الدولي، فإن معاناته لا تظهر على رادار الانتهاكات، حتى وإن كانت هذه المعاناة هي ما يضع المرء في موقع هش يجعله عرضة لانتهاكات قد تكون مشمولة في القانون[24]. حتى تصبح المعاناة مرئية، فعلى صاحبها أن يمتلك لغة تفسرها وتعبر عنها. لذا فإن تنصيب حقوق الإنسان كلغة وحيدة للتعبير عن مساعي العدالة والمساواة يخفي أشكالًا من المعاناة لم تصمم المواثيق الدولية لأجلها.

ختامًا، لقد قدمت مقاربة حقوق الإنسان بوصفها تشكيلات اجتماعية فرصًا هامة للتخلص من الأطر المرجعية الكونية بما قد تجره من مركزية أوروبية، ولتجنب الوقوع في فخ الأصلانية الثقافية التي تجرد الناس من أهليتهم وتحيل كل الظواهر الاجتماعية إلى أصل ثقافي واحد. لكن هذا لا يعني أن إعادة تعريف حقوق الإنسان وممارستها والمطالبة بها بأشكال مختلفة قادرة على تجنب كل مآزق هذا الخطاب. ما يتبقى هو الحاجة الشديدة للالتفات للسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ودراسة الظواهر والعلاقات والمتغيرات عن قرب وبشكل خاص، وربما متواضع، دون الإحالة إلى قواعد كونية أو ثوابت ثقافية. إن كانت مقاربة خطاب حقوق الإنسان كتشكيل اجتماعي قد جعلته بشريًا، بمعنى كونه قابلًا للتغيير وغير متجاوز للتاريخ، فقد يكون حريًا بنا فهمه أيضًا بوصفه بشريًا بمعنى أنه ليس كلي القدرة أو الإحاطة، ولا هو مفيد بالضرورة وعلى الدوام.

  • المراجع والهوامش

    [1] Asad, T. (2003). Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford: Stanford University Press. p.130.

    [2] Gregg, B. (2010). Anti-Imperialism: Generating Universal Human Rights out of Local Norms. Ratio Juris, 23: 289–310. p. 307.

    [3] P. Lagasse & Columbia University. (2017) .Natural law. In The Columbia encyclopedia. (7th ed.). [Online]. New York: Columbia University Press. Available at: https://goo.gl/PxXtG1

    [4] Asad: 130.

    [5] Samuel. M. (2010). The Last Utopia: Human Rights in History. Cambridge M.A.: The Belknap Press of Harvard University Press. p. 8.

    [6] Asad: 138.

    [7] Susan Marks, (2011). «Human Rights and Root Causes.» The Modern Law Review, 74(1) , pp. 57-78.

    [8] Moon, C. (2012). «What One Sees and How One Files Seeing: Human Rights Reporting, Representation and Action.» Sociology, 46(5) pp. 876–890.

    [9] Kennedy, D. (2004). The Dark Sides of Virtue: Reassessing International Humanitarianism. Princeton: Princeton University Press. p. 27.

    [10] Wallerstein, I. (1997). ‘Eurocentrism and Its Avatars: The Dilemmas of Social science.’ New Left Review, 226, pp. 93-107.

    [11] Gregg: 306.

    [12] Engle, K. (2001). From Skepticism to Embrace: Human Rights and the American Anthropological Association from 1947-1999. Human Rights Quarterly, 23,(3), pp. 536-559. 

    [13] Engle, 535.

    [14] Merry, S. E. (2006). Human Rights and Gender Violence: Translating International Law Into Local Justice. Chicago: University of Chicago Press.

    [15] Mallon, R. (2014). Naturalistic Approaches to Social Construction. In Zalta, E. (ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy. [Online]. Stanford: Stanford University. Available at: https://goo.gl/aZQb8r 

    [16] Berger, P. and T. Luckmann (1966), The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. Garden City, New York: Anchor Books. p. 3

    [17] Berger and Luckmann: 72-78

    [18] Stammers, N. (2009). Human Rights and Social Movements. London, New York: Pluto Press.

    [19] Stammers: 981.

    [20] Nash, K. (2015). The Political Sociology of Human Rights. Cambridge: Cambridge University Press.

    [21] Donnelly, J. (2007). The Relative Universality of Human Rights. Human Rights Quarterly, 29(2). pp. 281-306.

    [22] Turner, B. (1993). Outline of a Theory of Human Rights. Sociology, 27(3), pp. 489-512.

    [23] أي البرامج التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ ثمانينات القرن الماضي على الدول المتعثرة اقتصاديًا مقابل قروض تمنحها. هذه البرامج اشترطت أن تلتزم الدول المدينة بـ«إصلاحات» ترتكز بشكل أساسي على الخصخصة وتخفيف القيود الحكومية.

    [24] Asad: 128-129.