كيف تنتهك شركات الاتصالات والإنترنت حقوق المستخدمين؟

الأربعاء 09 كانون الأول 2015

ترجمة لينا شنّك

(نشر هذا المقال بالإنجليزية على حبر بتاريخ 9 كانون أول 2015)

في بداية شهر تشرين الثاني، أطلق مشروع تصنيف الحقوق الرقمية مؤشر المحاسبة للشركات التابع له، حيث يصنّف 16 شركةً من أكثر شركات الاتصالات والإنترنت نفوذًا بناءً على التزاماتهم وسياساتهم التي تؤثر على حرية المستخدمين في التعبير وحقوقهم في الخصوصية. ويشمل هذا التصنيف شركات أورانج، وإم تي ان (MTN)، وفودافون واتصالات، والتي تعمل جميعها في المنطقة العربية، إلى جانب أشهر شركات الإنترنت مثل غوغل وتويتر وفيسبوك.

في كثير من الأحيان، يوجّه اللوم في المنطقة العربية حصرًا للحكومات القمعية التي تعمل على فلترة الإنترنت، وتتجسّس على مواطنيها وتلاحقهم لمجرد تعبيرهم عن ذواتهم على الإنترنت على نطاقٍ واسعٍ. بيد أن الناشطين ومجموعات حقوق الإنسان قد سلّطوا الضوء في السنوات القليلة الماضية على تواطؤ الشركات الأجنبية والمحلية على حد سواء في انتهاك حقوق المستخدمين القاطنين في المنطقة.

تبيع بعض هذه الشركات، والتي تقع مقراتها في غرب أوروبا أو شمال أميركا، تقنيات فلترة الإنترنت والمراقبة للحكومات التي تستخدمها بدورها لقمع حرية التعبير والمعارضة السياسية. على سبيل المثال، اشترت العديد من الحكومات العربية، مثل حكومات البحرين، والسعودية، ومصر، والسودان، والمغرب والإمارات العربية المتحدة برمجيات «نظام التحكم عن بعد» من الشركة الإيطالية «هاكنغ تيم» التي تتخذ من ميلانو مقرًا لها، وذلك بحسب ما كُشف عندما تعرضت الشركة للقرصنة وتسربت وثائقها في تموز الفائت.

وفي شهر تشرين الأول، نشر مختبر «سيتيزن لاب» في تورنتو تقريرًا يؤكد استخدام تقنيات الفلترة التي أنتجتها الشركة الكندية «نيت سويبر» لفلترة المحتوى السياسي الناقد في اليمن.

لا تهدّد الشركات التي تبيع تقنيات التجسس والفلترة وحدها حقوق المواطنين، بل يمكن أن تعرّض ممارسات وسياسات شركات الإنترنت والاتصالات حقوق المستخدمين للخطر، وهو بالضبط ما يلقي مؤشر التصنيف للحقوق الرقمية الذي أطلق حديثًا الضوء عليه.

لا تهدّد الشركات التي تبيع تقنيات التجسس والفلترة وحدها حقوق المواطنين، بل يمكن أن تعرّض ممارسات وسياسات شركات الإنترنت والاتصالات حقوق المستخدمين للخطر.

قيّم التصنيف الشركات بناءً على سياساتها المنشورة للعامّة، وليس ممارساتها، ووضعها في ثلاث فئات: الالتزام، وحرية التعبير، والخصوصية. لكل فئة من هذه الفئات، تسترشد المؤشرات بالقواعد الإرشادية التي أرست قواعدها أطر عمل حقوق الإنسان العالمية، بما فيها مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.

أحرزت شركات الإنترنت أداءً أفضل من شركات الاتصالات في هذا التصنيف، حيث حققت شركة غوغل، التي حصلت على أعلى، درجة 65 % من النقاط، بينما حصلت شركة فوادفون، الأفضل بين شركات الاتصالات، على 54 % فقط.

في الوقت الذي حقّقت فيه أربع شركات إنترنت 50% من النقاط كحد أدنى في تصنيف شركات الإنترنت، حصلت شركتا اتصال فقط على 50 نقطةً فما فوق. بيد أن تصنيف الحقوق الرقمية يشير إلى أنه «لا يوجد فائزون» فـ «حتى الشركات التي جاءت في المقدمة لا تزال مقصّرة»، خصوصًا فيما يتعلق بنشر كيفية تعاملها مع معلومات المستخدم وتطبيق أحكام خدمتها، وغياب الشفافية فيما يخص طلبات إزالة المحتوى وبيانات المستخدمين.

كيف تنتهك الشركات حقوقنا؟

يشرح تصنيف الحقوق الرقمية كيف ينتهك مزودو خدمات الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي ومزودو خدمة الهواتف المحمولة حقوق المستخدمين، فيقول: «يعتمد الناس بشكل متزايد على خدمات الإنترنت والاتصالات في جوانب عديدة من حياتهم اليومية، بما في ذلك الأنشطة المدنية، والسياسية والدينية. وفي الوقت الذي تربط الخدمات التي تقدمها هذه الشركات بين الناس وتمكنّهم بطرق غير مسبوقة، يمكن أيضًا أن يساء استخدامها لانتهاك حرية التعبير والخصوصية».

تتخذ الشركات عددًا من القرارات التي قد تؤثر على حقوق المستخدمين، بما في ذلك:

• تسليم بيانات المستخدمين بناءً على طلب الحكومات أو الشرطة أو المحاكم.
• إزالة المحتوى بناءً على طلب الحكومات لانتهاك القوانين المحليّة.
• إزالة المحتوى أو منع المستخدمين من الاستفادة من خدمات الشركة لانتهاك أحكام الاستخدام. (على سبيل المثال، أزال فيسبوك في شهر آب الماضي ألبومًا للصور شاركه فنان سوري، حيث يظهر فيه لاجئون سوريون وفلسطينيون غرقى قبالة سواحل ليبيا، وذلك بعد أن بلّغ عدد من المستخدمين عنه لانتهاك أحكام الخدمة التابعة للشركة).
• إغلاق شبكات وخدمات بناءً على طلب الحكومات.

لا شك بأن هناك أسبابًا مشروعةً قد تضطر الشركات إلى اتخاذ قرارات مشابهة، مثل التحريض على العنف، وخطاب الكراهية، والتنمّر الالكتروني، أو المخاوف الأمنية. بيد أن الحكومات القمعية لديها أسباب أقل مشروعيةً، مثل طلب بيانات مدوّن مجهول الهويّة بسبب انتقاده للسلطات، أو فصل الاتصال أثناء الاعتصامات.

على الرغم من مطالبة العديد من الحكومات في المنطقة العربية بحق الوصول إلى الإنترنت والهواتف المحمولة للجميع (من المتوقع أن يصل عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة إلى 197 مليون بحلول عام 2017 بنسبة انتشار 51 %)، إلا أن هذه الحكومات ذاتها تعي تمامًا إمكانية النقد والمعارضة بواسطة الإنترنت، وخصوصًا بعد ما يسمى بمظاهرات الربيع العربي التي استغّل فيها المتظاهرون من كل أرجاء المنطقة هذه التقنيات لتوثيق عنف الشرطة وتنظيم أنفسهم.

شركة اتصالات الإماراتية تحصل على أدنى مرتبة بين شركات الاتصالات

حصلت شركة اتصالات الإماراتية على أدنى مرتبة بين شركات الاتصالات، إذ حقّقت 14% من النقاط فقط. ولم تحصل أي شركة على رصيد أسوء من اتصالات في مجمل التصنيف سوى شركة mail.ru  الروسية التي تقدم خدمات الاتصالات والترفيه على الإنترنت حيث حقّقت الأخيرة 13%.

تنشر شركة اتصالات معلومات ضئيلة، إن لم تكن معدومة، حول سياساتها العامّة وممارساتها التي تؤثر على حرية مستخدميها في التعبير وحقوقهم في الخصوصية. من بين ستة مؤشرات في فئة الالتزامات، لم تحظَ اتصالات بالحد المطلوب إلا فيما يتعلّق بإعلانها عن عمليات تلقي الشكاوى والتظلمات من مستخدميها (مؤشر C6).

بيد أن الشركة فشلت في المؤشرات الخمسة المتبقية، بما فيها إجراء تقييم أثر على حقوق الإنسان (C4)، والانخراط في مبادرات بقيادة أصحاب الشأن المتعددين لتعزيز حرية التعبير والخصوصية (C5) مثل مبادرة الشبكة العالمية.

كما حصلت شركة اتصالات على أدنى مرتبة بين شركات الاتصالات في فئة الخصوصية، إلى جانب شركة إم تي إن الجنوب إفريقية لخدمات الهواتف الخلوية التي تعمل في بلدان عدّة منها السودان، وسوريا واليمن. رغم أن شركة اتصالات تتيح الوصول بسهولة إلى سياساتها في الخصوصية (P1) وتوفر بعض المعلومات حول ماهية معلومات المستخدم التي تجمعها وتشاركها والغاية من ذلك (P3 و P4)، إلا أنها لا تصرّح بما إذا كانت تخطر مستخدميها عند طلب معلوماتهم من قبل أطراف ثالثة (P10) أو بمدة الاحتفاظ بهذه المعلومات (P17)، كما أنها لا تنشر البيانات حول طلبات معلومات المستخدمين (P11).

تحقق اتصالات أداءً أفضل في خانة حرية التعبير، حيث تتيح الوصول إلى أحكام استخدام خدمتها (F1)، وتلتزم بإخطار المستخدمين عند إجراء تغييرات على هذه الخدمات (F2)، كما أنها تنشر المعلومات حول الظروف التي تضطر بموجبها إلى تقييد الوصول إلى المحتوى أو خدماتها (F3 و F4).

حصلت الشركة على درجة «صفر» في خمسة مؤشرات من بين 10 مؤشرات في خانة حرية التعبير. لا تقوم الشركة بنشر المعلومات حول استجابتها لطلبات الحكومات والأطراف الثالثة في تقييد الوصول إلى المحتوى (F6) ولا تنشر البيانات حول مثل هذه الطلبات (F7).

علاوة على ذلك، لا تنشر شركة اتصالات ما يوضح إن كانت تعطي الأولوية لإيصال أنماط محددة من المحتوى على حساب أنماط أخرى أم لا، وهو ما يعرف أيضًا بحياد الشبكة (F10).

ماذا عن الشركات الأجنبية؟

شركة اتصالات ليست الوحيدة المقصّرة في الالتزامات المعلنة تجاه حرية التعبير والخصوصية في المنطقة العربية، حيث لا تنشر الشركات الخاصة والأجنبية هي الأخرى معلومات كافية حول سياساتها. تتصرّف الشركات الأوروبية في البلدان التي تقع فيها مقراتها بطريقة مختلفة عن تلك التي تفرض فيها البيئة التنظيمية القيود ولا توفر ضمانات قانونية لحقوق المستخدمين.

في الوقت الذي توفر فيه الشركة أحكام وشروط الاستخدام لكل خدمة من خدماتها في فرنسا على موقعها، فإنها لا تقوم بالعمل ذاته في تونس

فلنأخذ على سبيل المثال شركة الاتصالات الفرنسية أورانج، التي تنفذ عملياتها في بلدان عديدة مثل مصر والأردن وتونس. حصلت أورانج على المرتبة الثالثة في تصنيف شركات الاتصالات، إذ حقّقت 37 نقطةً من أصل 100، حيث سبقتها كل من AT&T  وفودافون اللتان حصلتا على 50 نقطةً و54 نقطةً بالترتيب. في الوقت الذي توفر فيه الشركة أحكام وشروط الاستخدام لكل خدمة من خدماتها في فرنسا على موقعها orange.fr، فإنها لا تقوم بالعمل ذاته في تونس، إذ لا تجد الأحكام والشروط في أي مكان على orange.tn.

وفي عام 2011، انتقدت شركة فودافون في مصر عندما علّقت شبكتها هناك أثناء المظاهرات المناهضة للرئيس السابق حسني مبارك بناءً على طلب الحكومة. لم يتمكن زبائن فوادفون حينها من إجراء مكالمات هاتفية أو استخدام الإنترنت لمدة 24 ساعةً.

وعلى الرغم من تبرير فودافون لهذا التصرف، معتبرةً أنها مضطرة للقيام به بموجب القانون المصري الوطني، إلا أن هذه الحالة هي خير مثال على تفضيل الشركات لمصالحها التجارية على حساب حقوق الإنسان في الدول التي يتمتع بها الزبائن بضمانات ضئيلة إن لم تكن معدومة.

إنها مسألة تنظيم

بحسب تصنيف الحقوق الرقمية، فإن السياق القانوني والتنظيمي الذي تعمل به اتصالات «يخلق تحديات للشركة في مسعاها لتحقيق مرتبة أعلى في المؤشر». يشير تقرير الحرية على الإنترنت لعام 2015 إلى أن «الإمارات العربية المتحدة تفرض قبضةً سلطويةً على السياسة والاتصالات على حد سواء».

تتمتع الدولة بملكية مهيمنة في مزودي خدمات الاتصالات الاثنين في البلاد، بما في ذلك 60 % من أسهم شركة اتصالات.

سيكون من الصعب على الشركات تحسين سياساتها وممارساتها إذا بقيت البيئة التنظيمية معنيّة بالتحكم في المستخدمين عوضًا عن حمايتهم. على سبيل المثال، تتمتع سلطة تنظيم قطاع الاتصالات في البحرين بصلاحية سحب رخص مزودي خدمات الإنترنت إن لم يلتزموا بأوامر الحكومة للحجب. أما في مصر، فقد اتهم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمراقبة وسائل الإعلام الاجتماعي.

على الرغم من أطر العمل التنظيمية المقيّدة، إلا أن هناك خطوات يمكن أن تتخذها شركات الاتصالات لحماية حقوق المستخدمين بشكل أفضل. تشمل هذه الخطوات توفير أحكام استخدام خدماتها بلغة سهلة الفهم، ونشر ما تم حجبه من المواقع والمحتوى، ونشر كيفية تعاملها مع معلومات المستخدمين (ما هي المعلومات التي يجمعونها، ما هي الأطراف التي يشاركون هذه المعلومات معها، وما هي الأهداف من المشاركة ومدة الاحتفاظ بهذه المعلومات).

يقيّم تصنيف الحقوق الرقمية الشركات بحسب إعلام وتثقيف مستخدميها حول التهديدات الإلكترونية (P14)، وتوظيف أحدث معايير الترميز والأمان أيضًا (P12)، وهما ممارستان يمكن للشركات حتى في أكثر البيئات تقييدًا تبنّيها.

أما بالنسبة لشركات الإعلام الاجتماعي، فقد تكون مسألة التنظيم شائكة قليلًا، وذلك بسبب طبيعة الإنترنت التي لا تعترف بالحدود. في الوقت الذي يعد فيه احترام الشركات للتشريعات الوطنية في البلدان التي تعمل بها أمرًا مفهومًا، فإن هذا لا يعني أنها لا يجب أن تقيّم الأخطار التي تترتب على فتح مكتب لها في بيئة مقيّدة.

عندما فتحت شركة تويتر مكتبًا لها في دبي، قال المتحدث باسم الشركة «نحن لا نقوم بترتيبات خاصة مع الحكومات فيما يخص الرقابة»، وذلك ردًا على استفسار من Buzzfeed News حول الاتفاقيات التي أبرمتها الشركة مع الحكومة لتتمكّن من العمل في الإمارات العربية المتحدة.

أزال فيسبوك سبعة منشورات من المحتوى داخل السعودية في النصف الأول من عام 2014، وذلك لانتهاكها القوانين الوطنية التي تحظر انتقاد العائلة المالكة.

علاوة على ذلك، تزيل شركات الإنترنت المحتوى بناءً على طلب المحاكم أو السلطات الحكومية بسبب انتهاك القوانين الوطنية. على سبيل المثال، أزال فيسبوك سبعة منشورات من المحتوى داخل السعودية في النصف الأول من عام 2014، وذلك لانتهاكها القوانين الوطنية التي تحظر انتقاد العائلة المالكة. ينبغي على فيسبوك وغيرها من شركات الإعلام الجديد إعادة النظر بهذه السياسة، لأن التشريعات في ظل الأنظمة غير الديمقراطية لا تنطوي في العادة على ضمانات لحرية التعبير تنسجم مع معايير حقوق الإنسان العالمية.

دور المجتمع المدني

هنالك الكثير مما يمكن للجماعات الضاغطة والناشطين المهتمين بتحسين الحقوق الرقمية إنجازه بالرغم من القيود المفروضة على المجتمع المدني في بلدان عديدة في المنطقة.

يمكن لهؤلاء استخدام تصنيف الحقوق الرقمية في عملهم لكسب التأييد، أو إجراء دراسة مشابهة تركز على مزودي خدمات الإنترنت وشركات الاتصالات العاملة في المنطقة إن أمكن. إلى جانب ذلك، يمكنهم رفع وعي المستخدمين وتثقيفهم بممارسات وسياسات الشركات حتى يتيحوا لهم اتخاذ قرارات واعية، وليعلموا ماهية الحقوق التي يتنازلون عنها عندما يوافقون على الأحكام والشروط.

أما في الدول التي لا تقمع المجتمع المدني بقيود جائرة مثل لبنان وتونس، فيجب أن تقوم المؤسسات والناشطون بالضغط على الحكومات والمشرعين لتحسين القوانين الناظمة لقطاع الاتصالات حتى تكون أكثر احترامًا لحقوق المستخدمين.