«صور الجهاد» وأربابه: حوار مع سلامة كيلة

الأحد 20 تشرين الثاني 2016
سلامة كيلة وكتابه الجديد. الصورة لعربي 21 عن الأناضول.

صدر حديثًا عن منشورات المتوسط في ميلانو كتاب «صور الجهاد – من تنظيم القاعدة إلى داعش» للمفكر الفلسطيني سلامة كيلة، الذي وقّعه الشهر الماضي في معرض عمان الدولي للكتاب في دورته السادسة عشر. وعلى هامش زيارته للمعرض، استعرض كيلة في حديثه مع «حبر» عددًا من الجوانب التي تطرق لها في كتابه. كما تحدث عن الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الأردن، وحاول أن يرسم سيناريوهات محتملة للوضع السوري الراهن.

حاول كيلة في كتابه أن يتجاوز بالتحليل الظواهر الأصولية، من تنظيم القاعدة وحتى داعش، والتركيز على الإسلام والتفسير والفتاوى الفقهية وكأنها أساس لنشوء هذه الظواهر؛ موضحًا أنها بالنسبة له نتاج وليست أساسًا. «بالتأكيد في السنوات الماضية صار هناك انهيار اقتصادي وتعليمي واسع أدى إلى وجود فئات مهمّشة بالمعنى الاقتصادي والثقافي، تزامن ذلك مع دور السعودية منذ السبعينيات بتعميم الوهّابية. دُفعت مليارات الدولارات من أجل تعميم أيديولوجيا وهّابية تكون مدخلًا للهيمنة على المنطقة، وبالتالي منع نشوء ميول يسارية وتحررية وتقدميّة. وبنفس الوقت تسمح لها بالهيمنة الواقعية على البلدان، وبالتالي كانت تعطي نمطًا من الثقافة الأصولية قائمة أساسًا على التطرف».

«العنصران بالتأكيد موجودان»، يقول كيلة، لكن «لم يكن هناك إمكانية لهذا الشباب المهمش، حتى لو أصبح وهّابيًا بهذا المعنى، أن يقوم بفعل كبير؛ خصوصًا أنه كان يطرح نفسه أنه يقوم في مواجهة قوىً عظمى أو دول كبيرة. كان هناك مستوىً آخر لا بد من بحثه، وهو السياسات الإمبريالية نفسها وميولها من السبعينيات أيضًا في المنطقة العربية خصوصًا فيما يتعلق بالإسلام، لتشكيل مجموعات أصولية».

من هنا يرى كيلة أن «التركيز الإعلامي الشديد على تنظيمات مثل القاعدة، ومن بعدها تحويل التركيز الإعلامي إلى داعش أدى لدفع الأشخاص الذين كانوا يذهبون إلى القاعدة للذهاب إلى داعش، وهنا نرى أثر الإعلام في توجيه هؤلاء الأشخاص».

على صعيد آخر، لا يرى كيلة أن هنالك وجودًا فعليًا لداعش في الأردن، فيقول «أعتقد أن الأردن من أكثر الدول اختراقًا لهذه المجموعات بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية. أما المداهمات التي حدثت في إربد وعملية الرقبان باعتقادي أنها شكل من أشكال تخويف الشعب؛ هناك وضع اقتصادي مأزوم في الأردن، وميل للنظام لنهب المجتمع أكثر وبالتالي هو يريد أن يخوّف الناس بالتلويح بما جرى للشعب السوري. أعتقد أن كل ما جرى ليس إلا أعمال أجهزة مخابرات».

ويوضح أكثر «هناك بيئة تسمح باستغلال فئات اجتماعية، لكن ليست البيئة هي التي تنتج. وهنا الفارق؛ بأن هناك أشخاص مهمشين مفْقرين يمكن استغلالهم وبين بيئية أنتجت بشكل طبيعي، البيئة الأصولية ليست هي التي تنتج هذه البيئات بهذه القدرات، هناك فعل خارجي في استغلال هذه القدرات وهذا جانب أساسي حاولت التركيز عليه».

وبرأي كيلة، فإن متابعة المفارقات البسيطة بين الشباب الذين ينخرطون في هذه التنظيمات تظهر أنهم شباب بسيطون ومهمّشون ووعيهم محدود وقدراتهم الثقافية والتكنولوجية والكتابية محدودة. حتى الشباب الذين يدرسون طب وهندسة وعيهم المجتمعي محدود، بحسبه. كما أن دراسة انضمام الأوروبيين لهذه التنظيمات تظهر أنهم قادمون من فئات مهمشة كانت تقوم بالعمليات غير القانونية من إجرام ودعارة وغيرها، وارتباطها بداعش كان غطاء؛ قامت بالانتقام من خلال قتل ناس بدلًا من مواجهة الدولة. «هذه فئات بسيطة غير متعلّمة بالغالب، وتريد الانتقام من تهميشها في المجتمع، وتستغل اسمًا كبيرًا غالبًا، ولو كان اسم اليسار كبيرًا لقامت باستغلاله»، يقول كيلة.

ربيع الأردن لم يأت بعد؟

أما في الأردن، فيرى كيلة أن «هذه الفئات لها طابع أصولي، لكن هذا نتيجة غياب اليسار بالأساس وليس لأن هذه الفئات تريد أن تكون أصولية». ويوضح أكثر «التهميش الذي يجري في الأردن أو في المنطقة العربية كلها هو نفس الحالة، نتيجة الخصخصة الاقتصادية والهيمنة الشاملة، فهذه الفئات تندفع الآن لتقوم بثورات، فالثورات العربية قامت بفعل هذه الفئات».

يتنبأ كيلة بتصاعد الوضع في الأردن وانفجاره في أي وقت «أرى أنه بفعل «السياسة الحكيمة» للنظام والنهب العميق ورفع الأسعار وتبرير المديونية لا يوجد خيار أمام الشعب الأردني مهما تمّ تخويفه إلا الثورة، لأن الشعب حين يصل إلى مرحلة على حافة الموت ينزل إلى الشارع دون تفكير أو حساب. أعتقد أن كل السياسات الاقتصادية في الأردن وتونس ومصر وكل المنطقة العربية ستقود إلى ثورة».

مرحلة ثانية من الربيع العربي ما نحن مقبلون عليه كما يرى كيلة. «الثورات الأولى خلقت وضع ثوري وسيؤدي ذلك إلى استمرارية تنتج كل فترة وفترة أحداث ثورية». أما أزمة الاقتصاد العالمي الآن فهي بسبب «هيمنة الكتل المالية، وبالتالي تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نهب عبر المديونية مما أدى إلى تحقيق تراكم سريع أكبر من التراكم الطبيعي لرأس المال، وهو الذي أصبح شكله مافيوي، يدفع الفئات المسيطرة على الاقتصاد في بلادنا على أن تزيد النهب لا أن تقف، وبالتالي تأخذ اتجاه معاكس لما عبرت عنه الثورات في بلادنا، والتي عمليًا كانت أزمتها نتيجة النهب الذي حدث. الآن أصبحت هذه الفئات موغلة في النهب أكثر وبشكل أكثر تسارعًا وهذا سيدفع الشعوب للانفجار».

يشدد كيلة على أنه لا توجد خيارات أخرى أمام الشعوب لتقبل بالوضع التي هي فيه «يمكن أن الأمور تأخرت في الأردن نتيجة لعدد من العوامل وما تزال تتأخر، منها الإشكال الداخلي الأردني، ووجود إسرائيل على الحدود، والوضع السوري ودفعه باتجاه التحوّل إلى مجزرة، والذي عمليًا كل دول العالم دفعت بذلك الاتجاه لتخويف الناس، انعكس أيضًا على الأردن، وبالتالي بدأ بتأخير الانفجار الشعبي الأردني، ولكن حين يصل الشعب إلى لحظة حافة الموت من الجوع فلن يفكر ولن يخاف، سيكسر حاجز الخوف».

لكن مشكلة الثورات العربية كما يقول كيلة أن الأحزاب القديمة تعيش فيها على الهامش وتعيش أوهام الماضي «لا تعرف الواقع ولا تعرف مشكلات الحاضر، وبالتالي الثورات وضعت حجر الشاهد على قبرها. أعتبر أن الأحزاب ماتت ولم تعد قادرة على أي فعل. الثورات انطلقت بشكل عفوي وبدون قيادات وبأوهام شباب دخلت السياسة لأول مرة حينما انتفضت. لكن التجربة نفسها تعيد بناء نفسها داخل الثورات، وهذا ينعكس على بناء جديد بالضرورة سوف يتبلور، وسوف يؤسس لبديل حقيقي».

«تأخر انتصار الثورات مرتبط بعدم وجود أحزاب أولًا، وثانيًا أن بناء أحزاب جديدة خلال قيام الثورات يحتاج إلى فترة من الزمن» كما يوضح كيلة، ولكن في النهاية «سيتحقق بناء حقيقي يكون للثورات الانتصار، خصوصًا أن الأزمة ستطال كل الرأسمالية وبالتالي الدعم المالي سيضعف كثيرًا وسيصبح هناك وضع عالمي ثوري بشكل عام».

الوضع في سوريا بعد التدخل الروسي

بخصوص الوضع السوري الذي يتابعه كيلة بشكل حثيث منذ انطلاق الثورة وحتى بعد اعتقاله وإبعاده إلى الأردن يقول «واضح منذ التدخل الروسي في سوريا أن روسيا أتت برؤيا لفرض حل في سوريا جوهره استمرار بشار الأسد، وبالتالي العمل على الأرض من أجل سحق الثورة وفرض السلطة القائمة وإدماج بعض المجموعات من المعارضة بهذه السلطة، هذا هو المنظور الروسي الأساسي. لكن على الأرض بدأت تلمس بعض الإشكالات فوافقت في مرحلة على جنيف (٣)، لكنها سرعان ما أفشلته، فما أن بدأت المفاوضات حتى بدأت هي القصف أيضًا. هذا الوضع يجعل احتمالات الحل السياسي إلى الآن غير قائم».

«روسيا تريد أن تثبت للعالم أنها قوة عسكرية هائلة، وبالتالي هي الآن تجرّب كل أسلحتها وتُظهر قوة هائلة كما تعتقد، وهذا ما يكرره عدد من القادة الروس أيضًا». وهذا أيضًا يفتح بابًا لبيع السلاح الروسي، كما يقول كيلة. لكن الأخطر برأيه «أنها تريد أن تثبت للعالم أنها حينما تقرر تستطيع أن تفرض ما تقرر، وبالتالي حينما تقرر أن بقاء الأسد هو الحل، سيبقى؛ من أجل أن تفرض هيمنة على العالم، هذه هي مشكلة روسيا في سوريا».

من جهة أخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها كما يرى كيلة مرتبكةً حيال الوضع السوري «فهي تريد لروسيا دورًا عالميًا، وتريد أن تتحالف معها على مستوى العالم، لكنها لا تريد أن تكون روسيا هي القوة الأساسية المهيمنة. هذا الإرباك يظهر الآن في سوريا بشكل واضح بعد الهجوم الروسي على حلب والسعي للسيطرة عليها بشكل كامل».

«الخيارات التي تُناقش إلى الآن في المطبخ الأميركي غير واضحة إلى الآن» كما يعتقد كيلة، إلا أنه يحلل أن هناك خيارات مطروحة وتتم مناقشتها، وتتنوع بين: «قصف لمدارج الطيران أو إعطاء المعارضة صواريخ مضادة للطيران أو أن تقوم بدور مزدوج بأن تقوم بهجوم كبير على الرقة بالتفاهم مع تركيا وبالتالي طرد داعش منها وفرض سيطرة على شمال وشرق سوريا ويكون محمي جويًا ومقسم بين طرفين، طرف مُسيطر عليه أميركيًا وطرف مُسيطر عليه روسيًا وبالتالي تصبح المفاوضات مع روسيا مُنطلقة من توازن على الأرض يفرض حل مختلف عمّا تريده روسيا، وبنفس الوقت إضعاف روسيا وإظهارها أنها لا تستطيع أن ترد حينما تتدخل أميركا».