الأرقام ليست في صالحكم: هل غاز العدو رخيص حقًا؟

الخميس 13 تشرين الأول 2016
من صفحة الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني.

بقلم علي نصرالله*

في تغييب واضح للأردنيين عن الحقائق والأرقام، وُقّعت اتفاقية شراء غاز يسرقه الاستعمار الصهيوني، بينما كانت الحكومة مُقالة، ومجلس الأمة غير منعقد ليرفض الاتفاقية أو يوافق عليها. الخطاب الرسمي للحكومة المُكلّفة بالأعمال أصر على أن الاتفاقية بين شركة الكهرباء الوطنية الأردنية وشركة نوبل إنيرجي الأمريكية، لا بين الأردن والكيان الصهيوني، لكننا لم نرَ من ممثلي شركة الكهرباء أي بيان رسمي (ما عدا تصريحات خجولة من مصادر مجّهلة)، وكان كل من دافع عن الاتفاقية يمثل جهات رسمية.

في ٢٥ أيلول الماضي، صرح نائب رئيس الوزراء جواد العناني لجريدة الفينانشال تايمز البريطانية (بدلًا من التصريح للصحافة الأردنية المتعطِّشة لمعرفة تفاصيل الموضوع) أن الحكومة الأردنية تحُثّ «إسرائيل»، قبل إتمام الصفقة، على السماح للأردن بتصدير منتجاته لسوق الضفة الغربية بسقف يبلغ مليار دولار سنويًا، كما طالب «إسرائيل» بتحمُّل تكلفة مد أنابيب الغاز الواصلة من شواطئ حيفا للأردن بقيمة ٧٠ مليون دولار، معتبرًا أن هذا التكلفة مسؤولية «إسرائيل»، حيث قد تستفيد من الأنابيب مستقبلًا لتصدير الغاز لمواقع أخرى. ثم تفاجأ الشارع الأردني في اليوم التالي بنشر خبر توقيع الاتفاقية على المواقع الإسرائيلية والعالمية، قبل أي تصريح رسمي أردني.

وحتى الآن، لم نعرف ماذا حصل بمطالب العناني التي صرَّحَ بها قبل يوم من نشر خبر توقيع الاتفاقية. هل تركت الحكومة الأردنية المطالب في ملعب العدو الصهيوني آملة بحسن نواياه بعد توقيع الأردن على اتفاقية ترهنه للعدو لمدة ١٥ عامًا؟

تقدير سعر الغاز

رئيس الوزراء، هاني الملقي، اعتبر أن الاتفاقية مع شركة نوبل إنيرجي تمثل مصلحة وطنية، مشيرًا إلى أن الحصول على تلك الكمية من الغاز كان يجب أن يتم بأي طريقة. ما زال رئيس الوزراء يخاطب الشعب الأردني وكأنه لم يدرك منذ سنتين وبعد أسابيع معدودة من الإعلان عن رسالة النوايا أن الشركة الأمريكية لها 39% فقط من حقوق حقل الغاز المُستعمَر، وأن البحر الأبيض المتوسط يُقصد به شواطئ حيفا الواقعة تحت الاستعمار الصهيوني. ولم يوضح رئيس الوزراء بحقائق ملموسة أو أرقام واقعية ما قصده بالمصلحة الوطنية وفوائدها. ومنذ الإعلان عن الاتفاقية، لم تعلن الحكومة تفاصيل الاتفاقية ولا نصّها، كأن الشعب الأردني جاهل وليس فيه من يستطيع تحليل بنودها واستنتاج ما إذا كانت الأرقام في مصلحة الوطن أو ستسبب له الخسارة، هذا إن وضعنا جانبًا الدوافع الإنسانية والسياسية والسيادية لرفض الصفقة.

منذ الإعلان عن الاتفاقية، لم تعلن الحكومة تفاصيل الاتفاقية ولا نصّها، كأن الشعب الأردني جاهل وليس فيه من يستطيع تحليل بنودها.

لربما كان السبب الرئيسي للتحفظ على نشر نص الاتفاقية حتى بعد توقيعها هو عجز الحكومة عن إثبات ادعائها بأن الغاز «الإسرائيلي» هو أرخص الحلول المتاحة للأردن، بالنظر للأرقام والأسعار في الاتفاقية. فالسعر الإجمالي المعلن لاتفاقية استيراد الأردن للغاز الفلسطيني المسروق من قبل «إسرائيل» هو ١٠ مليارات دولار مقابل ٤٥ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. لم يعلن حتى الآن بوضوح عن السعر المحدد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (mmbtu)** من الغاز، لكن بقسمة بسيطة للمبلغ الإجمالي المتوقع على الكمية المتفق عليها، نتوصل إلى سعر يبلغ قرابة ٦.٢ دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

لتقدير رخص هذا السعر من عدمه، يكفي أن نرى أن سعر الغاز الطبيعي الروسي واصلًا  ألمانيا في ٢٠١٦ تراوح بين ٤.٢٣ و٤.٠٨ دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. يجب الإشارة هنا إلى أن المسافة الجوية بين روسيا وألمانيا تبلغ ٥٥٠٠ كم، بينما المسافة الجوية بين شواطئ حيفا وإربد ٨٦ كم و١٢٩ كم لعمان! كما أن متوسط سعر الغاز المسال (الذي ينقل بالبواخر ويسمح باستيراده من الأسواق العالمية) بلغ في آسيا ٤.٢٤١ دولار وفي أوروبا ٤.٥ دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. فضلًا عن ذلك، فالأردن يتمتع بموقع استراتيجي ومتوسط جغرافيًا يجعل كلف النقل إليه أقل، أي أن سعر الغاز المسال في الأردن يجب أن يكون أقل من هذه المتوسطات. كل هذا يعزز الاعتقاد بأن ثمن الاتفاقية (الاقتصادي) باهظٌ جدًا، يشمل غالبًا نسبًا عالية من كلف تطوير الحقل لصالح «إسرائيل» بما أنه حقل جديد، إضافة إلى الضرائب العالية التي سترفد الخزينة الصهيونية بمليارات الدولارات، بحسب ما صرح رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو.

البدائل موجودة وتتزايد

لقد تطور قطاع الطاقة في الأردن بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بعد انقطاع الغاز المصري جراء التفجيرات العديدة في سيناء للخط الواصل بين مصر والعقبة. طوّر الأردن ميناءً لاستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر العقبة، ويغطي الغاز المسال ٨٥٪ من احتياجاتنا لتوليد الكهرباء، فيما يتم إنتاج الكمية المتبقية باستخدام الديزل وفقًا لاتفاق الحكومة مع مصفاة البترول، ويصدر الأردن الكميات الفائضة من الغاز المسال لمصر عبر الأنابيب التي كنا نستخدمها لاستيراد الغاز منها.

إلى جانب ذلك، سترتفع كمية الغاز المستخرج في حقل الريشة إلى ٥٠ مليون قدم مكعب يوميًا خلال سنة، بناءً على تصريح رئيس مجلس إدارة شركة البترول الوطنية، وهناك تقديرات عديدة من خبراء في الطاقة عن وجود الغاز في الطبقات المتوسطة والعميقة في مناطق بالأردن، لكن هذه الحقول تحتاج لتوجه جاد للتنقيب عنها.

القدرات الهائلة التي اكتشفها الأردن في مجال الطاقة المتجددة تعزز قدرته على التطور والاعتماد على الذات. إذا افتُتحت العام الماضي أكبر محطة لتوليد الطاقة من الرياح في الشرق الأوسط، وأظهرت دراسة جديدة بأن معان تمتاز بأعلى إشعاع شمسي في منطقة الصحراء العربية وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، مما يجعل الأردن من الأقدر عالميًا على إنتاج الطاقة الشمسية. يتم حاليًا تنفيذ مشاريع كبيرة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في معان والطفيلة والمفرق والفجيج والأزرق وغيرها، وبحسب موقع وزارة الطاقة والثروة المعدنية فإن قدرة مشاريع الطاقة المتجددة التي نعمل عليها حاليًا (ويتوقع إنهائها قبل وصول الغاز «الإسرائيلي») تبلغ ١٠٠٧ميغا واط، وهو ما قد يغطي ١٠% من احتياجنا للكهرباء.

فوق كل ذلك، فسعر برميل النفط اليوم ٥٠ دولارًا، أي أقل من نصف السعر الذي كنا ندفعه بعد انقطاع الغاز المصري. وبلغ عدد مشاريع استغلال خام الصخر الزيتي العاملة على الأراضي الأردنية أربعة مشاريع، تنفذها شركات عالمية باستثمارات إجمالية تقدرها بيانات وزارة الطاقة بحوالي ٢٩.٧ مليار دولار. كما تم توقيع اتفاقيات لبناء وتشغيل مفاعلين نوويين سيغطيان ما يقارب ٤٠٪ من إجمالي استهلاك الأردن للكهرباء بحلول عام ٢٠٢٥، بقدرة تبلغ ١٠٠٠ ميغا واط لكل منهما، بحسب استراتيجية قطاع الطاقة للأعوام ٢٠١٥ – ٢٠٢٥ التي نشرتها الوزارة..

مع كل هذه الحقائق، كيف يمكن للحكومة أن تقنعنا بأن اتفاقية كهذه تصب في المصلحة الوطنية؟ فرهن سيادتنا في مجال الطاقة لعدو تاريخي للأردن؛ عدو قتل شابًا وقاضٍ أردنيين منذ فترة ليست بالبعيدة، هو انتحار اقتصادي وسياسي. وفوق كل هذا الخطر، فالأرقام خارج سياقها السياسي مكلفة وغير مقنعة. الخيار الأمثل هو بوضوح استثمار هذا المبلغ الهائل في مشاريع طاقة سيادية توفر فرص عمل لأبناء وبنات الأردن.

*مهندس طاقة، وعضو في حملة الأردن تقاطع.
**تقريبًا كل ٠.٠٣٦ متر مكعب من الغاز ينتج وحدة حرارية بريطانية واحدة.