الإسلاميّون والعلمانَوِيّون وتسليم الدين للسلطة

الأربعاء 12 تموز 2017
عن مدونة «مواطن عربي» لباسم صبري.

خلال شهري تموز وآب، تنظم حبر بالتعاون مع معهد سجال مجموعة قراءة حول «الدين والعلمانية في المشرق العربي»، حيث تعقد جلسات أسبوعية تناقش أوراق ومقالات تتناول هذا الموضوع. استنادًا إلى هذه النقاشات، سننشر تباعًا مقالات وحوارات تقدم بعض ما طُرح في هذه الجلسات من وجهات نظر.

بعد استضافة نقابة المهندسين الأردنيين، الأسبوع الماضي، للداعية المصري زغلول النجار، والاحتجاج الذي نشب ضد حضور النجار ومحاضرته، عاد إلى الواجهة نقاش متجدد حول مفهوم العلمانية، خالقًا ما يبدو أنه نزاع علماني-إسلامي، بين «الظلاميين» و«التنويريين»، أو بين«أعداء الدين» و«حُماته». لكن كثيرًا مما جاء في هذا النقاش يكشف عن اصطفافات أيديولوجية قد لا تكون بالضرورة مبنية على تصور لشكل الدولة وإدارة المجتمع.

في مقابلة إذاعية لاحقة للمحاضرة التي كان النجار يسعى لتقديمها بعنوان «البرق والرعد في القرآن الكريم»، يقدم النجار مثالًا على هذه المحاولة للمساواة بين الإلحاد والعلمانية، إذ يصف مهاجميه بـ«أدعياء العلمانية»، ثم يقدم وجهة نظره حول هذه التسمية التي اعتبرها «خاطئة»، معتبرًا أن «أصلها العالمانية أو الدهرية، وهم الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا يؤمنون بالدين، ولا يؤمنون بالوحي، ولا يؤمنون بالقرآن، ولا يؤمنون بمحمد ﷺ. وليست منسوبة للعلم. يحاولون أن ينسبوا أنفسهم للعلم زورًا وبهتانًا. وهم أبعد ما يكونوا للعلم».

يعكس هذا التصريح موقفًا متكررًا بين الإسلاميين من «الدهريين»، وهو التعبير الذي صاغه المفكر الإصلاحي جمال الدين الأفغاني، يساوي بين العلمانيين والماديين، لا باعتبارهم من ينشغلون وظيفيًا بأمور الدنيا والمادة، وإنما من لا يؤمنون بما هو أبعد من ذلك، ويحاربون كل ما له صلة بالماورائيات والروحانيات، باعتبارها نقيضًا للعلم، ومجالًا يفقد قيمته والحاجة إليه في حضور التفسير العلمي. فقد حاول الإسلاميون في الكثير من الأحيان الترويج لفكرة مساواة العلمانية بالإلحاد، مع أن المصطلح نُحت تاريخيًا في أوروبا من قبل ما يسمى بـ«المفكرين الأحرار» لتمييز أنفسهم عن الملحدين1، والإلحاد سابق على العلمانية وقديم قدم الدين نفسه. وإلى جانب هذا الربط بالإلحاد، فقد ارتبطت العلمانية شعبيًا بالاستعمار، بصفتها مشروعًا «دخيلًا» أُسقط على مجتمعاتنا في سياق هيمنة غربية، وهو ما لا يمكن إنكاره بالكامل على أي حال.

هذا التصور الإسلامي للعلمانية بصفتها استغناءً عن الغيب ترافق مع فهم قد يكون سطحيًا في بعض تعبيراته من قبل بعض العلمانيين الذين أفرغوا مصطلح العلمانية من بعده السياسي القائم على شكل الدولة ونظام الحكم، وتعاطوا معه ثقافيًا فحسب. وبدلًا من تشكيل خطاب سياسي قائم على كيفية تعاطي الدولة مع الدين، ذهب البعض إلى معاداة مشاعر الناس الدينية تحت شعارات علمانية تنفر من ظهور الدين في المجال العام. بعض الأدبيات تميز هذا النمط من العلمانية باسم «العلمانوية»، بوصفها نمطًا فردانيًا من العلمانية يسبغ عليها القداسة التي سحبها من الدين، بوصفها طريقة أسمى وأعقل للنظر إلى العالم وفهمه علميًا، ويتخذ موقفًا متشككًا أو مستهجنًا من حضور الدين في المجال العام، معتبرًا هذا الحضور تهديدًا لنمط حياة معين لا يمكن الدفاع عنه إلا بالعلمانية. فالعلمانوية2 كما يعرفها بعض المثقفين هي مذهبة العلمانية سواء من خلال الإيمان بها كمعتقد يشبه إلى حد كبير الايمان الديني أو تحويلها -أي العلمانية- إلى هوية ثقافية، لها صفات اجتماعية ونمط حياة محدد.

بدلًا من إلقاء توصيفات أيديولوجية متبادلة وتعريف العلمانية إما بوصفها كفرًا من منطلق إسلامي أو بوصفها تنورًا وإعلاءً للعقل، قد يكون من المفيد محاولة فهم العلمانية في سياق نشوئها، والتفكير في موقع مجتمعاتنا منها والوظيفة التي يمكن أن تمارسها العلمنة فيها.

قد يكون من الصعب اليوم تمرير مصطلح إشكالي كالعلمانية، تحديدًا بعد أن تم تعبئته بهذه التعبيرات الأيديولوجية الحادة. وهذه التعبيرات ليست مجرد «سوء فهم» للعلمانية «الحقّة»، فهي على تناقضها ذات أصول تاريخية مرتبطة بنشوء العلمانية كظاهرة، رغم الانتقائية التي يمارسها الإسلاميون والعلمانويون في فهمها لخدمة تصوراتهم. لكن الأهم من التمسك بالمصطلح، هو التعاطي مع مضمونه ودلالاته السياسية ومحاكاته للواقع السياسي والاجتماعي الذي يتحرك فيه. وبدلًا من إلقاء توصيفات أيديولوجية متبادلة وتعريف العلمانية إما بوصفها كفرًا من منطلق إسلامي أو بوصفها تنورًا وإعلاءً للعقل، قد يكون من المفيد محاولة فهم العلمانية في سياق نشوئها، والتفكير في موقع مجتمعاتنا منها والوظيفة التي يمكن أن تمارسها العلمنة فيها. فهذه الثنائية التي تقدم الديني والدنيوي كنقيضين، والتي ساهم في تكريسها الإسلاميون والعلمانويون، تتجاهل التداخل التاريخي والحالي بين هذين «المجالين» سواء في الحقل السياسي أو في التفاعلات الاجتماعية بشكل عام. كما أنها تتجنب طرح الأسئلة الأكثر أهمية في الحديث عن العلمانية في مجتمعاتنا: كيف يؤثر السياق الذي نشأت فيه العلمانية على احتمالات العلمنة في مجتمعاتنا؟ وأين نقع نحن، في دولنا العربية اليوم، من عملية العلمنة؟

لقد اعتقد البعض أن الطريق للعلمانية هو علمنة الوعي المجتمعي، بمعزل عن مدى تدين السلطة نفسها ودور مؤسساتها بفرض خطاب ديني هو نفسه الخطاب الديني المهيمن، مع أن الكثير من الدول العلمانية قائمة في مجتمعات متدينة. في هذه الحالة تتحول العلمانية من موقف من الدولة إلى موقف من الدين، وهذا يؤدي بالضرورة إلى خلق استقطابات مجتمعية تحديدًا بعد أن يتم تفريغ الخلافات من بعدها السياسي لتتمظهر على شكل صراع هويات ثقافية.

وعادة ما يتجه هذا الشكل من العلمانوية في مجتمعاتنا نحو الاستقواء بالدولة للجم الدين أو المطالبة بخصخصته والحدّ من وجوده في الحيز العام. وهذا يقود، كما هو الواقع اليوم، إلى «دَولَنة» الدين وتأميمه واحتكاره من قبل الدولة واستخدامه لشرعنة سياساتها. فإذا كانت العلمانية، في شكلها الأول كما نشأت في سياقها الأوروبي، تغليبًا لسلطة الدولة على سلطة المؤسسة الدينية، فإن ما تمارسه دول عربية عدة من بينها الأردن من توجيه وإخضاع للدين «الرسمي» عبر مؤسسات كدائرة الإفتاء، ووزارة الأوقاف وممارسات كالرقابة على الأئمة والمساجد، وخطابات سلطة تحاول استقاء شرعية دينية من النسل الهاشمي، كل ذلك يطرح أسئلة جدية حول ما إذا كانت دولنا تعيش علمانيتها الخاصة، حتى وإن لم تسمّها السلطة علنًا بذلك.

هذا الاستقواء بالدولة للجم الدين قريب جدًا كذلك مما يمارسه الإسلاميون في محاولاتهم لتكريس فكرة أن الإسلام دين الدولة الرسمي، متجاهلين فكرة أن ما يسمى اليوم «دين الدولة» أتى تاريخيًا في سياق علماني هدف إلى إخضاع الدين للدولة. فالطرفان يلجآن للدولة إما للانتصار للدين والتقاليد وحمايتها أمام دعاة الانحلال، أو لمنع «الظلاميين» من مصادرة مساحات الحرية الشخصية وحماية حقوق الأفراد. وقد مارست الدولة الأردنية دور المنتصر للقيم على اختلافها، وحتى على تناقضها أحيانًا، فانتصرت للنزعة المحافظة وللأخلاق السائدة بمنع حفلة فرقة مشروع ليلى الشهر الماضي، وانتصرت للتعددية والتعايش حين شنت حملة مناهضة للكراهية والتحريض في أعقاب اغتيال الكاتب ناهض حتر، بعد أن سبق وانتصرت كذلك للدين حين أمرت بحبسه. في جميع هذه الحالات، تستنجد النخب الإسلامية أو العلمانوية بالدولة للدفاع عن قيمها، أي قيم هذه النخب، وتستجيب الدولة لهذه المطالب بأشكال مختلفة تنتهي كلها تقريبًا بفوز السلطة بجرعة جديدة من الشرعية.

إذا كان العلمانيون يعتقدون بأن هيمنة الدولة على الدين ستؤدي إلى لجمه، فإن ذلك قد يقود إلى النقيض. فتوظيف الدولة للدين يبقيه -أي الدين- فاعلًا في الفضاء السياسي والاجتماعي. وكذلك الأمر عند الإسلاميين الذين يستسهلون التعاطي مع الدولة كحارس للدين، معتقدين بأن الدين يبقى على حاله حين تنطق السلطة باسمه، لكنه في الواقع يتحول إلى دين السلطة الذي قد تستخدمه الدولة في أي لحظة ضد أي كان، بما في ذلك الإسلاميون أنفسهم.

إن ما يمكّن الدولة من الانتصار على كل الأحوال في هذه المعادلة، واستمداد الشرعية من ممارساتها هنا على اختلافها، هو أنها على الحالتين تملك تعريف الدين وتتحدث باسمه، وهي بذلك تستطيع إن شاءت أن تطرد الإسلاميين من «ساحتهم» كما يصورونها، وأن تجرّم دوافع العلمانويين، وإن تماشت معهم مرحليًا.


1. عزمي بشارة، «الدين والعلمانية في سياق تاريخي»، الجزء الثاني، المجلد 1: العلمانية والعلمنة، الصيرورة الفكرية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015. ص 72.

2. المصدر نفسه، ص 94.