استعادة الباقورة والغمر بعيون إسرائيلية

الثلاثاء 30 تشرين الأول 2018
جنود إسرائيليون يجولون قرب الباقورة. 22 تشرين الأول 2018. أ ف ب.

بعد أن قدم الأردن رسميًا، في الحادي والعشرين من تشرين الأول الجاري، مذكرةً لسلطات الاحتلال الإسرائيليّ يعلن فيها رغبتَه بإيقاف العمل بـ«ملحق الباقورة والغمر» من معاهدة وادي عربة، صدر العديد من التعليقات والتحليلات الإسرائيلية، على المستويين الرسميّ والإعلامي.

ذهبتْ معظمُ التحليلات إلى تقديم تفسيراتٍ للخطوة الأردنيّة وتقديم مقترحات ونصائح للتفاعل معها، بينما ركّزت بعض التقارير الصحفيّة على تبيان الأثر الاقتصاديّ الكبير الذي سيصيب المزارعين الإسرائيليين، في حال نُفِذَ القرار الأردني.

الردّ الرسمي المُعلن الأول على القرار جاء في حفل التّأبين السّنوي لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين. خلال كلمته في التأبين، تطرّق رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، للقرار بكلماتٍ أظهرتْ نوعًا من «الاتزان والهدوء»، وركّزت على أنه حتى لو أُلغيَ العملُ بالملحق، فإنّ ذلك لا يُقَلِل من شأن واستمرارية اتفاقية السّلام مع الأردن، ولا من دورها في فتح الطريق أمام «إسرائيل» لنسج علاقاتٍ مع دُولٍ عربيّةٍ لا تجمعها بها اتفاقياتٌ رسميّةٌ.

«سندخل معهم في مفاوضات على إمكانية تمديد الترتيب القائم. ولكن، لا شكّ لدينا، بنظرة كليّة، أن الاتفاقية برمتها هي ذخرٌ مهمٌ وغالٍ لكلتا الدولتين»، قال نتنياهو، مشددًا بعدها على أن اتفاقية وادي عربة مع الأردن واتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ليستا عوامل في الاستقرار الإقليمي فحسب، بل أيضًا وسيلة لتوسيع العلاقات مع دول عربيّة أخرى لا تُعادي إسرائيل.

بداية فتور في العلاقات؟

تنوّعت التحليلات بين من رأى أنّ القرار الأردنيّ بدايةٌ لدخول العلاقات الأردنيّة الإسرائيلية مرحلةً من الأزمة، وبعض أولئك اعتبروا القرار حاسمًا ورأوا أن المفاوضات القادمة لن تؤثّر فيه، وبين من اعتبر أن المفاوضات ستحلّ الأمر، وسيتوصل إلى ترتيب جديد بخصوص هذه الأراضي، وأن العلاقات بين الدولتين استراتيجية ولا يمكن الاستغناء عنها.

نقل باراك رافيد، المحلل السياسي سابقًا في «هآرتس» واليوم في القناة العاشرة، عن مصادر إسرائيلية «ترى أنّ هذه الخطوة الأولى نحو تخفيض مستوى العلاقات بين الأردن و«إسرائيل»، وأنه من الممكن أن تتبعها خطوات أخرى.

أشار رافيد وغيره من المحللين إلى أن ذلك كان متوقعًا، ودلّ عليه مقال مروان المعشّر، وزير الخارجيّة السابق، المنشور في جريدة الغد في أغسطس آب الماضي، الذي نصح فيه بإبطال الملحق، ولمّح إلى خطوات أخرى مثل إبطال اتفاقية الغاز. آخرون استدّلوا بتصريح رئيس سلطة المياه الأردنيّة سعد أبو حمور، قبل عامين، عندما قال إنه لا مناص أمام الأردنّ من المطالبة بتلك الأراضي.

فيما ذهب آخرون أبعد من ذلك في التحليل، وقالوا إن حكومة الاحتلال تتحمل مسؤولية هكذا قرار، لـ«إهمالها» تحسين وتطوير العلاقات مع الأردن. أشار هؤلاء إلى «حادثة» السفارة الإسرائيلية، واستقبال الحارس الإسرائيلي «استقبال الأبطال» بعد الإفراج عنه من الأردن، كإحدى مراحل «تدهور» العلاقات بين الطرفين، وربما كأحد العوامل الدافعة للقرار الأخير.

على القناة العاشرة، بعد القرار بيوم، تحدّث يوسي بيلِن، الذي كان أحد أعضاء الوفد المفاوض مع الأردن عام 1994، بنبرة المتأكد من أنّ الملك الأردنيّ لن يتراجعَ عن قراره، وأنّه لا يريد لصورته أمام الشّعب أن تهتزّ، وأن الغضب الشعبيّ في الأردنّ قويّ لدرجة تجعل من هذا القرار ثابتًا.

في ذات المقابلة، تَحَدّثَ أمير أوحانا، عضو حزب الليكود في الكنيست، بنبرةٍ حاسمةٍ وبكثيرٍ من الثقة، أنّ الأمر قابل للمعالجة. وبحسب تعبير أوحانا، فإنّ العلاقات بين نتنياهو وبين الملك الأردنيّ قويّة جدًا، خاصة على الصعيدين الأمنيّ والسياسيّ، وأنّ المفاوضات بينهما ستؤدّي إلى ما أسمّاه «نتيجةً جيّدةً» للإسرائيليين.

لاحقًا، في مقاله على موقع «المونيتور»، كما في مقابلته على القناة العاشرة، قلّل بيلِن من جدوى المفاوضات حول المنطقتين، إلا إذا حصل انفراج في محادثات السّلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يقول بيلِن: «بعد أن استجاب عبد الله لصوت الجماهير، يحتاج سببًا جيّدًا للغاية ليفسر لهم انسحابه من القرار، يُمكن أن يكون هذا السبب مرتبطًا بالموضوع الفلسطيني الإسرائيلي».

ما وراء القرار الأردني؟

في برنامجه الإذاعي «بودكاست-استراتيجي»، استضاف معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، وأحد أهمّ المراكز البحثية الإسرائيلية، الباحث والسفير الإسرائيلي السّابق في الأردن (1997-2000) عوديد عيران للتعليق على الموضوع.

قدّم «عيران» 3 أسباب يرى أنّها تُفسِّر القرارَ الأردنيّ. يتعلق السّبب الأول، برأيه، بحالة الرفض الشّعبيّ العام في الأردن للعلاقات مع «إسرائيل»، مُشيرًا إلى أن الغالبية العظمى، وهم من الفلسطينيين الأردنيين بالذات، يعارضون اتفاقية السّلام.

وفي تقديمه للسبب الثاني، يتحدث عيران عن السياق العربيّ العامّ، وتأثّر الأردنّ بثورات الربيع العربي، وبالتّالي تعاظم «معارضة النظام»، حسب تعبيره. في هذا الإطار، يَذكر عيران الأزمة الأردنية الأخيرة وضغوطات البنك الدوليّ لتوسيع قاعدة دافعي ضريبة الدخل، ورفض الشعب ذلك. يقول عيران «وكأن الملك هنا يقدم للشعب بعض الإنجاز ليقول لهم «ها أنا أهتم بمصالحكم»، مما يخفف من حدّة المعارضة، وهو تأطير أشار له أكثر من تحليل إعلامي.

يُلمّح عيران في تقديمه للسبب الثالث إلى استخدام الأردن ملحق الباقورة والغمر كورقة ضغط من أجل دفع مشروع قناة البحرين، بين البحر الأحمر والبحر الميّت. يرى عيران أن عدّة جهات إسرائيلية غير متحمسة لهذا المشروع، خاصّةً لكلفته العالية وانخفاض كفاءته، فيما تسعى له الأردنّ بكل قوّتها. يختمُ عيران بأنّه لا يعتقد أن الإعلان الأردنيّ هو «الكلمة الأخيرة»، وأنّه من الممكن تقديم «عروض» مختلفة للأردن من أجل الاستمرار بالعمل بالملحق.

وفي تقدير موقف نشره ذات المعهد في 28 تشرين أول الجاري، أورد الباحثان مور بنكليفا وجليعاد شير تحليلات مشابهة لما قاله عيران. عدّة عوامل مجتمعة شكّلت سياقًا مناسبًا لاتخاذ هذا القرار: الأوضاع الاقتصادية الصعبّة، والمسؤوليات الضخمة مع استقبال الأردن لاجئين من سوريا والعراق واليمن، وانخفاض مستوى الدعم المالي الخليجي، ووصول البطالة عام 2017 لأعلى مستوى منذ 25 عامًا، والغلاء وارتفاع الضرائب، والقلق الدائم من تأثيرات القضية الفلسطينية على الأردن، والمظاهرات التي طالبت باستعادة السيادة والكرامة الأردنيّة في الحدود مع «إسرائيل».

وفيما اعتبر بلين، أن المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية ممكن أن تشكل مفتاحًا لتغيير القرار الأردنيّ، يرى الباحث ألان بيكر من «المركز المقدسي لشؤون المجتمع والدولة»، والذي شارك في صياغة معاهدة وادي عربة، أن قضايا «التعاون» الإسرائيلي الأردنيّ هي التي ستشكل مفتاحًا. يقول بيكر إن مثل هكذا قرار فرصة مناسبة لإجراء محادثات في كل ما يتعلق بملحقات ومواضيع المعاهدة (المياه، النقل.. إلخ) ومناقشتها من جديد.

في السّياق ذاته، أثار بعض الوزراء تفاصيل أخرى في المعاهدة، كاعتراضهم على رفع كمية المياه التي تزودها «إسرائيل» للأردن. معتبرين ذلك «لفتة سخيفة»، ومُلمحين إلى استخدام المياه كوسيلة ضغط.

الأثر الاقتصاديّ ومستقبل المزارعين الإسرائيليين

إعلاميًّا، برز الحديث عن «حكم الإعدام» الذي سيقع بحقّ الأراضي الزراعيّة التابعة للمستعمرات القريبة من منطقتي الباقورة والغمر، في حال لم يتم تمديد العمل بالملحق.

أحد المزارعين الإسرائيليين، وهو ضابط احتياط في جيش الاحتلال، ممن تمت مقابلتهم في الغمر (وهي امتداد لمستوطنة تسوفر، بالعبريّة צופר)، يزرع منذ 10 أعوام 80 دونمًا من أراضي الغمر بالفلفل الحلو. المزارع نفسه قال لموقع «واينت»، التابع لـ«يديعوت احرونوت»: «لا شيء تفعله هنا إذا لم تكن مُزارعًا»، قاصدًا أن لا معنى لوجوده في المستعمرة (الواقعة على أراضي فلسطين)، إذ لم يكن ملحقًا بها أراضي الغمر الأردنيّة. يضيف: «سيتدمر عملنا بالكامل، سيؤدي بي ذلك لقرار مغادرة تسوفر».

«لا شيء تفعله هنا إذا لم تكن مُزارعًا (..) سيتدمر عملنا بالكامل، سيؤدي بي ذلك لقرار مغادرة تسوفر».

ويعيش في مستعمرة «تسوفر» (الواقعة داخل حدود فلسطين) ما يقارب 400 إسرائيلي، يشكّلون 98 عائلة، 35 منها تعمل تعتاش على زراعة الأراضي الأردنيّة في الغمر، بواقع 1200 دونم تقريبًا، تُزرع أغلبها بالخضار. وبحسب إيتان ليفشيتس، مسؤول التجارة في المستعمرة، فإن عدم تمديد العمل بالملحق، سيؤدي إلى إغلاق 20-30 مصلحة عمل في مستعمرته.

وعطفًا على كلام المزارع الإسرائيلي بأن لا شيء يفعله في المستعمرة إذا لم تتح له إمكانية زراعة أراضي الغمر، يشير ليفشيتس إلى أن الأراضي الأردنيّة أكثر خصوبةً من الأراضي الأخرى ضمن نطاق حدود مستعمرة «تسوفر»، لأن الأراضي الأردنية في الباقورة أكثر ارتفاعًا والمياه فيها أفضل. إضافة إلى ذلك، فإنّ المزارعين الإسرائيليين لا يدفعون أجرة استئجار الأراضي في الغمر، أي أنهم يتمتعون بزراعة تلك الأراضي دون دفع أجرة عليها.

وفيما يبدو تحضيرًا «للأسوأ» بالنسبة لهم، يقول ليفشتس إنّ إحدى الإمكانيات المتوافرة أمامهم نقل الأراضي إلى داخل مستعمرة تسوفر، ولكن ذلك يحتج ملايين الشواكل من أجل تحضير الأرض وتمديد قنوات المياه، مطالبًا حكومته بالمساعدة.

المزارعون في أراضي الباقورة (مستوطنة «نهاريم» بالعبرية، נהריים)، حملوا نفس القلق، وفي أراضي الباقورة تزرع أكثر من 800 دونم، بالإضافة إلى نشاطات وجولات سياحيّة تُنظم فيها، باعتبارها تحتضن مشروع محطة كهرباء «روتنبرغ» الصهيونية.

وكان وزير الزراعة في حكومة الاحتلال أوري أريئيل، قد غرّد على تويتر، صبيحة الأحد الماضي، قبل الإعلان الرسميّ الأردنيّ بساعات، قائلًا: «أرشدت مدير عام وزارة الزراعة بالتحضر فورًا في حال نفّذ الأردنيون قرارهم. لن يُترك المزارعون لوحدهم، وسنجد أفضل الحلول لمزارعي إسرائيل».

كما لم يغب عن التعليقات الإعلامية التطرقُ للبعد الأمنيّ للأراضي الأردنيّة المطالب باستعادتها. رئيس المجلس الإقليمي في «العربة الوسطى»، إيال بلوم أشار إلى أن أراضي الغمر بالذات مهمة من ناحية أمن المنطقة والدولة، وطالب رئيس الحكومة بإيجاد حلّ للأمر، لأن الموضوع لا يتعلق بالزراعة فقط، وإنما «تشكل هذه الأراضي «منطقة عازلة بين المناطق المأهولة في وادي عربة، وبين دولة الأردن، وهي منطقة حرجة، بسبب موقعها للأمن».

منظمات الهيكل تستنفر

وجد المستوطنون النشطاء في منظمات الهيكل والقائمين على اقتحامات المسجد الأقصى في الإعلان الأردني فرصةً لهم لطلب «المقايضة» بين السيادة الأردنيّة على المسجد الأقصى، وبين تلك على أراضي الغمر والباقورة. على صفحته على الفيسبوك، كتب أرنون سيجل، وهو صحفي إسرائيلي، وأحد أبرز الناشطين في تشجيع اقتحامات الأقصى، «من مبدأ المعاملة بالمثل، أقترح إلغاء إيجار جبل الهيكل للأردنيين».

يبدو ذلك التحليل كمن يريد القول: «أعيدوا لهم تلك الأراضي، ليست قضية كبيرة، في النهاية نحن نتعاون معهم على ما هو أكبر وأهمّ من ذلك».

أما «كبيرهم»، عضو الكنيست عن حزب الليكود، يهودا جليك، فقال الثلاثاء الماضي على منصة الكنيست: «طالبت اليوم رئيس الحكومة العمل وفقًا لمصالحنا، وأن يخبر ملك الأردن أنه في حال تصرف الأردنيون بشكل فردي وفقًا لمصالحهم، سنتصرف نحن بالطريقة ذاتها، وسنرد رجال الوقف، الذين تسمح لهم إسرائيل بكرمها التجوّل في جبل الهيكل، إلى الأردن، ونفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة في المكان المقدس لنا جبل الهيكل».

جماعة «عائدون للجبل»، وهي جمعية استيطانية تنشط في تنظيم اقتحامات وجولات للمستوطنين في الأقصى، أرسلت يوم الأربعاء الرابع والعشرين من الشهر الجاري عددًا من نشطائها بباقة ورد ورسالة تهنئة إلى السفارة الأردنيّة في تل أبيب، إلا أن حراس السفارة منعوهم من الدخول.

ترى تلك الجماعة، وغيرها من منظمات جبل الهيكل، أن الأردنّ تستأثر بالسيادة على المسجد الأقصى، وأن موظفيها في دائرة الأوقاف «ينغصون على اليهود الصاعدين لجبل الهيكل حياتهم». رئيس الجماعة قال بأن إلغاء جزء من اتفاقية السّلام سيفتح الآفاق أمام واقع جديد في المسجد الأقصى، وأنه كما تم المطالبة بإلغاء الوضع الخاص في الباقورة والغمر، فيمكن كذلك المطالبة برفض السيادة الأردنية في الأقصى، والتي تثبتت أكثر بعد اتفاقية وادي عربة، حسب تعبيرهم.

مماثلون لهم، ذهبوا بهذا الادعاء خطوة أخرى، فأنشأوا عريضة للتواقيع على موقع change.org طالبوا فيها بـ«استغلال الفرصة التّاريخيّة وغير المسبوقة» التي وفّرها الإعلان الأردني، للمطالبة باستعادة «الحق في الصلاة على جبل الهيكل».

«ما العمل»؟

في تقدير الموقف المشار إليه، يرى باحثا معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، والمقّرب من حكومة الاحتلال، أن هناك قطاعات واسعة، من الاقتصاد إلى الزراعة إلى التدريب العسكري، تتعاون فيها الأردن و«إسرائيل»، وأن القرار الحاليّ لن يؤثر بشكلٍ كبيرٍ في العلاقات ولن يُقلل من شأن معاهدة السّلام. يبدو ذلك التحليل كمن يريد القول: «أعيدوا لهم تلك الأراضي، ليست قضية كبيرة، في النهاية نحن نتعاون معهم على ما هو أكبر وأهمّ من ذلك».

في النهاية، أكدّ الباحثان أن الملك الأردنيّ لن يتراجع عن قراره. وبناء عليه، نصحا حكومتهما بالتركيز على التفاوض على طريقة وتفاصيل إعادة الأراضي الأردنيّة، وربما بتمديد الفترة الانتقالية لأكثر من سنة، وبإيجاد حلول بديلة للمزارعين الإسرائيليين، أو الحديث عن نسب معينة للتعويضات التي يجب أن تدفع لـ«إسرائيل». يختم الكاتبان نصيحتهما بالقول إن هذه المفاوضات والمحادثات يجب أن تتم بمعزل عن الخلافات السياسيّة الداخلية، وبعيدًا عن الأضواء.