رأي

الحور العين لسن الإجابة لكل شيء

الخميس 04 آب 2016
لقطة لعادل إمام في فيلم «الإرهابي» (١٩٩٤) الذي يكثّف تصوير المتطرفين الإسلاميين على أنهم كائنات أحادية البعد.

انتشر في الأيام الماضية مقطع فيديو آتٍ من سوريا، وفيه يخطب الداعية السعودي عبدالله المحيسني في مجموعة من المقاتلين الإسلاميين الذين يحاربون قوات النظام السوري وحلفائه، وفي المقطع المنتشر على الإنترنت، يكون أول ما يحرّض المحسيني عبره الجنود حديثه عن الحور العين التي سيكافئ الله بهن «الشهداء»، متحدثًا عن أشكالهن وحسنهنّ وعددهن، وقد تلقّف الإنترنت هذا المقطع بشهية، فتمت إعادة نشره مرارًا، واستفاض العديدون في تحليل هذا الجزء من الخطبة، مستعيدين الخطاب الاستسهالي الذي يتم طرحه عادة لدى مناقشة الظاهرة الجهادية.

ورغم أن السلوك الاستسهالي هو سلوك تقليدي، إلّا أن صدوره عن المثقفين بحق ظاهرة شديدة التعقيد كالجهادية العالمية، يساهم في زيادة المشهد تعقيدًا، وعلى الأغلب سيساهم كذلك في ترسيخ صور نمطية عنصرية تجاه العرب والمسلمين، سيعمّ أثرها وضررها حتى يصل لمروّجيها. ولن يسهم بحال من الاحوال في وقف نهر الدم النازف حول العالم.

ورغم أن مقطع الفيديو المنتشر، يضم تفاصيل مهمة أخرى، إلّا أن التحليلات والتعليقات التي انتشرت على فيسبوك ركّزت على موضوع الحور العين دونًا عن غيرها من الأمور، وأغلب الظن أن هذا جاء، لأنه يوافق صورة ذهنية حول أولئك الشبّان الذين يذهبون للقتال في سوريا، وقبلها في العراق وأفغانستان وغيرها من المناطق. هذه الصورة الذهنية ترى أن السبب الوحيد، أو على الأقل الأبرز، الذي يدفع الشبان نحو ساحات «الجهاد» هو انتصابهم الدائم، والرغبة المسيطرة عليهم في مضاجعة الحور العين، أو مضاجعة السبايا، أو ربما مضاجعة بعضهم البعض.

عند الاستماع إلى الجزء المنشور مما قاله المحيسني، يختار البعض تجاهل ما قاله حول 100 ألف فتاة محاصرة في حلب، ويتم تجاهل حديثه حول كون المدينة محاصرة، ويتم كذلك تجاهل كل الفيديوهات المفزعة القادمة من مدن سوريّا المختلفة، وفقط يركّز على موضوع الحور العين.

في هذه الخطط يتم تجاهل الأسباب الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى أن يصيروا مشاريع انغماسيين، ويتم القفز عن حقيقة أن الكثير من «الجهاديين» إنما أتوا من أماكن شديدة الفقر والبؤس

هذه المشكلة لم تظهر الآن فقط، ولا أظنها ستنتهي قريبًا، أعني مشكلة اختزال الأسباب الكامنة وراء انتشار ظاهرة التطرّف، أو الأسباب التي تدفع الشباب نحو جحيم الحرب السوريّة، في الأسباب والدوافع التي تتوافق والصور الذهنية الموجودة في رؤوسنا حول الإسلاميين. فالإسلاميّون، بالنسبة للعديد من المتحدثين في الشأن العام من التيارات المدنية أو العلمانية، كائنات أحادية البعد، لها هدف واحد في الحياة، البعض يرى هذا الهدف هو إقامة دولة الخلافة على الأرض، والبعض الآخر يرى فيهم أعضاء جنسية تبحث عن إشباع رغباتها التي يحول بينهم وبينها التبتّل المجتمعي والكبت الجنسي!

وبسبب هذا الجهل والاستسهال، وبسبب غايات في نفس الساسة ومثقفيهم، يتم تجاهل كافة الأسباب الممكنة والمحتملة لهذه الظواهر، ويتم الاكتفاء بالأسباب الأقرب إلى قناعاتهم.

بالتالي، عند وضع خطط مكافحة التطرّف يدور الحديث طويلًا عن دوْر مراكز تحفيظ القرآن، أو عن خطب الجمعة، أو عن عدم جرأة علماء الدين على مراجعة النصوص الدينية، وميراث ابن تيمية والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما.

وفي هذه الخطط يتم تجاهل الأسباب الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى أن يصيروا مشاريع انغماسيين، ويتم القفز عن حقيقة أن الكثير من «الجهاديين» إنما أتوا من أماكن شديدة الفقر والبؤس. كما يتم تجاهل الفيل الجالس معنا في الغرفة: «إسرائيل» وأمريكا، ودورهما في تغذية التطرّف في العالم.

كما يتم تجاهل سؤال ما الذي على المواطن العربي العادي أن يفعله عندما يرى على شاشة التلفزيون، أو عبر الفيسبوك صورة لمجموعة من المستوطنين تقتحم المسجد الاقصى، ولا ما الذي يتوجب على شاب ما أن يفعله وهو ينظر إلى الطفل الناجي من مجزرة عائلة الدوابشة، خاصة في ظل انغلاق تام في حاضر العمل السياسي الحقيقي ومستقبله القريب، أعني العمل السياسي الجاد الذي يحتمل أن يقود إلى تغيير فعلي.

في ذهن التنويري المستشرق، عربيًا كان أم غير عربي، يمكن رد أحداث سوريا إلى حادثة السقيفة، بدلًا من رؤية أثر الغزو الأمريكي للعراق على تفتيت المنطقة. ومن اليسير جدًا أن يحدثنا هذا المتنور عن دور فتاوى الإمام الغزالي في الوصول إلى القبح المحيط بنا، بدلًا من رؤية أثر الاستعمار الغربي في تدمير هذه «الأمة» حضاريًّا. ومن الممكن لدى فولتيريي هذا العصر أن يردّوا «الظاهرة» الجهادية إلى «بعثت بين يدي الساعة بالسيف» بدلًا من رؤية أثر العدوان الصهيوني على تمزيق الكرامة الوطنية والدينية لشعوب هذا الجزء من العالم.

ربما لا يعرف الشاب العربي القادم من نجد أو من تونس، ما الذي تعنيه عبارة «ثالث الحرمين الشريفين»، لكنه يعرف تمامًا أثر البسطار الأمريكي على كرامته، وربما لا يعرف هذا الشاب أحكام التيمم، لكنه يؤمن أن الفتاة التي اعتدى عليها جنديّ أبيض في فلسطين إنما هي فتاة سيسأله الله لم تخاذل عن نصرتها أو إنقاذها، وأن الحظ وحده هو الذي جعل منه يولد في الرياض عوضًا عن أن يولد في الخليل.

في الوقت الذي يستمني فيه بعض الشيوخ والقافزون على المنابر على الحور العين، يستمني بعض «التنويريين» على هذا السلوك، ويستغلّونه من أجل تفسير ظواهر شديدة التعقيد بأقل قدر ممكن من الجهد، والوصول لنتائج تشبه الصور النمطية التي يروّج لها اليمين الأوروبي المغرم بتصوير العرب والمسلمين على أنهم كائنات شهوانية جائعة للجنس.

من السهل أن نقول أن التخلف موجود في جيناتنا، وأن من يقاتل إنما يقاتل لأنه مصاب بانتصاب لا شفاء منه، لكن الحقيقة -من وجهة نظري على الأقل- هي أن هذا الاستسهال سيقودنا إلى قعر أسوأ من الذي نعيش فيه الآن، وسيزيد من الانقسام الذي نعاني منه، وسيطيل عمر الكارثة بدلًا من المساهمة في التقليل من أثرها، أو لا سمح الله، حلّها.

ليست هذه محاولة للدفاع عمّن غادروا بلدانهم للقتال في سوريا، ولكنها محاولة للدفاع عن تركيبيّة الظواهر، بدلًا من التعامل معها بسطحية مخلّة، لا تقودنا إلّا لمزيد من قتل الفقراء للفقراء، ولمزيد من «التنويريّين»، ومن الشقر القادمين لدراسة هذه الكائنات الشرقية قبيل انقراضها.

  • سفيان

    “الداعية” المحيسني قلتلي؟