رأي

الوصاية الهاشمية على القدس: سيادة لا تفرض إلا على المطالبين بها

الأربعاء 14 تشرين الأول 2015

لا تكف الدولة الأردنية بجميع مؤسساتها عن الترويج لارتباطها بالقضية الفلسطينية في خطاب يوحي لنا -كما يبدو في الصحف ووسائل الإعلام- بأنها ستقرع طبول الحرب بعد وقتٍ قصير في حال استمرت الأوضاع بالتدهور في الضفة الغربية. لكن عند النظر إلى أفعالها على أرض الواقع، يتلاشى أي انطباع بتعامل الدولة جديًا مع القضية.

يردد لسان حال الحكومة دومًا أنها لن تسكت وستردّ بقسوة على قدر الحدث، ولن تسمح لإسرائيل بالتغطرس والتمادي أكثر من ذلك. ذلك الخطاب يشعرنا بأن الأردن غير ملتزم بمعاهدة سلام مع إسرائيل ويتحدث من موقع الممانعة «محتفطًا بحق الرد» على ما يجري. فأين هي نتائج تلك الخطابات الآن؟ وهل لها أثر أم كانت عبارة عن فقاعات إعلامية موجّهة للداخل أكثر من أن تكون رسائل دبلوماسية تؤخد دوليًا على محمل الجد؟

ينصبّ اهتمام الأردن الرسمي على المقدسات الإسلامية التي حصرت المعاهدة دوره فيها في نص المادة التاسعة التي ورد فيها أن «تحترم اسرائيل الدور الحالي الخاص للملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس». وقد روّجت الحكومة قبل شهور لإنجازاتها المتعلقة بالتسهيلات للمصلين في المسجد الأقصى، لكن سرعان ما ضاعت حلاوة تلك التسهيلات، التي ظهرت إعلاميًا على أنّها بطولات، عندما زاد انتشار المستوطنين في المسجد الأقصى يومًا بعد يوم، ولم يتبقَّ للأقصى من يدافع عنه حقيقةُ سوى المرابطين فيه.

انتقادات لجنة فلسطين النيابية للدور الأردني الهزيل في القضية الفلسطينية لم تعجب رئيس الوزراء عبد الله النسور في إحدى الجلسات النيابية الأخيرة، وامتد عتب النسور وهو يدافع عن الإجراءات الحكومية ليتحول لمشادة كلامية بينه وبين رئيس اللجنة. لكن الحال لم يتغير بعدها ولم نلحظ أي تغير في الخطاب الرسمي أو في واقع الحال بالأقصى، حيث استمرت مواجهات المرابطين مع المستوطنين الذين يقتحمون المسجد لتتطور الحالة إلى هبّة شعبية لا تزال دائرة بضراوة، والأردن يكتفي بالتصريح حتى الآن.

الأردن لا يرغب بالتحرك، ولا يرغب لأحد بالتحرك أيضًا على الصعيد الداخلي، وهذا ما يثبته التعامل الأمني الشديد مع الفعاليات التي خرجت لتساند الهبّة، فالرد بالقمع على فعالية اليسار التي أقيمت يوم الجمعة أمام السفارة الإسرائيلية كان سريعًا. ولم يكن فض الاعتصام كافيًا بالنسبة للمؤسسات الرسمية، ليتم تحويل المعتقلين إلى  مدعي عام عمان كي تجري محاكمتهم لاحقًا بتهمة التجمهر غير المشروع*.

بدلًا من أن يسعى الأردن لجعل وصايته على القدس ذات معنى على أرض الواقع، فإنه يفرض «هيبة وسيادة الدولة» بالقوة على من يطالبون بتفعيل تلك السيادة.

سبق ذلك الفض احتجاز دائرة المخابرات للشاب عبد الرحمن نجم الذي استمر 14 يومًا، بسبب نشاطه مع جماعة الكالوتي «جك» التي تطالب في اعتصامها الأسبوعي كل خميس بإغلاق السفارة الإسرائيلية وإلغاء معاهدة وادي عربة. فهل أصبح ممنوعًا أن تعادي إسرائيل علنًا وأن تطالب بإلغاء المعاهدة المرفوضة شعبيًا؟

قبل نجم، اعتقلت الأجهزة الأمنية الناشط الإسلامي عدنان أبو عرقوب، على خلفية مشاركته بمسيرة لنصرة المسجد الأقصى، وجرى تحويله لأمن الدولة بتهمة التحريض على مناهضة نظام الحكم.

بالنسبة للحكومة، لا فرق بين يساري أو إسلامي في هذه القضية، فهي تقمع الأصوات الرافضة للانتهاكات الواقعة على الأقصى، ولا ترغب بأي تحرّك أردني شعبي تجاه القضية الفلسطينية، بل ترغب باحتكار الخطاب حول الأقصى على طريقتها الخاصة، عبر القنوات الدبلوماسية التي لم تحصّل شيئًا حتى الآن، مكتفية بتعداد الانتهاكات من قبل وزارة الأوقاف دون التصريح عن الأرقام دوريًا. وحين يُقصى البعد الشعبي للموقف الأردني من القضية الفلسطينية ويتم الاقتصار على التصريحات الرسمية، فإن السيادة الهاشمية على المسجد الأقصى تصبح مجرّد كلام إعلامي مستهلك.

بدلًا من أن يسعى الأردن لجعل وصايته على القدس ذات معنى على أرض الواقع، فإنه يفرض «هيبة وسيادة الدولة» بالقوة على من يطالبون بتفعيل تلك السيادة. ففي الوقت الذي لم يعد للوصاية الأردنية أي سطوة أو هيبة وفي ظل التعنت الإسرائيلي، لا أعلم ما الذي تبقى للأردن الرسمي كي يفاخر فيه أمام شعبه اللصيق بالقضية الفلسطينية.

*تنويه: شملت نسخة سابقة من هذا المقال إشارة إلى تحويل المعتقلين إلى محكمة أمن الدولة، وتم تصحيح ذلك إلى مدعي عام عمان.