رأي

ما قبل مؤتمر لندن وما بعده: إحياء التحريض ضد اللاجئين في الإعلام

الإثنين 15 شباط 2016

على الرغم من أن خطاب العدائية تجاه اللاجئين السوريين -وأحيانًا الكراهية- في الإعلام الأردني ليس جديدًا، إلا أن وتيرته ازدادت مع بداية شباط بسبب تزامنه مع موعد مؤتمر المانحين الذي عقد في الرابع من الشهر.

صفحات الجرائد عجّت بالكثير من العناوين والمقالات المتعلقة بقضية اللجوء السوري، لكن التركيز الأكبر لهذه الأخبار كان على صفحات صحيفة الرأي شبه الحكومية التي لم تكتفي بالأخبار والمقالات، بل قدّمت ملحقًا حول اللاجئين يوم 2 شباط حمل في صفحته الأولى رسمًا لميزان  بكفتين إحداهما فيها «عبء اللجوء» والأخرى نسبة المنح المقدمة للأردن، وغلبت كفة العبء على المنح.

وبعد أيام قليلة تلقّف الإعلام المحلي مقابلة الملك عبد الله الثاني مع قناة البي بي سي البريطانية لنسمع تصريحًا ذا وقعٍ مختلف، خصوصًا أنه يأتي من رأس هرم الدولة الأردنية، قال فيه إن الأمور وصلت إلى «مرحلة حرجة»، متطرّقًا إلى معاناة المواطنين بإيجاد فرص عمل ومعاناة الحكومة من الضغط الهائل على البنى التحتية، وسط تهديد من نفاذ الصبر عاجلًا أم آجلًا.

لم تتوقف التصريحات والأخبار حتى اليوم فيما يتعلق بعمالة اللاجئين وسط تأجيج للشعور بعدم الارتياح والسأم من اللاجئين، فأحدى المواد المنشورة في الرأي حملت عنوان «أعباء ثقيلة للجوء السوري وارتفاع البطالة بين الأردنيين إلى ٢٢٪»، جاء في متنها أن «اللجوء السوري شكل عبئًا ثقيلًا على كاهل سوق العمل الأردني إذ ارتفع معدل البطالة بين الأردنيين من ١٤٪ الى ٢٢٪ منذ الأزمة السورية»، محمّلة أزمة البطالة كلّها للاجئين دون الاكتراث إلى الأسباب الأخرى المسببة للبطالة في البلاد.

لا بد وأن اللاجئين السوريين لم يكونوا السبب وراء وجود بطالة في تخصصات الطب والهندسة والتمريض والصيدلة وغيرها من التخصصات المغلقة على الأردنيين، ولم يكونوا السبب وراء الاختلالات بين حاجات سوق العمل والمخرجات التعليمية، فالكثير من السوريين العاملين في السوق الأردنية يعملون بوظائف يجحم الأردنيون أصلًا عن العمل فيها، وحلّوا مكان العمالة الوافدة التي غطّت تلك الوظائف كالزراعة وأعمال البناء والمطاعم.

وتستمر المواد الصحفية والتصريحات الرسمية بانتقاد مزاحمة اللاجئين السوريين للأردنيين على الوظائف، دون أن تتطرق إلى الاستغلال الذي يقوم به أصحاب العمل الأردنيون بحق اللاجئين، حيث يفضّلون العمالة السورية بسبب انخفاض أجورها بشكل كبير عن العمالة الأردنية، وساعات العمل المطوّلة التي يتحملها اللاجئ السوري دون أي كلف إضافية، فاللاجئ السوري صاحب الحاجة الماسة للعمل سيتحمل أي شيء من أجل بعض المال لتوفير القليل من الاحتياجات الاساسية.

اللاجئون السوريّون لم يكونوا السبب وراء وجود بطالة في تخصصات الطب والهندسة والتمريض والصيدلة وغيرها من التخصصات المغلقة على الأردنيين

جميع التقارير المنشورة قبيل المؤتمر وبعده والمتعلقة بعمالة السوريين لم تتطرق إلى ظروف العمل الصعبة التي ترتقي إلى أوضاع الاتجار بالبشر الذي عرّفه قانون منع الاتجار بالبشر الأردني في المادة 3 بأنه استغلال الأشخاص «عن طريق التهديد بالقوة او استعمالها او غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف»، في حين روّجت الصحيفة إلى الجهود الحكومية في خبرها بعنوان «إشادة أممية بالتزام الأردن بمكافحة الاتجار بالبشر».

مغالطات كبيرة وردت في بعض المقالات والأخبار ترفع نسبة الحقد بين اللاجئين والمواطنين الأردنيين، فالكاتب طارق مصاروة أجرى في مقال له حسبته الخاصة للمعونات التي تصرف للاجئين السوريين وانتهى إلى أنها تصل لـ2700 دينار شهريًا في حال كان عدد أفراد العائلة 5 أشخاص، وهو ما اعتبره «أكثر كثيرًا من دخل العائلة العفيفة الأردنية».

لا أعلم كيف عبرت مثل هذه الأرقام دون تدقيق، فالأرقام الحقيقة للمعونات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي هي 14 دولارًا شهريًا للفرد خارج مخيمات اللاجئين، و28 دولارًا لمن هم داخل المخيمات، وهي أرقام بعيدة كل البعد عن ما جاء في مقال المصاروة.

واستمرت الأرقام خلال المقالات بالتدفق دون أي تفنيد. ففي مقالة عصام قضماني التي حملت عنوان «ما قبل لندن شيء وما بعدها شيء آخر»،  جاء أن «كلفة استضافة اللاجئ الواحد حوالي 2500 دينار سنويًا»، حيث يوحي الرقم أن الأردن تتحمل التكلفة لوحدها، دون الإشارة إلى قيمة المنح والمساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات والدول المانحة من المبلغ الذي يصل إلى مليار و625 مليون دينار في حال كانت الكلفة صحيحة، مع العلم أن قيمة المنح الواردة في موازنة الأردن لعام 2016 هي مليار و128 مليون.

ويعود المصاروة في مقاله المذكور سابقًا للتحذير من «التحريض» الذي يمارس على الأردن عبر الامتعاض من سوء الخدمات المقدمة للاجئين، والذي إذا استمر سيقودنا إلى مصائب كبيرة، مستذكرًا أحداث عام 1970 في محاولة لتقريب المشهد ومقارنة المعطيات، داعيًا إلى الانتباه لهذا الـ«تحريض» أكثر من داعش كونه «يعيش بيننا» وقد يتحول إلى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر.

إذن فإن امتعاض اللاجئ وتذمّره من الحياة الصعبة البائسة التي يعيشها يعتبر تحريضًا، ولا يحق له أن يعلم أين تذهب المساعدات التي تأتي على اسمه ولا يعلم كيف يتم صرفها وإنفاقها وعلى أية مشاريع، وليس من حقه التعبير عن رأيه ايضًا، حيث يستمر التعامل مع اللاجئين جميعهم على أنهم طرف ثالث ما بين الدولة المستضيفة والجهات المانحة، طرفٌ مُستثنى على جميع الأصعدة لا يصلح إلا ليكون صورة على غلاف صفحات المجلات والدراسات والأخبار التي تتحدث عن أعباء اللجوء السوري.

المفارقة أن أوراق صحيفة الرأي تفرّق بين اللاجئين والمواطنين بحرية الرأي في قضية اللاجئين، حيث أن الكاتب صالح القلاب يقول في مقالته التي تحمل عنوان «مع الأردنيين الحق.. ولكن!» إن «من حق الأردنيين أنْ «يشكوا» وأنْ يتذمروا من تزايد أعداد إخواننا اللاجئين السوريين»، فأين يكمن المنطق بأن يتذمر المواطن من ضيق العيش ولا يتذمر اللاجئ منه؟

كما شاعت المقالات التي تتحدث بخوف عن توطين اللاجئين السوريين في الأردن خصوصًا بعد استخدام جهات رسمية لمصطلح «المكون السوري» بدلًا من اللاجئين، بالإضافة إلى مخاوف التغير الديموغرافي للبلاد بسبب ازدياد أعداد الوافدين غير حاملي الأرقام الوطنية. فالكاتب فهد الفانك حذر من انخفاض نسبة الأردنيين الذين يحملون رقمًا وطنيًا إلى 62% فقط، ولكن لا أعلم ما الذي يخيف الفانك وغيره من الكتاب، فازدياد أعداد اللاجئين لن يكون مؤثرًا في حال تم إيجاد حلول طويلة الأمد للاقتصاد الوطني، فحتى الحقوق المدنية غير السياسية لن تكون سهلة المنال لهم، ولنا عبرة في حالة أبناء الأردنيات أصحاب المعاناة المستمرة حتى بعد إقرار عدد من المزايا الحياتية الموعودة رسميًا.

من غير المنطقي أن يتم تحميل اللاجئين مسؤولية جميع مشاكل الدولة، فالأردن لم يكن جنّة الله على الأرض قبل مجيء اللاجئين، ومشاكلنا متراكمة منذ أعوام سابقة وحكومات متعاقبة

الكثير من المواد المنشورة في الإعلام الأردني قبيل المؤتمر وبعده تنتهك المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على حظر أي «دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف»، والأمر الأخطر هو ما يمكن ملاحظته من صدى لخطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي.

يتحاشى الكثير من اللاجئين الحديث عما يواجهونه يوميًا من كراهية ونبذ، لكن بعضهم صرّحوا لي علانية بأنهم يتلقون الكثير من الانتقادات والشتائم، الأمر الذي تعايشوا معه لكنّه ترك أثرًا سيئًا على نفسيات أطفالهم، حيث باتت جملة «سوري نوري» من أكثر الجمل التي يسمعها اللاجئين من أهالي قرية الحمرا في المفرق، في حين يعلّم لاجئ ستيني يقطن في الكرك ابنه أساسيات الطاعة والإذعان لكل من يضايقه ويشتمه في المدرسة.

لا أحد يختلف على تحمّل الأردن للكثير من الصعوبات بسبب اللجوء، لكن هذا لا يعني استخدام هذا الملف بطريقة سلبية ضد اللاجئين أنفسهم، فهم الذين لا ذنب لهم ولا حول لهم، من هربوا بسبب الاضطهاد والخوف على حياتهم، ومن المجحف أن يتحولوا إلى ورقة ضغط سياسية أو اقتصادية، ومن غير المنطقي أن يتم تحميلهم مسؤولية جميع مشاكل الدولة، فالأردن لم يكن جنّة الله على الأرض قبل مجيء اللاجئين، ومشاكلنا متراكمة منذ أعوام سابقة وحكومات متعاقبة.