رأي

«ترقيع» قانون العقوبات: مخالفة للدستور وانحياز لرأس المال

الأحد 04 حزيران 2017

من المنتظر أن يناقش أعضاء مجلس النواب في دورتهم القادمة في تموز المقبل، 13 مشروع قانون من بينها تعديلات مقترحة على قانون العقوبات، وتضمّن مشروع التعديل إلغاء المادة 308 التي تشرعن زواج المغتصب من الضحية، وهي الخطوة التي طال انتظارها.

لكن، وفي الوقت الذي تمرّر فيه الحكومة الأردنيًا قانونًا «تقدّميًا»، فإنها تشن، ضمن نفس التعديلات، هجومًا على العمّال وعلى الحياة السياسية في البلاد، إذ أن الحكومة عدّلت المادة (183 مكررة) من قانون العقوبات، «كل من أعاق تقديم خدمة عامة أساسية للجمهور أو حال دون تقديمها أو حرض على ذلك يعاقب بالحبس ثلاثة أشهر أو بالغرامة من خمسين دينارا الى مائتي دينار». ولكي يكون التعديل على المادة أكثر تحديدًا، فقط ذكرت قطاعات بعينها من خدمات الرعاية الصحية والكهرباء والمياه والهاتف والتعليم والقضاء والنقل، بوصفها خدمات عامة أساسية.

تبيّن رسالة رئيس الوزراء هاني الملقي لأعضاء مجلس النواب الثامن عشر، والواردة في ملحق جدول أعمال الجلسة السابعة والعشرين، ما وصفته الحكومة بالأسباب الموجبة لتعديل 78 مادة في القانون، ومن بين هذه الأسباب زيادة فاعلية العقوبات المقررة لبعض الجرائم، وتجريم بعض الأفعال وإضفاء الحماية الجزائية عليها.  

تعديل هذه المادة، بهذا الشكل، يعتبر انتكاسةً وتقويضًا لمسيرة الحراكات العمالية، كما يعد اعتداءً على الحرية النقابية وانحيازًا صارخًا لأصحاب العمل على حساب العمال، وفق بيان النقابة العامة للعاملين في الكهرباء. والتي تعتبر واحدة من القطاعات التي سوف تتأثر من تعديل المادة الذي سيمنع العمال من المطالبة بحقوقهم.      

«مفاد تعديل المادة القانونية، هو أن على العمال التوقف عن المطالبة بحقوقهم في حال تعسّف أصحاب العمل بحقوقهم؛ من واقع تجربتنا في النقابة فإن عمال الكهرباء سيكونون الأكثر تضررًا بحكم جوْر أصحاب العمل بحقوقهم»، يقول رئيس النقابة العامة للعاملين بالكهرباء علي الحديد.

و«في حال وافق مجلس النواب على تعديل المادة، فإن هذا يعني تكبيلًا للعمل النقابي، وضوءًا أخضر لتسلط أصحاب العمل على حقوق العمال، بالتالي هناك إحتمالية كبيرة لاستغناء شركات الكهرباء عن مزيد من عمالها، من هنا كيف يمكن لنا كنقابة التحرك»، يقول الحديد.

بلغ عدد الاحتجاجات في القطاعات التي سيشملها تعديل المادة المذكورة، ما بين عامي 2010 و2016، 1310 احتجاجًا من أصل 3735 احتجاجًا عمّاليًا، أي بنسبة 35% من إجمالي الاحتجاجات العمّالية التي شهدها الأردن، وفق مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض.

يحذر علي الحديد من سيناريو الإضرابات العشوائية؛ فالنقابة كما يقول لحبر، دورها منظّم لإضرابات العمال، وعند نقطة التوقف عن القيام بهذه الخطوة، فذلك يعني سيناريو إضرابات عشوائية غير منظّمة، وهذا ما سوف يعرضّ العمّال للعقوبات لا محالة.

«تعديل المادة 183 جاء متناغمًا مع طريقة التفكير الأمنية التقليدية، والتي ترى أن التضييق على المجتمع المدني والنقابات العمالية والحراكات المجتمعية يساعد على حفظ استقرار البلد، وهذه فرضية أثبتت العديد من التجارب العالمية والإقليمية خطأها»، يقول عوض.

تعارض مع الدستور  

تعديل المادة 183 يتعارض مع المواد 134، و135، و136 من قانون العمل الأردني لا يجوز لأي عامل أن يضرب أو لأي صاحب عمل أن يغلق مؤسسته في أي من الحالات التالية: إذا كان النزاع مُحالًا على مندوب التوفيق أو مجلس التوفيق أو المحكمة العمالية. خلال المدة التي تكون فيها أي تسوية نافذة المفعول أو أي قرار معمول به وكان الاضراب أو الاغلاق يتعلق بالمسائل.

كما أن المادّة المعدّلة لا تخالف مواد قانون العمل فحسب وإنما مادتين دستوريتين هما  23 و128. واللتين تنصان على «تنظيم نقابي حر» وعلى أنه «لا يجب أن تؤثّر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها»، على التوالي.

المحامية نور الإمام تشير إلى خطورة ذكر قطاعات عمل بعينها في المادة المعدّلة، «مؤشر خطير في تجريم حق العمال في الإضرابات، خاصة وأن السنوات الأخيرة شهدت حراكًا عماليًا كبيرًا في هذه القطاعات المذكورة صراحة في المادة».

القطاع الخاص قد يستفيد من المادة في حال إقرارها لاستخدامها ذريعة قانونية قابلة للتطبيق بحق حقوق موظفيه العمالية في حال سلكوا طريق الاحتجاج والإضراب.    

تعارض مع حق التنظيم  

بالرغم من عدم مصادقة الأردن على الاتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم لعام 1948 إلا أنه ملزم بضمان الحريات النقابية باعتبارها جزءًا من المبادئ والحقوق الأساسية بالعمل. كما أن الأردن مصادق على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والذي ضمن الحريات النقابية والحق في الإضراب في مادته الثامنة، «لطالما كانت الإضرابات طريقًا سلميًا لتحقيق مطالب عمالية، فالأصل الاستجابة لها من خلال تحسين شروط العمل والاستماع إلى العمال وليس تقييد حقهم في الاحتجاج السلمي، وعندما تمنع العامل من الإضراب باعتباره إجراءً سلميًا، فأنت تدفعه إلى القيام بإجراءات غير سلميّة» يقول عوض.

تقرير لمنظمة العمل الدولية، صدر عام 2008 حمل عنوان (الحرية النقابية على أرض الممارسة، دروس مستخلصة) يشير إلى إنّ الحق في الإضراب حقٌ معترفٌ به في الصكوك الدولية ولكنه غالبًا ما يكون مقيدًا بشكل غير ملائم في القانون والممارسة في العديد من الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية، خاصة في بعض الخدمات العامة».

يوضح عوض «أن ثمة تقييدًا للحق في الإضرابات في الخدمات الأساسية، وفق تعليقات لجنة الحريات النقابية في منظمة العمل الدولية إلا أن هذه القيود ارتبطت بضرورة قيام الحكومات بتسهيل عمليات التفاوض مع العاملين وسرعة الاستجابة الى مطالبهم، ولم تمنع الحق في الاضراب».

يتوجب على اللجنة القانونية في مجلس النواب أن تقيد المادة أو ترد القانون عندما يُحدث تضاربًا مع الدستور، تقول الإمام.

لم تناقش اللجنة القانونية المادة 183 بعد، ويقول النائب ياغي أنه لا يمكن أن يمر قانون يتعارض مع الدستور، الدستور سوف يسمو، ولدينا مجلس أعيان ومحكمة الدستورية، بمعنى لا يمكن أن تمر مواد تتعارض الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقع وصادق عليها الأردن.