رأي

الاعتصام المفتوح وكذبة «يحدث في كل العالم»

الإثنين 14 آذار 2016

منذ أن بدأ الاعتصام المفتوح لطلبة الجامعة الأردنية لإسقاط قرار رفع رسوم برامج الدراسات العليا والموازي، لم نكن نتوقع سوى ما خرج بالفعل من اتهامات للطلبة المشاركين بالسعي وراء كل شيء سوى مصالحهم المباشرة ومصالح أقرانهم. لكن وسط كومة المغالطات التي تُساق ضد المعتصمين، على اعتباطيتها في كثير من الأحيان، يمكن تحديد افتراضين أساسيين تدور حولهما معظم الاتهامات: أن رفع الرسوم هو «الطبيعي» في أي مكان في العالم، وأن الطلبة لا يمكن أن يتحركوا دون «أياد خارجية».

حين يقال أن رفع الرسوم هو قدَر أي جامعة تدخل «سوق التعليم» في العالم، يجدر السؤال: عن أي عالم نتحدث؟ لقد أُشبع الأردنيون في العقود الثلاثة الأخيرة بدعاية فجة رافقت سياسات الخصخصة، حوّلت مجموعة من الموالين أبدًا إلى مروّجين لأشد افتراضات النيوليبرالية هشاشة، وهي المساواة المباشرة بين فتح الأسواق والتطور. فـ«العالم المتطور» الذي يستحق التطلع إليه، في افتراضات هؤلاء، هو العالم الذي تلعب فيه الحكومة دورًا اقتصاديًا في الحدود الدنيا.

في سياق الحديث عن التعليم، قد يجد هذا الافتراض أمثلته في بعض «الدول المتطورة» التي لا تدعم حكوماتها التعليم العالي. لكن التجارب الناجحة لدول عديدة متنوعة اقتصاديًا وديموغرافيًا وثقافيًا -من ألمانيا والنرويج إلى الهند والأرجنتين والأورغواي- في التعليم المجاني أو شبه المجاني لا تدخل في الحسبان، ولا حقيقة أن «أسواق التعليم المفتوحة» التي يشاد بها لم تسلم يومًا من المطالبات ذاتها بمجانية التعليم أو تخفيض رسومه. والأهم الذي يُغض الطرف عنه هو الخيارات الأخرى المتاحة أمام الطالب في تلك الدول.

حين نضع أنفسنا بأريحية على هامش هذا العالم-المركز، تكثر محاولات استنساخ حلوله دون الخوض في السياقات التي أتت منها، ويتم إسقاط هذه الحلول على كثير من أوجه النقاش حول جدوى الاعتصام والمطالبة بتعليم جامعي معقول الكلفة.

يصبح السؤال «لماذا نركز على التعليم الجامعي حين يتجه العالم نحو التعليم المهني بازدياد؟»، ويُصرف النظر عن تنافس الجامعيين على فرص عمل محدودة أصلًا قد لا تكون ضمن تخصصاتهم، وعن الفرص المتناقصة في العمل المهني نفسه، وعن بؤس ظروف العمل فيه وبؤس أجوره. يُنقل التركيز من المطالبة بالتعليم العالي كحق إلى مدى جودته مقارنة بدول أخرى، وكأن اللاتعليم أفضل من تعليم متواضع يمكنه بالحد الأدنى أن يضع تحت تصرف الطلبة موارد قد تمكنهم من بناء معارفهم ومهاراتهم. وبدلًا من أن تُقدَّر كلف التعليم بمقارنتها بمتوسطات الدخل في الأردن، تصبح القيمة المرجعية للمقارنة هي رسوم حضانات لأطفال فئة الواحد بالمئة من المجتمع، على اعتبار أن وجود حضانات ومدارس خاصة تنهب في قسطها الواحد أكثر من مجموع ما يجنيه المرء في سنة يبرر نهب طلبة الجامعات بمبالغ أكبر.

لا يحدث في «كل العالم» أن يضطر الطلاب لتحمل خسائر استثمارات جامعاتهم. ولا يحدث أن يُخيّروا بين تعليم لا يستطيعون تحمل كلفته ومهن لن تمنحهم أكثر من الحد الأدنى من الدخل دون فرص تطور تذكر. ولا يحدث أن يُطلب منهم أن يموّلوا دراساتهم العليا بوظائف تغطي معيشتهم وتعليمهم وتملك من المرونة ما يسمح بالتوفيق بين الأمرين في سوق تكاد تكون هذه الوظائف فيه شبه معدومة. ولا يحدث في «كل العالم» كذلك أن يُطالب الطلبة بإعلان براءتهم من أي شكل من أشكال التسيّس حتى تصبح مطالبهم قابلة للنقاش.

من هنا ينطلق الافتراض الثاني الذي تقوم عليه الاتهامات الموجهة للطلبة المعتصمين. فكما أن العمل السياسي الجاد آثم في الفضاء العام الأردني بعامة، هو آثم كذلك في الجامعات، لكن إثمه مضاعف فيها لأن أحدًا ما قرر أن تفعيل دور الجامعات كساحة لتطوير الاتجاهات السياسية والفكرية وبلورة أفكارها عبر نقاش مفتوح يتناقض جوهريًا مع رصانتها العلمية، وتماشينا جميعًا مع ذلك.

هذا الافتراض نتيجة متوقعة في فضاء رسمي معادٍ للسياسة، لكنه يتجاوز ذلك ليكون بابًا للتشويه والتشكيك، كان على رأس من استخدمه رئيس الجامعة نفسه حين رأى أن جهات سياسية خارج الجامعة «تتدخل في إرادة الطلبة وقرارهم». لكن هذا الاتهام قد يبدو وديعًا إزاء آراء ذهبت في الاتجاه ذاته لكن بلغت حد اعتبار الاعتصام استنساخًا لـ«رعب» الرابع والعشرين من آذار، أو حتى تشبيهه بنسخة مخففة من إرهاب «داعش».

وكامتداد طبيعي لمطالبة المعتصمين بالتطهر من السياسة، يُطالبون اليوم بالتجانس التام ونبذ أي تنوع في أصواتهم ليسهل وضع اعتصامهم في خانة العمل المطلبي «البريء». هذه المطالبة، إلى جانب كونها محاولة لتفصيل الاعتصام «الشرعي» على مقاس إدارة الجامعة، تُغفل أنه حين يتظاهر آلاف الطلاب لأجل مصلحة مشتركة تجمعهم وتمس حياتهم وحياة أهاليهم بشكل مباشر، فإن أصواتهم وهوياتهم واتجاهاتهم ستتعدد وتختلف، وليس في ذلك ما يعيب اعتصامهم في شيء، بل أن خجل أي تحرك طلابي من تنوعه هو أمر مثير للريبة. لذا، فمن يحرض ضد الاعتصام سيجد دومًا ما يسند اتهاماته للطلاب بالعنصرية أو بشكل من الإرهاب، لكن ذلك لن يكون دليل إدانة للمعتصمين.

مرة أخرى، ليست هناك أي مفاجأة في هذه الاتهامات التي تنبع من عقلية ترى في كل شيء ما عدا التصفيق إرهابًا بدرجة أو بأخرى. لكن هذه العقلية حين تهين الطلبة المعتصمين باعتبارهم أقل من أن يتخذوا قرارهم بيدهم ويسعوا من أجل حقوقهم، فهي تكشف قصورها على أن ترى المغزى في أي مطالبة أو أن تقف مع أي حق يدافع عنه صاحبه، وتمنح المعتصمين أفضلية هامة. فطالما أن لا أحد في الأردن -طلابًا أو عمالًا أو ناشطين سياسيين- يتحرك إلا بإملاءات خارجية بنظر هؤلاء، فسيظل التحرك واحتمالاته فوق قدرتهم على التنبؤ.

* الصورة بعدسة معاوية باجس.